-1-
المجزرة، ليست حرباً، بل وليست تفصيلاً أو جزئيّة في سياق الأعمال الحربيّة، فكما أنَّ القتيل ليس محارباً كذلك القاتل نفسه، الجزّار المدجج بالسواطير والبنادق والقنابل… ليس محارباً.
المجزرة “كارثة طبيعيّة”، تنتج من اختلال في النظام الذي يحكم الحياة. العاصفة كارثة، والفيضان كارثة، والزلزال كارثة، والبركان كارثة… والمجزرة كارثة.
الكارثة الطبيعيّة انقلاب على النظام الذي يحكم وجود الطبيعة، والمجزرة انقلاب على النظام الذي يحكم الوجود الإنساني.
العاصفة التي تقتلع الأشجار وتطيح بالمنازل والعمارات والسيارات والطائرات، لا تفعل ذلك إلّا لأنّها ناتجة من اختلال في نُظم الطبيعة، اختلال فيزيائي – وجودي عام يُنتج قوة غاشمة منفلتة داشرة تبحث عن مستقرها باستهلاك ضحاياها.
المجزرة، ليست اختلالاً في النظام الثقافي – الأخلاقي الذي يحكم الإنسان وحسب، بل هي اختلال يُخرج الإنسان من معناه تماماً، لا ليقرّبه من الحيوان، ذلك لأنَّ الحيوان لا يرتكب مجازر أبداُ، الحيوان محكوم بالنظام الطبيعي الذي وفقه يؤمّن حاجته ليبقى حيّاً وحسب، بل ليعيد إنتاج الإنسان كـ “مخلوق مجرّد” يقيم على حامل القتل المستمر ودون توقف إلى أن يقضي قتلاً أو لانقضاء الأجل.
“مخلوق مجرّد”، يتنفس ليقتل، يأكل ليقتل، ينام ليقتل، يستيقظ ليقتل، يتحرّك ليقتل… مجرّد من كل الصفات الإنسانيّة ومُحتَجَزٌ في فعل القتل، في معنى العدم.
وإذا كانت الكارثة الطبيعيّة ناتجة من اختلال في النظام الذي يحكم الطبيعة، فإنَّ المجزرة بوصفها كارثة تفترق بكونها ناتجة عن اختلال يمكن تصنيعه وإنتاجه وتوضيبه في مستودعات عقيديّة ووضعه قيد الاستخدام.
عندما تخرج الكارثة – المجزرة من المستودعات، تتماهى مع الكارثة الطبيعيّة في قوتها المجرّدة الغاشمة العمياء، ولكنها تختلف عنها باحتفائها بذاتها، بتقريظها لوحشيتها، بتفننها في إنجاز نفسها، بتباهيها بتقنياتها في مسرَحة وتمثيل حركتها.
تتجه المجزرة لإنتاج عدمين،
العدم الأول: ضحاياها، والعدم الثاني: إنجاز/ التهام نفسها على نحوٍ تام، فتخرج من النظام الإنساني بمختلف فصوله حتى تلك التي تسرد تاريخ العنف الأقصى عنده. تخرج لتبدو كثقلٍ مُقيّد لتوق النظام الإنساني للتقدم نحو آفاق جديدة للحريّة، تخرج عن النظام الإنساني وشروطه ومعناه، ولكنها تحتّل ذاكرته وتقيم فيها في محاولة لاستمرارها حيّة مرمّزة ومشفّرة في طيات الوعي العميق، ولتستيقظ مجدداً مع تحريض جديد يدفعها لتتماثل في الواقع بذلك “المخلوق” الهائم الذي لا يستقرُّ عَدَماً إلّا بالتهام ضحاياه عن آخرهم!
هكذا تُقيم المجزرة على مسار متناوب ما بين ساحة فعلها في الواقع، وكهفها المظلم والعميق في الذاكرة.
-2-
في الوقوف بوجه الكارثة / المجزرة، التي وقعت وتلك التي تقع الآن – وآخر نسخها تلك التي وقعت في محافظة السويداء، وقبلها في كنيسة مار الياس في دمشق، وقبلها التي حلّت بمدن وبلدات وقرى وغابات وأحراش الساحل السوري، وهي النسخ الأخيرة عن المجزرة السّوريّة الحديثة التي ابتدأت فصولها من باب العام 2011، واشتركت في إنجازها مختلف الأطراف السّوريّة التي تشاركت وليمة الإجهاز على سورية ومعناها – ثمّة مواجهة لا بدَّ من إنجازها، مواجهة كشّافة لهذا الاختلال البنيوي المكوّن للمجزرة والمُصمم لها والمُوضب لها قيد الاستخدامات السياسيّة والاستراتيجيّة والدينيّة – العقيديّة.
