العالم الآن

ألواح غزّة

اللوح الثاني: اكتشافُ إسرائيل؟

ألواح غزّة

اللوح الثاني: اكتشاف إسرائيل؟

أدت حرب غزّة، بأسبابها ووقائعها وطبيعتها، إلى نشوء ارتياب بحقيقة معرفتنا بـ (إسرائيل)، ارتياب سيتحوّل مع فصول الحرب إلى شكٍّ قاطع فيما إذا كنا نعرف إسرائيل فعلاً، أو أنَّ معرفتنا بها ناقصة ومبتورة، أو أننا لا نعرفها أبداً؟

يرتبط هذا التساؤل ارتباطاً وثيقاً بكيفية تعرّفنا إلى إسرائيل؟ أي كيف تشكّلت معرفتنا بها، وأية صورة لها هي الحاضرة في وعينا؟

تعود معرفتنا بـ (إسرائيل) إلى مصدرين رئيسين، أولهما واقع وجودها، وثانيهما رواية وجودها. ولا تخفى بالطبع بديهيّة علاقة المرجعين أحدهما بالآخر.

I

في مستوى الواقع، يمكن التعرّف إلى إسرائيل كدولة ابتداءً من إعلانها في 15 أيار 1948، قبل ذلك كانت دولة إسرائيل مشروعاً للحركة الصهيونيّة المؤسسة في نهاية القرن التاسع عشر. هذه الدولة المُتخيلة لم يكن عندها أرض لتقوم عليها، فبحث قادة مشروعها عن أرض سيكون اختيارها متوافقاً مع المصالح العليا للقوى الكبرى في العالم، لتكون فلسطين أو (المنطقة السمراء) من خريطة اتفاقيّة (سايكس – بيكو 1916) هي الأرض الملائمة لتنفيذ هذا المشروع.

قام هذا المشروع على مبدأ (الحلول محل المالك)، أي إخلاء الأرض بطرد أو نفي أو قتل صاحبها واغتصابها بالقوة. بهذا المعنى اتخذت إسرائيل كدولة وضعية المُغتصب، ولما كان مشروعها غير منتهٍ فإن هذه الوضعية ستلازم وجودها ومعناه، أي أنها ستظل من لحظة ولادتها 1948 وإلى الآن تمارس فعل الاغتصاب، فهي محكومة به بفعل طبيعتها ومرجعياتها الايديولوجيّة ووظيفتها الجيوسياسيّة.

بالرغم من حالة التوتر التي تلازم وجودها إلّا أنَّ دولة إسرائيل ليست “أوهى من بيت العنكبوت”! فهذا الشعار الذي يتم ترويجه لأسباب (تعبويّة؟) يؤدي إلى تضليل الرؤية وحرف المعرفة بـ (إسرائيل) بإحلاله (الوهم) بديلاً من (الواقع).

التوتر الملازم لوجود إسرائيل، والذي هو نفسه التوتر الملازم للمُغتصب – المجرم والقوي في آن، لا ينفي معطيات واقع هذا الوجود:

1- إسرائيل كواقع هي (مخلوق غربي)، فهي ليست دولة حليفة ولا صديقة ولا مُقرّبة ولا مؤيدة… للغرب، بل هي جزء عضوي منه، منذ أن تشكّلت كمشروع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتأسست كدولة بعد الحرب العالميّة الثانية، وصولاً إلى الآن.

وجودها ليس ببعد وظيفي واحد ومحدود بالحقل الجيوسياسي أو الاستراتيجي، بل يتجاوز ذلك نحو كونه حلاً لمسألة أوروبيّة لم تكن سوى (المسألة اليهوديّة)، وإن كان حلّ هذه المسألة قد حصل جغرافيّاً في (الشرق) إلاَّ أنَّ توضيعه كمشروع جاء بمواصفات غربيّة على مستوى النظام السياسي، كما على مستوى طبيعة الدولة.

إسرائيل بهذا المعنى هي (جزيرة غربيّة) في برِّ الشرق. سيتخلى عنها الغرب الأورو – أميركي، عندما تصاب مراكزه بالضعف، أو عندما ينتهي واقع (الجيتو اليهودي) في مجتمعاته والذي يؤكد استمراره دينيّاً وثقافيّاً إلى جانب (اللوبيّات) والمنظمات والمؤسسات اليهوديّة، في برهان غير قابل للشكّ، بأن المسألة اليهوديّة التي جوهرها يكمن في إشكاليّة الاندماج في المجتمعات الغربيّة لا تزال مستمرة إنما بشكل مغاير لما كانت عليه سابقاً، وإن يتم التستر عليها وإنكارها رسميّاً وإعلاميّاً.

