نسج التاريخ العميق بين سوريا وأرمينيا ملامح ملف إنساني وحضاري وسياسي، وموروث متداخل تعود جذوره إلى ما قبل عصور الإمبراطوريات الكبرى، الآشورية والبابلية، التي وحدت مراكز القوة في قلب الهلال الخصيب، حين كانت طرق التجارة والمعرفة تتدفق بسلاسة وانفتاح، مروراً بالفينيقيين والآراميين، الذين عززوا جسور التواصل الفكري والاقتصادي، حاملين لغاتهم وحضارتهم وأسواقهم التي توسعت على الموانئ والسهول عبر حدود جغرافية كانت أكثر مرونة من الجمود السياسي الحالي، حيث امتزجت الأراضي وتشاركت الشعوب في مصير واحد لا ينفصل.
وبامتداد هذا الوتر التراثي، ارتبطت الألسن والقيم، على غرار اللغة الآرامية التي انتشرت في شمال سوريا وجنوب أرمينيا بتلاحم ثقافي يعلو فوق الأطر المرسومة، حيث شكلت أراضي أرمينيا التاريخية الملاصقة لتخوم سوريا أرضية طبيعية لهذا الاندماج والتقارب الوثيق، الذي رسّخ وحدة القدر والهوية على مدى الزمن.
هذا التكامل العابر للقرون يمثل دعامة ثابتة لإدراك جوهر مكونهما المتأصلة، بل ويبرز بجلاء واقع أزماتهما السائدة التي تتقاطع في دوامة تحديات متماثلة، تصوغها أيادي مجموعات إقليمية ودولية تسعى لرسم ملامح مستقبل يخدم مآربها الخاصة، على حساب شعوب المنطقة.
وفي هذا النهج، تتفاقم خطورة الوضع القائم، إذ مع إحكام السيطرة على سوريا وأرمينيا اللتين تشكلان حجر الأساس في توازن النفوذ في الشرق الأدنى، تتسابق الكتل المعاصرة في مضمار التسلط الجيوسياسي على هذه المناطق ساعية لفرض مخططاتها التوسعية، مما يفاقم تعقيد الأوضاع المتشعبة والمتغيرة، وتثقل كاهل الناس بأوزار صراعات دامية لا تنتهي.
لذلك لا يمكن لمن يسعى لفهم ما يجري في سوريا أن يغفل أرمينيا، ومن رام فهم أرمينيا لا سبيل له إلّا من بوابة سوريا، فالتفاعل الشعبي والاجتماعي والإنساني والدبلوماسي المتين، المتغلغل في دهاليز الأزمنة العريقة، يجعل من تحليل الأحداث في البلدين أمراً متكاملاً لا غنى عنه.
في نوفمبر 2020، برز هذا التوازي الحيوي بجلاء، حين شنت أذربيجان التي تنفذ عملياتها بتغطية مباشرة من قبل تركيا، هجومها على أرتساخ وسط صمت روسيا، حليفة أرمينيا المُفترضة، التي اكتفت بالمراقبة دون تحرك، تاركة الأحداث تتكشف أمام أنظار العالم.
واختارت موسكو الحفاظ على وجودها وتأثيرها عبر نشر قوات حفظ السلام في ممر زنجيبور، ذلك الشريان النابض الذي يربط بين ناغورنو كاراباخ وأرمينيا، لضبط مرور آمن تحت شروط اتفاق وقف إطلاق النار، ورفضت الانخراط بشكل كامل في مواجهة عسكرية ضد أذربيجان، خشية فتح جبهات جديدة تكلفها موارد لا ترغب في استنزافها، لذا قبلت عملياً باستيلاء أذربيجان على كاراباخ، متجاوزة الحقوق التاريخية والمصالح الأرمنية، بهدف تأمين علاقاتها مع باكو وأنقرة.