أخلاقيّاً، سيكون الطواف على تاريخ العالم، تاريخ المجتمعات والأمم، وتعداد المجازر التي قامت بها تلك المجتمعات أو أصابتها وفتكت بها في لحظة اختلال ما، سيكون هذا الطواف نوعاً من الرضوخ لقوة الهيمنة الرادعة للمجزرة. الطواف بتعداد المجازر في تاريخ الانسانيّة هو حكم بالرضا بالكارثة، حكم قائم على اعتبارها نوعاً من الوباء العام الذي أصاب المجتمعات البشريّة ودون استثناء، حكم يؤدي للقول على نحو واضح: لسنا استثناءً، نحن مثل غيرنا. قول لا يمكن أن يُرى فيه، بداية، إلّا فعل التواطؤ المُقنّع مع المجزرة و “مخلوقاتها”. تواطؤ سيتدرج نحو التطبيع مع وجودها والرضوخ لهيمنتها، وفي النهاية نحو الاحتفاءٌ بها وتمجيد فظاعتها وقوتها.
يمكن ملاحظة ذلك النكران المتواصل للمجزرة، من قبل البيئة الاجتماعيّة، أو الطائفة، أو المذهب، أو الحزب، أو الدولة، عندما تقوم “مخلوقاتها” بارتكابها في بيئة أو طائفة أو مذهب، وعموماً في جماعة أخرى غيرها. وهذا النكران لا يميز جماعة من أخرى، بل تتبادل الجماعات نكران المجازر التي تقوم بارتكابها، ولا تتراجع أية واحدة عن ذلك إلّا بفعل الهزيمة التي تصيب إحداها فتستسلم راضخة لسردية الأخرى المنتصرة. على هذا النحو تتحول المجزرة إلى “غنيمة” يجدها المنتصر في نهاية الحرب ويضعها قيد الاستخدام في “اليوم التالي”. (الهولوكوست هو أعظم غنيمة حرب وجدها الحلفاء في نهاية الحرب العالميّة الثانيّة، وهي منذ أكثر من 75 عاماً قيد الاستثمار السياسي من قبلهم، كما بالطبع من قبل المشروع الصهيوني).
-3-
كون المجزرة ليست حرباً، لا تتوقف فصولها كما تتوقف المعارك بين طرفين، بل يتوقف فصلها الأول في لحظة إشباع تصيب مرتكبها، إشباع من تكديس الضحايا، من التلذذ والتفنن والشغف بتعذيبها، شغفٌ / سكرٌ حتى الثمالة من الإيغال في دمها.
المجزرة لا تتوقف في لحظة الاشباع، بل يبدأ فصلها التالي، يومها الثاني، الطويل… الأبدي. تظلٌ مستمرة في جينات وذاكرة مرتكبها بوصفها سلاحاً رادعاً يؤمّن موقعه ويحفظ صورته المرعبة في ذاكرة ضحاياه وجيناتهم.
تستمر المجزرة في ذاكرة الضحيّة – الحيّة كفعلٍ كاوٍ لمحاولة الخروج من الكهف المظلم للرعب، للذل، للشعور بالهزيمة المطلقة، كهف الآلام الأبديّة.
كل الحدود التي يمكن أن تقوم بين الجماعات الانسانيّة، السياسيّة أو الثقافيّة أو الجغرافيّة… يمكن تجاوزها أو حتى محوها، إلّا الحدود التي تفرضها المجزرة تبقى عصيّة على النسيان، عصيّة على المحو، تتجدد على مدار الوقت في وعي وذاكرة المرتكب والضحية في آن.
بهذا المعنى، تدمّر المجزرة تدميراً كليّاً، ثقافة وحدة الجماعة، كما تدمّر تدميراً تامّاً فكرة الإنسانيّة الواحدة.