تراجع الوظيفة الجيوسياسيّة لإسرائيل، لا يكفي كي يتخلى عنها الغرب. هذا (المخلوق) سيبقى في المدى المنظور، وفق ما رأى روجيه غارودي مرة مفككاً الخلفيّة الأوروبيّة في العمل على ولادته كدولة، سيبقى “الجيتو العالمي” لليهود المرتبط بشرايين سكانيّة تغذيه من الجيتوات القائمة هناك.

أميركيّاً، وعلى نحو خاص، إسرائيل امتداد أميركي في (قلب العالم).

إسرائيل، ليست موجودة بذاتها ولا يمكن أن تستمر بذاتها. هي موجودة نشوءً وواقعاً بانتمائها إلى الغرب الأورو – أميركي. تفككها الداخلي، أو انقسامها – بعض ظواهره الأولى كانت بادية قبل 7 تشرين أول 2023 – من شأنه أنْ يضعها على أبواب حرب أهليّة، وهو مصطلح أصبح معتاداً في صحافتها، وفي هذه الحالة التي لم يكن يتخيلها أي مؤرخ أو مراقب استراتيجي قبل عدّة سنوات، لا يمكن التكهن بالكيفيّة التي سيتعاطى فيها الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركيّة معها؟

2- ارتباطاً بما سبق، وعلى مدى 75 عاماً، تم تعمير دولة إسرائيل بمواصفات غربيّة عالية، فهي دولة حديثة في مختلف الحقول، بمستوى معيشة مرتفع في مؤشراته، وفي حقل التكنولوجيا العليا، تأخذ مكانة متميزة وخاصة. الشركات العملاقة مثل غوغل وغيرها ترتبط بمراكز أبحاث إسرائيليّة، أقمارها الصناعية تجوب السماء فيما زراعتها المتقدمة تستثمر الأرض على نحو مثالي.

يمكن القول: تمكّنت إسرائيل خلال سنواتها الـ (75)، من صنع فارق في مستوى الحداثة مع محيطها من العراق إلى لبنان وصولاً إلى مصر، فارق ازداد إلى درجة قياسية مع تفكك هذا المحيط وضرب بناه التحتية وتدمير أغلب مدنه ابتداءً من الحرب الأهليّة اللبنانيّة في السبعينيّات مروراً بحروب العراق والشام وصولاً إلى الآن.

3- تمتلك إسرائيل برنامجاً نوويّاً منذ خمسينيّات القرن الماضي، وهو برنامج سرّي وخارج عن رقابة المنظمات الدوليّة. يمكن القول إنَّ إسرائيل دولة نوويّة، لكن ليس هنالك معلومات معروفة عن قدراتها الحقيقيّة؟

السلاح النووي لم يُنتج كي لا يُستخدم وتكون وظيفته ردعيّة وحسب، كما هو رائج، فقد سبق وتم استخدامه سابقاً من قبل الولايات المتحدة – هيروشيما – ودون وجود سبب عسكري، وبقراءة لإسرائيل كواقع ووظيفة ومرجعيّات إيديولوجيّة، يتبدى بوضوح أنَّ هذا السلاح سيستخدم عند الحاجة، وإن أدى إلى (خراب أورشليم)، فهو يتخفّى منتظراً تحت مسمّى: الخيار شمشون.

في الخلاصة، إسرائيل دولة غربيّة “أميركيّة”، مُغتصِبة ووجودها موسوم بالتوتر، لكنها حديثة ومتقدمة، تمتلك أسلحة نوويّة وبرنامجاً سريّاً، وإن كانت خارج نادي الدول النوويّة المعروفة.

II

ما هي رواية وجود إسرائيل؟

يعتبر المفكّر الفرنسي المعروف روجيه غارودي (1913 – 2012)، هذه الرواية بأنها حزمة من الخرافات، أو الأساطير اللاهوتيّة ” الوعد – الشعب المختار – التطهير العرقي (يشوع وعزرا)” والأساطير الناشئة في القرن العشرين – خلال وبعد الحرب العالميّة الثانية (1938 -1945) – ” معاداة الصهيونيّة للفاشيّة – عدالة محاكمات نورمبرج – الملايين الستة المحروقين في أفران النازيّة – أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. غني عن القول أنَّ كتاب غارودي “الأساطير السياسيّة المؤسسة لدولة إسرائيل” أدى إلى إعدامه في بلده فرنسا وفي أوروبا وأميركا الشماليّة، معنويّاً ورمزيّاً.

