لطالما سيطَرَ المُبدِعون وَالمبتكِرون على دفَّةِ التّاريخ، وَمشوا به وفق مصالِحِهِم، طبعا غيرَ آبهين بِما هوَ غير ذلك، من مفاهيم بدا دائماً أنَّها تُرمى فقط للاستهلاك ولتحقيق المزيد من المكاسب، ومن الاستثمار والاستغلال أيضاً، مثل “السَّلام والاستقرار العالميين” أو “المصالح الجماعية”. والمبدعون هنا لا يقصد بهم الأفراد، ولكن المؤسَّسات وبدرجةٍ أوسع المجتمعات والحضارات المتوثِّبة لتحقيق السّيادة وَالسَّيطرة، بِكلِّ ما يحتويه ذلك من قهرٍ وتَتبيعٍ وحتَّى من الحروب والإبادة.
صحيح أنَّ تلك القوى المُمَأسَسَة لا يُمكِنها أن تقوم بدون أفرادٍ مبدعين، وَلكنَّها لا تنهض إلّا عندما تقومُ بتحويل هؤلاء إلى بيئةٍ، وتُخضِعُ اجتهاداتِهِم لِمنطق الجّماعة وَمصالِحَها، وَعندما ترعى وَتُنظِّم عمليّة إنتاج المزيدِ مِنهُم. وَمِن نافِلِ القول هنا، الاعتراف بواقعيَّةٍ أنَّه لا يُمكِننا بحالٍ من الأحوال الحديث عن مصلحة الجماعة (مؤسَّسة، دولة، حضارة) بصيغةٍ رومانسيَّةٍ مثاليَّةٍ تَدَّعي “الانسجام وتكافؤ الفرص والعدالة” في توزيع المكاسب، والتي كثيرا ما تكون غنائماً بطبيعة الأحوال. فعندما تُقدِمُ دولةٌ مثل الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة على ابتكار حربٍ مثل حرب الخليج الثّانية (احتلال العراق للكويت، ومن ثمَّ تحرير هذه الأخيرة) بكل ما فيها من مكاسب تجارةِ الأسلحة، مُتلازمةٍ مع غنائم النّفط والتَّدمير المُمَنهجِ لِلمُجتمعات التي يُفتَرض بها أن تُحَقِّقَ المزيد من التَّحوُّلِ إلى سوق، مجرد سوقٍ لِلمنتجات وَالمفاهيم، وهي “ستبلي بلاءً حَسنا” في ذلك، كلّما كانت مُشرذمةً ومقهورة. عندما تقوم الولايات المتَّحِدة بذلك، فإنَّ “ثماره” لن تنضج على التَّساوي في الحسابات المصرفيَّةِ لكلٍّ من أصحاب الشّركات العملاقة العابرة للقارات، ولصغار المواطنين ودافعي الضَّرائب لديها.. الأمور ستكون حُكما موزَّعةً بطريقةٍ غير متساويةٍ بين من سيحصل على الكعكة الكُبرى، وبين من سيحصل على بقيّة فُتاتِها التي سيتمُّ ذَريُها أثناء تناول العمالقة لوجبتهم الدَّسِمة.
سنة 1990 وعلى أعتاب انهيار التَّجربة السّوفييتيّة، وما حمله ذلك من هزيمةٍ مدوّيةٍ لِلمُعسكر الشَّرقيِّ، ولمفاهيمه اليساريَّةِ أيا كان توصيفها، في لحظة تاريخيَّةٍ أُسدِلَ فيها السّتار عن “الحرب الباردة” وفي غمرة مشاعر الغبطة بانتصار السّوق الغربيّ على مُحاولة خلقِ بديلٍ له في الشَّرق، وقف البريطانيون، أو بعض العباقِرَة من بيئتهم السّياسية على الدّقّة، يتأمّلون المشهد مبتعدين عن مشاعرِ النشوة تلك، باحثين لبلادهم عن فهمٍ أعمق للمشهد، متوجسين من المستقبل، بديلا عن الاحتفاءِ بانتهاء الماضي.. وَسأورِدُ هنا مثالا ليس للحصر ولكن للتَّدليل على هذا المنهج في الفهم والتّعاطي.