-4-
دخل العثمانيون في العام 1516 بلادنا من تحت عتبة المجازر التي ارتكبوها، في حلب خصوصاً، وخرجوا في العام 1918، من تحت عتبة المجازر (سيفو) التي ارتكبها قادة الاتحاد والترقي وذهب ضحيتها قرابة 2 مليون ضحيّة.
المجازر العثمانيّة – التركيّة غيّرت الشمال التاريخي السّوري تغييراً تاماً. اختطفته وترّكته وسط تواطؤ دولي لضرورات استراتيجيّة.
الاستراتيجيّات لا تعرف الرحمة، ولا تُوضع في ظلِّ مرجعيات أخلاقيّة أو إنسانيّة.
الاستراتيجيّات تُوضع بمرجعيات توصل إلى السيطرة والإنجاز الذي يُسمّى “المصلحة العليا”، لذلك قد تكون المجزرة الحليف الفعّال للاستراتيجيات.
-5-
مجزرة دير ياسين التي ارتكبها المشروع الصهيوني في العام 1948، كانت تتردد على ألسنتنا كفاتحة – لازمة غير قابلة للدحض في معرض وصف الصهيونيّة بالحركة العنصريّة التي تتوسّل المجازر للوصول إلى هدفها بالاستلاء على فلسطين.
كنا نظنّ أنَّ المجزرة لا تقع إلّا بين عدوين من طراز ودرجة ما بيننا والحركة الصهيونيّة، إلى أن تعرّفنا إلى مجازرنا الأهلية التي قامت بها جماعاتنا، ابتداءً من الحرب الأهليّة في لبنان 1975، مروراً بمجازر العراق في الثمانينيّات، وصولاً وخصوصاً إلى ذروة المجازر التي طغت على الحدث الذي انطلق في العام 2011 تحت عنوان: الثورة السّوريّة، كعنوان محلي من عنوان أعم: الربيع العربي.
مجزرة دير ياسين، أضحت قصة قصيرة جداً، أمام السيل الهائج لمجازر جماعاتنا التي لم تتوقف إلى هذا اليوم.
مجازرنا، أعادت تعريف ذاتنا ومن نحن، كما أعادت تعريف عدونا ومن هو؟
مجازرنا، أسقطت بديهية كوننا شعب واحد له عدو واحد، أو أعداء، وها نحن نرتسم وفق نظرية حدود الدم، حدود المجازر.
المجزرة تُنتج حركة عبور جديدة، تُتنج هندَسة وجودية جديدة، نرى فيها عدونا قرب بعضنا، ونرى فيها بعضنا يبتعد عنّا كعدو لبعضنا الآخر.
-6-
المجزرة، كاستراتيجيّة تطهير عرقي، مرجعيتها عقيدة دينيّة أو سياسيّة غير قابلة للتعديل. وبالرغم من حاجتها لوقت طويل كي تنجز ذاتها، لا تتراجع أبداً.
مجازر سيفو التي أنجزتها السلطنة العثمانيّة في الشمال السّوري (مثال تاريخي).
المجزرة التي تقوم إسرائيل بتنفيذها في غزّة (مثال حي قائم ومستمر).
-7-
قبل تأسيس النصّ الديني، ومن ثم الإيديولوجي – السياسي الشوفيني، كانت المجزرة فصلاً من فصول الحرب. بعد سيطرة النصّ الديني أولاً ومن ثم الإيديولوجي، أصبحت المجزرة محميّة بنظام مرجعي مقدّس أو عقائدي، وبالتالي أمست وجوباً إيمانيّاً، لا حادثاً حربيّاً يمكن أن يقع كما يمكن ألّا يقع.
المجزرة، بعد النصّ الديني هي قدرٌ لا يُردّ.
-8-
المجزرة، لا تبتدئ من أول رأس يُقطع، أو قلب يُنتزَع، أو طفل يُحرق حيّاً… أو… بل تبتدئ من ذلك النصّ الديني أو الإيديولوجي – السياسي القاتل، الذي يهيمن على وعي أتباعه.
عبثاً … نوقف المجزرة في الواقع، قبل أن نوقفها في النَصّ.
-9-
الفصل الحديث من مجازر الجماعات السّوريّة، يقرّب المعنى السّوري، معنى سوريا، ومعنى أن تكون سوريّاً… يقرّبه من خط النهاية!
سوريا لك السلام ???