من جهة الداخل الإسرائيلي، شكّلت موجة “المؤرخين الجدد” ابتداءً من نهاية ثمانينيّات القرن العشرين، التحدي الأبرز لشبه الإجماع المفروض أو الذي كانت تتمتع به الرواية الصهيونيّة. ولم تقتصر اهتمامات هؤلاء المؤرخين على نقض الرواية الرسميّة لتأريخ الأحداث المرافقة لولادة دولة إسرائيل (1947 – 1948)، بل تعدتها نحو التأريخ لولادة الحركة الصهيونيّة في القرن التاسع عشر باعتبارها مُنتجاً (استعماريّاً إمبرياليّاً) غربيّاً.

الآن، ما هي رواية وجود إسرائيل، وإلى أين يمتد نفوذها؟

رواية إسرائيل، هي تلك السرديّة التي وضعتها الحركة الصهيونيّة وفرضتها على معتنقي الديانة اليهوديّة، ومن ثم على المجتمعات الغربيّة ومؤسساتها السياسيّة، حيث استندت على هذه الرواية في استيلاد دولتها وتأسيس استراتيجياتها ومدها بمقومات الاستمرار.

يمكن تكثيف هذه الرواية كما يلي: أتباع الديانة اليهوديّة أينما كانوا ووجدوا في روسيا، أو إنكلترا، أو كندا، أو أثيوبيا، أو العراق، أو إيران، أو المغرب… يتحدّرون من تلك القبيلة اليهوديّة التي وفق الشجرة العرقيّة تصل إلى إبراهيم. ظهرت عوائل هذه القبيلة مع نزول التوراة في سيناء، ثم لتخرج من مصر وتحتل أرض كنعان لكونها “الأرض الموعدة” التي منحها لها “الرب”، ولتقيم هناك مملكتي داوود وسليمان قبل أن تنقسم إلى يهودا وإسرائيل….. ومع تدمير الهيكل في العام 70 ميلادي، انتشر ” الشعب اليهودي” في شتى أصقاع العالم، وظلّ مشتتاً قرابة الألفي عاماً محافظاً على نفسه دون أن تتمكن المجتمعات المُضيفة له من دمجه وتذويب شخصيته.

بعبارة مكثّفة، الرواية الصهيونيّة تقرر أنَّ اليهود ليسوا أتباع ديانة وحسب، بل شعب يعود إلى أصل عرقي واحد.

بطبيعة الحال، تتعرّض هذه الرواية الآن لنقد شديد من المؤرخين الجدد وغيرهم. يعتبر شلومو ساند مؤلف كتاب “اختراع الشعب اليهودي” أنَّ ” الصهيونيّة أمّمت الديانة اليهوديّة” ولا يتردد في التساؤل إن كان “هتلر الذي مني بهزيمة عسكرية في العام 1945 انتصر في نهاية الأمر فكريّاً وعقليّاً في الدولة (اليهوديّة)؟”.

هل يتوقف نفوذ هذه الرواية عند حدود أتباع الديانة اليهوديّة؟

طبعاً لا، فهي تفرض نفسها كرواية معتمدة عن تاريخ “الشعب اليهودي” في الثقافة السياسيّة والدينيّة لمختلف شعوب العالم. وإذا كان من الطبيعي أن تتمكن الحركة الصهيونيّة من فرض روايتها على المجتمعات الغربيّة عموماً، لأسباب عديدة صاحبت تبني هذه المجتمعات ودولها لمشروعها، على أنَّ الإشكاليّة الكبرى تتمثل في تبني مؤسساتنا السياسيّة والثقافيّة والدينيّة والتربويّة للرواية الصهيونيّة باعتبارها رواية “تاريخ اليهود” فعلاً؟

على هذا النحو فرضت الحركة الصهيونيّة علينا مكوناتها المعرفيّة ومنهجيتها في التعرّف إليها وإلى مشروعها: دولة إسرائيل.

المعركة الأولى التي انتصرت فيها الحركة الصهيونيّة، كانت في تحويل (طائفة دينيّة) إلى (شعب)، ولم تكن لتتمكن من ذلك دون اعتمادها خرافة عزرا التوراتيّة بإقامة الجدار الحديدي الذي يمنع اليهود من الاختلاط العرقي بغيرهم. ” العرق اليهودي” هو المقوّم الوحيد والحصري الذي مكّن من ” اختراع الشعب اليهودي” على حد تعبير شلومو ساند. دون العرق ينتهي الشعب وتعود الطائفة أو الدين.