في حزيران من نفس العام وقف عضو مجلس العموم البريطانيّ (جورج وولدن) في المجلس وقال:
“ما الذي يمكن أن يرفع المعنويات أكثر من مشهد الحكومة وهي ترفع ألوية الانتصار في وجه شرور الشيوعية… الآن انقضى ذلك كله، والشيوعيون ألقوا المنشفة وتركونا نرقص على الحلبة بحثا عن غريم”
هكذا حوّل السّياسيُّ الفذّ، حدث الفوز إلى لحظةِ تأمُّلٍ باستحقاقاتٍ قادمةٍ لا محالة. ولم يكن ذلك كلَّ شيءٍ، فلقد تابع شرحه التّسويقيِّ السّياسيِّ والاقتصاديّ، في لفكرةٍ يبدو أنَّه كان السّبّاق في قولِها قبل رجل التَّسويق الشّهير (سيث غودين) الذي تحدث منذ سنواتٍ عن حتمية “البحث عن منتج للزبون وليس العكس” حيث تبيَّن أنَّ وولدن قال هذه الفكرة قبل عقودٍ، عندما استطرد في مجلس العموم قائلا:
“ثمّة إحساسٌ مزعجٌ حول ما يجري في العالم، رغما عن أنف بريطانيا ومصالحها (في إشارة إلى حالة التّكسُّبِ من حالة الحرب الباردة) فحين ينهار الطَّلب على بضاعتك لسببٍ خارجٍ عن إرادتك كلّيّا، فإنّك لن تُضيِّعَ وقتك في البحث عن زبونٍ جديدٍ، بل تقوم بتبديل نمطيّة إنتاجك ونوعه، ويتوجّب علينا أن لا نُطيل التَّسكُّعَ تحت منحدرات القِمَمِ الّتي بدأت شمس بريطانيا تأفل عن ذُراها، بل بقضاء وقتٍ أطول في حفر قنوات الحيازة الوطنيَّةِ الصّغيرة… بانقضاء الحرب الباردة وصعود أوروبا الجديدة، يقترِنُ حسُّ الأمل في بريطانيا مع حسٍّ متوَتِّرٍ بالفُقدان” (الخليج بيننا، حمدان حمدان، صفحة ٤٠١)
إذن بهذه الطَّريقةِ يتمُّ تفكيك الموقف التّاريخيِّ، وحتّى السّياسيّ، ومن ثُمَّ يتم العمل على تحليله ودفعه باتّجاهاتٍ غير تلك المُباشرة التي تتَّخذُ شكل “انتصارٍ” أو “هزيمةٍ” أو “انتهاء مرحلةٍ وبداية أخرى”.. فالفعل الصّحيح والمتوجِّب على الأمم والقوى الفاعلة، ليس استقبال المُستجدات، ولكن التَّحضُّر الإيجابي القَلِق لِما هو بعدها. هذا كما هو واضحٌ على ما أعتقد، ليس شأنا يُمكن للانكليز -برغم تفردهم في أدائهِ- احتكاره على مرّ التّاريخ والزّمان، ولكنّه واجبٌ على الجميع التّعلّم منه، والسّعي لمحاكاته، ليس في حالات “الفوز” التّاريخيِّ الذي أساساً يُمكن اعتباره محطّة مسؤوليّةٍ وخطرٍ ليس إلا، ولكن أيضا عند منعطفات الألم والخسارات والهزائم.. لا بل إنّه يبدو هنا أكثر واقعيّةً وحاجةً وضرورةً.. فالشّعوب كما الأفراد يُمكنها أن تنظُرَ إلى نفسها عقب الإنكسارات الكبيرة كَحطامٍ مُبعثَرٍ، كما يُمكنها بطريقةٍ أكثر مرونة وَمسؤوليَّة، أن تَضعَ ذاتها موضع الفرصة المتأهبة للخروج من وهدتِها إلى مرتفعٍ ما للخلاص.
نحن اليوم في دول، أو ما تبقّى من الدّول في منطقة الهلال الخصيب، وأعني العراق وسورية ولبنان وفلسطين، لم نُلقِ بالا إلى غزو الكويت من زاويةِ كونهِ عملا موضوعيّا داخليا عبَّر عن قسوة الفوارق الطبقيّة الماديّة بين عربٍ لا يملكون قوت يومهم، وبين عربٍ يترنَّحون تُخمةً على موائد النّفط والسّلاطين. أو بكونه تعبيرا صريحا عن انبثاق قوة ضاربة للعراق من شرايين الحلم العربي في استعادة القادسيّة ووادي لكة، كان يجب التنبه لخطر هذهِ القوّة تنبُّهَ المالك للشّيء، لا الحاقِدِ عليه، فرعونة السّلطة العراقيّة وقتها كانت تحتاج لحكمةِ ولحضنِ العرب، لا إلى سعيهم لخنق العراق ووأد مَولدِه الواعد الجديد، فالعراق كان فرصةً وليس مغامرةً، حتّى تَعامَل الجميع معهُ كذلك، فصدَّقَ هو نفسه أنّه مجرّد انتحاري يسير ببسالةٍ تجاه الموت.
نحن لم نُدرِك أنَّ اندلاع حرب لبنان كما انتهاءها، لم يكن تدخلاً خارجياً استخدم التَّناقضات المحليّة فحسب، ولكنّه كان إمعاناً في خلق البيئات المُضطربة والمُولِّدَةِ للزلازل في المنطقة، فلم تكن لحظة اسدال السّتار عن ميدانها العسكريِّ إلا إيذاناً باندلاعها حقيقة في عقول وقلوب شعوب الإقليم، وسوف تكون سبباً في حرائق كبيرة بدأت مذ ذاك ولم تنته بعد.
نحن لم نستوعب أن الثّورة السّوريّة لم تكُن فُرصةً للتَّوسّع الحيوي لدول الخليج والأردن وتركيا، وبعض القوى المُراهِقة في لبنان، بقدر ما كانت استكمالا موضوعيّا لحرب لبنان، بعد وضعها تحت مُكَبِّرٍ سيجعل منها نجماً ملتهباً يُحرِقُ الأخضر واليابس، على أنغام وأهازيج “الحريّة والكرامة” اللتان تم سبيهما بإصرار وبشكل مستمرٍّ منذ اندلعت أولى شرارة لهما هناك.
نحن لم نعط اهتماماً وازناً لمحرقة “طوفان الأقصى” باعتبارها أكثر من “انتصارٍ” مزعومٍ لدى بعضنا، أو “فرصةٍ سانحةٍ” للتّخلُّصِ من صداع المقاومة العربيَّة لدى بعضنا الآخر، في الوقت الذي كانت هي تشدُّ ركابها في رحلةٍ واثقةٍ نحو بناء “إسرائيل الكبرى” للمرة الأولى بعد عقود من وقوف بعض الأنظمة العربيَّة سدّاً منيعاٍ في وجهها، حيث بقيت إسرائيل تُراوح على أسوار غزّة وفي أزقّة الضّفّة الغربيّة التي ابتَكرَتها هي.. وصارت اليوم تتسلى على الطُّرق السّريعة بين حوران ودمشق.
نحن اليوم نبدو الأكثر بعداً عن كلِّ ذلك الفهم، وما نزال نُلقي بأنفسنا حطباً في أتون الصّراعات الغريزيّة والمكائد التَّفتيتيَّة العميقة، الذي افتَتَحَهُ لنا نفس هؤلاء المبدعون في الغرب، ولكنَّنا في كثيرٍ من الأحيان دخلناه “دخول الفاتحين”، سعداء مبهورين باكتشاف الفوارق، مصرّين على أن نصنع منها فوالق، لِنسقط فيها إلى ما لا نهاية.