حينها، أطلقت صرختي محذرةً من تحولات روسيا التي تسير خلف مصالحها الذاتية فقط، فكما تركت أرمينيا تواجه مصيرها، فهي قادرة على التخلي عن سوريا في أي لحظة، إذ لا مكان للسلطة ولا للحكومة ولا للشعب السوري أمام حسابات موسكو الباردة.
واليوم، وبعد أن صدقت توقعاتي، وعاد المشهد نفسه ليتكرر في سوريا، حين لم يتردد أشقائنا الروس __كما اعتاد الإعلام أن يصفهم آنذاك– في بيعنا أيضاً بحفنة من دراهم، وجدت نفسي أعيد رفع صوتي مجدداً في وجه كل من لا يزال يعلق آمالاً على حلفاء لا يتورعون عن إلقائنا بلا رحمة في غياهب المجهول متى اقتضت حساباتهم ذلك.
فها هي روسيا الآن تواجه مفترقاً استراتيجياً مختلفاً، إذ أنها تخوض مفاوضات مع حكومة الأمر الواقع التي تسيطر على دمشق بقيادة الجولاني، والتي لا يمكن التعايش معها، ماضية في ضمان مصالحها وتثبيت مواقعها العسكرية في سوريا، متمسكة بقاعدة حميميم الجوية في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، مستندة إليهما كورقة تفاوضية لا تفرط بها بسهولة.
وفي سياق الأحداث الراهنة، شهدت أرمينيا إعادة إنتاج لتصرفات روسيا السابقة، التي رفضت أيضاً كسر صمتها المريب أمام موجة الاحتجاجات الشعبية والأزمة السياسية الحادة التي بلغت ذروتها بمحاولة الانقلاب على رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في يريفان، ولم تقدم أي دعم فعلي للانقلابيين الذين أشعلوا هذا الصراع أصلاً بسبب معارضتهم للتقارب مع الغرب وأمريكا، ورفضهم التباعد عن موسكو، ورغم ذلك اكتفت روسيا بالمراقبة اليقظة، حريصة على تفادي أي تدخل صريح قد يمس امتيازاتها أو يعقّد وجودها على الساحة.
حتى ومع اعتبار أرمينيا نقطة استراتيجية مفصلية ذات وزن استثنائي في القوقاز، إلا أن موسكو اختارت موازنة علاقاتها مع أذربيجان وتركيا لتعويض أي تقهقر محتمل في نفوذها، مكرسةً جهودها لترسيخ موقعها وتأثيرها داخل رقعة سلطتها بأقل تكلفة ممكنة، بما يضمن استمرار سيطرتها ومرونتها أمام التحولات الإقليمية.
وهكذا يتضح أن روسيا لا تترد في قبول التنازلات التكتيكية أمام خصومها كلما اقتضى الأمر صيانة دورها في اللعبة الدولية، مستثمرة كل أداة بحنكة ضمن موازنة دقيقة بين المصالح والواقع، حفاظاً على استمرارها كطرف محرك لا يمكن تجاوزه.
وفي ترجمة لهذه السياسة، تواصل روسيا نهجها الواقعي، ولا تغيب عن بالها أن أي خسارة تظل مؤقتة وقابلة للتعويض، فهي بوسعها سد أي نقص بتحالفات جديدة أو صفقات أكثر نفعاً، حاملة رسالة صارمة للجميع: “روسيا لن تخوض حروبكم إلى الأبد…. دافعوا عن أنفسكم أو ابحثوا عن تسوياتكم الخاصة.”
بالمختصر، لا يمكن للحلفاء أن ينظروا إلى التحالفات كـ “زواج كاثوليكي أبدي”، لا انفكاك منه، فتراكب المعطيات يهيئها لتكون أقرب إلى “زواج أرثوذكسي” لا يحتاج إلى فسخ معقد، كما تجري الموضة في هذه الفترة، إذ تكفي بضع نقود تُلقى في يد بعض الكهنة البسطاء الذين لم يستطيعوا إكمال تعليمهم، ومع ذلك صاروا مهيئين بقدرة قادر على حمل أعباء طائفة بأكملها بذكاء فطري إلهي، ويلجأون إلى إبطال أي عقد طالما كان ذلك يتوافق مع مصالحهم الخاصة، وهكذا تفعل روسيا الأرثوذكسية حالياً مع حلفائها، إذ تعتبر التعهدات صفقات مؤقتة قابلة للتعديل أو الإنهاء عند تغيّر الظروف.
وأنا هنا لا أعيب على أي حليف، فالأحمق من يلوم دولة وضعت نصب أعينها خير شعبها وأرضها على أي تحالف آخر، بل على العكس يجب أن نتعلم منهم درساً في الوفاء والولاء، وأن نعلو بمصلحة أمتنا فوق كل مصلحة.
ولكن أنا أحمل اللوم على كل من “يطنّش” عن عزّة وطنه وأهله، ويعوّل على أشقاء مزعومين لا يجمعنا بهم سوى مقاصدهم الأنانية، لا دم، ولا حضارة، ولا مصير، ولا أي أواصر ثابتة.
لطالما صدعت رؤوسنا كلمة “أشقائنا”: الروس، والصينيين، والكوريين، والإيرانيين، أما اليوم، ومع سياسة حكومة الأمر الواقع، فقد أُضيف إلى قائمة أشقائنا آخرون: الأتراك والإيغور والشيشان وحتى الأميركان.
أشقاء لا صلة تربطنا بهم: لا عادات تشبهنا، ولا تقاليد تلتقي معنا، ولا قيم متوافقة، ولا هوية مشتركة، ولا غاية موحدة، ولا حتى ملامح تقاربنا، ولا أي تقاطع في الاهتمامات، كل ما يحدد علاقتنا بهم هو مآربهم الخاصة فقط.
على مدى أكثر من 14 عاماً، أُغرقت عقولنا بخطابات تتغنّى بـ “أشقائنا”، حتى أوهَمونا أننا جزء من عشيرة متماسكة قادرة على الصمود وتحقيق الانتصار عبر تحالفاتها، ومع ذلك، لم تنقذ هذه العشيرة ولا هؤلاء الأشقاء وطننا من ويلات الحياة التي عصفت به، والتي كان أساسها أطماعهم العابثة بمصيرنا.
ومع كل هذا العدد من أشقائنا، وسراب الكيان الواحد، أين كانوا حين ارتكبت الفظائع في الساحل وتفشّت المجازر؟ وماذا فعلوا أمام الحرائق التي لا تزال مشتعلة فيها؟
أين وقفوا حيال مآسي السويداء ومذابحها؟
كيف تجلّى ردّهم حين تعرّض المسيحيون للقتل والتهجير من بيوتهم؟
وأين أشقانا الذين اختاروا تمرير طريق القدس من دمشق، في مواجهة الهجمات الإسرائيلية المتكررة؟
وكيف يكون شقيقي وهو لا يرى في أرضي سوى أداة لتلبية تطلعاته الشخصية هو؟
فإلى متى نبقى أسرى لهذه المزاعم الواهية؟
إلى متى ندور في فلك أخطاءنا، ونترك للآخرين سلطة رسم معالم مستقبلنا؟
ألا آن الأوان أن نتعلم كيف نحب بعضا أولاً كأشقاء حقيقين، قبل أن نلهث وراء أخوة زائفة لا صلة لهم بنا؟
ألا حان الوقت لنحب وطننا بصدق، لنتمكن من توجيه مسار أمتنا بأنفسنا، بعيدا عن التدخلات الخارجية التي تدفعنا نحو السقوط؟
فالوطن لا يستعاد إلا بوعي أبنائه، فالشعوب هي وحدها القادرة حقاً على أن تصنع طريقها بأيديها، بعيداً عن الهيمنة والضغوط المفروضة التي تسلبها خياراتها، لتتمكن من بناء وطن آمن ومستقر يُحترم فيه حقها وتُرعى كرامتها، لذا يجب أن نكون سوريين أولاً، وعندها فقط ستحيا سوريانا.