 سيكون علينا الإقرار أنَّ مصادرنا الدينيّة تتفق مع جذر الرواية الصهيونيّة، ومن هذه المصادر يتم استيلاد شرعيّة للصراع مع إسرائيل باعتباره صراعاً دينيّاً، كما في الوقت نفسه ومن المصادر نفسها يتم استيلاد شرعيّة للسلام مع إسرائيل لأسباب دينيّة وعرقيّة مزعومة (الحيثيات التي قدمها الرئيس أنور السادات لإضفاء شرعيّة دينيّة – عرقيّة على اتفاقيات كامب ديفيد 1978)، والآن (الابراهيميّة)!

III

وجوداً وروايةً، لا يمكن لإسرائيل الانقلاب على مقوّم وجودها: العرق. مع نفيه، لا يتبقى من مقوّمات تجمع اليهود كـ (شعب واحد في دولة واحدة). ترتهن حيثيّة وجود إسرائيل، بهذا المعنى، إلى هيمنة السرديّة الصهيونيّة على اليهود والمجتمعات الأورو – أميركيّة، ومجتمعنا بمؤسساته الثقافيّة والسياسيّة فضلاً عن طوائفه ومذاهبه الدينيّة.

الخيار العرقي، هو الخيار الوحيد لإسرائيل، ومع سقوطه تسقط الصهيونيّة ودولتها، لذلك تُسجل (اليهوديّة) على البطاقة الوطنيّة للإشارة إلى الهويّة لا إلى الدين.

لذلك، لا يمكن أن تكون دولة إسرائيل الصهيونيّة إلّا دولة يهوديّة عرقيّة.

وبهذا المعنى يمكن رؤية إسرائيل والتعرّف إليها من منظار تعريف كارل دويتش للأمّة: ” هي مجموعة من الناس يوحدها خطأ مشترك حول أصلها، وعداء جماعي تجاه جيرانها”، تعريف استعاره شلومو ساند في معاينته لـ (أمته)!

VI

التحرر من هيمنة السرديّة الصهيونيّة، يكشف إسرائيل على نحوٍ آخر ويعيد تعريفها في إطار الأحداث التاريخيّة وخصوصاً في القرن التاسع عشر، مع ملاحظة تقدم (السرديّات العرقيّة) في الأدبيّات الأوروبيّة، وخصوصاً منها الألمانيّة التي إلى جانبها نشأت وانتعشت (العرقيّة اليهوديّة). تلك الأحداث مع الأدبيّات المواكبة لها اجتمعت كعوامل مكّنت من تأسيس الحركة الصهيونيّة التي سرعان ما التحفت المصلحة العليا للإمبراطوريّة البريطانيّة، ومن ثم وبعد نهاية الحرب العالميّة الثانيّة اندرجت في بنيّة المصلحة العليا للولايات المتحدة الأميركيّة، على النحو الذي يؤكد اعتمادها مبدأ تشبيك مصيرها بمصير أقوى قوة عالميّة.

بهذا المعنى، تُعرّف إسرائيل كجزءٍ عضوي من الغرب الأورو أميركي.

V

لا يمكّن التحرر من السرديّة الصهيونيّة، إلّا بتحييد (المصادر والمرجعيّات الدينيّة) عن منظار معاينة الصهيونيّة. دون ذلك ستبقى المعاينة نصيّة (قراءات متضادة في النصوص الدينيّة المؤسسة)، وسيبقى التاريخ وأحداثه وفصوله بعيداً عن هذه المعاينة. وسنبقى تحت حكم السرديّة الصهيونيّة التي تشكّل طليعة هيمنة دولتها: إسرائيل.

اكتشاف إسرائيل، قد يكون المعركة التي يجب أن نخوضها لنرد على انتصار الحركة الصهيونيّة في معركتها الأولى: فرض سرديّة بتحويل أتباع ديانة من عروق لا تعُد ولا تُحصى إلى شعب من عرق واحد نقي خالص!

يتبع: اللوح الثالث…

——————-

اقرأ الحلقة الأولى: اللوح الأول: خوارزميّات العنف

‫2 تعليقات

  1. تتميز هذه المقاربة الثقافية نحو “إكتشاف إسرائيل” بميزتين أساسيتين: الأولى هي القراءة النقدية للسردية الصهيونية السياسية -الدينية -التاريخية التي زرعت في الغرب والشرق معاً روايتها المحبوكة بإتقان ، والمُحقِّقة إنجازاً لا يخفى على حطام بلادنا. أما الميزة الثانية فهي الجرأة في الدعوة إلى تثبيت الوقائع مكان الأوهام ، لعل ذلك يخض المستنقع الذي يعشش فيه الركود القومي لشعبنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق