العالم الآن

من نيويورك إلى سورية

كيف نقرأ الرموز ولا نغرق في ضجيجها؟

أولاً: تدقيق وقائعي ومناهجي في الطرح

الاستعارة الكارثية (المذنب/الديناصورات):

تشبيه فوز ممداني بـ«مذنب يقضي على الصهيونية» يخالف أبسط مبادئ التفكير العلمي: الانتقال من حدثٍ محلّي واحد إلى نتيجة كونية كلية. السياسة الأمريكية منظومة متعددة المراكز (فيدرالية/ كونغرس/ إدارة/ ولايات/ مدن/ محاكم)، ولا تسمح لواقعة بلدية -مهما كانت بارزة- بإحداث «انقراض» لقوة لوبيّ راسخة بين ليلةٍ وضحاها.

المعطى الواقعي:

الانتخابات انتهت فعلاً وفاز ممداني بمنصب عمدة نيويورك، وهو فوز موثّق في الصحف والمصادر الأمريكية الكبرى The Guardian، CBS News، Politico وغيرها. هذا النجاح يمثل تحوّلاً رمزياً وسياسياً داخل مدينة ذات ثقلٍ إعلامي وثقافي عالمي، لكنه يظلّ حدثاً بلدياً ضمن بنية اتحادية أوسع، لا يمكن تحميله أكثر مما يحتمل من دلالات جذرية أو “كونية”.

الاستنتاجات الشمولية:

القول بأن الفوز «سيقتلع الرواية الصهيونية قريباً» هو تعميم استباقي يتجاهل القيود المؤسسية والقانونية الحاكمة للسياسات. فممداني بات اليوم في موقع يمكنه التأثير الرمزي والبرامجي داخل مجاله البلدي، لا أكثر.

ثانياً: موقع العمدة ضمن البنية الأمريكية (ماذا يستطيع وماذا لا يستطيع؟)

السياسة الخارجية والعسكرية في الولايات المتحدة شأنٌ اتحاديّ (رئاسي–كونغرس–وكالات). عمدة نيويورك لا يغيّر السياسة الخارجية مباشرةً، بل تأثيره رمزي- خطابي- شبكي (منابر، تحالفات، برامج مدينية).

في ملف المقاطعة: (BDS)

نيويورك ولاية لديها أمرٌ تنفيذي (EO-157) يقيّد التعاقد مع جهاتٍ تؤيّد المقاطعة، ما يضبط حركة المدينة في هذا الملف حتى مع رغبة سياسية محلية. أي خطوات بلدية ستصطدم بإطارٍ قانونيّ ولائحيّ أوسع.

في ملف الشرطة والتبادلات الأمنية:

للبلدية هامش قرار في سياسة تبادل الخبرات؛ سجلّ مدنٍ أمريكية (مثل دورهام 2018) يُظهر إمكان حظر «التبادلات العسكرية الطابع» مع إسرائيل على المستوى البلدي، مع ما يرافق ذلك من جدلٍ واستقطاب. في نيويورك، هناك برامج وروابط أمنية دولية (منها مكتب ارتباط في إسرائيل)؛ تغييرها ممكن سياسياً لكنه ليس سهلاً مؤسسيّاً.

ثالثاً: أين قد يظهر الأثر الفعلي؟ (مسارات تأثير «ناعمة»)

السرديّة العامّة داخل أمريكا:

تنصيب عمدةٍ تقدّميّ ينتقد الاحتلال يوسّع شرعية الخطاب المناهض للصهيونية في قلب مركز إعلامي – ثقافي عالمي (نيويورك). هذا يعيد رسم حدود «المقبول» في النقاش العام، ويحرج اليمين الديمقراطي وشبكات الضغط التقليدية. لكنه تحوّل تراكمي لا قفزة قطعية.

الجامعات/الثقافة/النقابات:

المدينة منصّة لمنح ومسارح ومتاحف ونقابات وبلديات فرعية؛ يمكن أن تتخذ بوصلاتٍ أكثر تعاطفاً مع فلسطين، ما يخلق مناخاً ناعماً يرفد حركات المقاطعة الأكاديمية والثقافية والقانونية ضمن حدود التشريعات.

السياسات المدنية المتقاطعة:

ملفات مثل مكافحة الإسلاموفوبيا، حماية التجمّعات، إتاحة الفضاء العام للتظاهر، ومنع عسكرة الشرطة عبر تبادل «أسوأ الممارسات»، كلها ساحاتٌ يستطيع فيها العمدة ترك بصمة عملية. وهذا يؤطر (frames) فلسطين ضمن منظومة «كرامة وحقوق مدنية» داخل أمريكا بدل حصرها كملف خارجي.

رابعاً: من منظور سوري قومي اجتماعي – كيف نقرأ المكسب وما يهمّ بلادنا؟

المنهج القومي الاجتماعي (العقلانية – العلم – وحدة المجتمع – المصلحة القومية) يفرض:

– رفض فكرة (المخلّص الخارجي)، ففوز عمدةٍ في نيويورك ليس انقلاباً جيوسياسياً، إنما هو نافذة بنيوية في ساحة مركزية داخل العدوّ/ الحليف الدولي (الولايات المتحدة) يمكن تثميرها لصالح السرديّة الشامية – الفلسطينية.

– الاستثمار في الديبلوماسية الشعبية: جالياتنا، اتحادات الطلبة والمهنيين، المراكز الثقافية السورية –اللبنانية – الفلسطينية، كلها قنوات للتراكم الرمزي والحقوقي في مدينةٍ صانعة للبرامج.

– تحويل التعاطف إلى سياسات مدينية ملموسة.

دفع مجلس المدينة لإجراءات ضد عسكرة الشرطة ومنع «التبادلات العسكرية» (سورياً: هذا يقلّص تصدير تقنيات القمع/ المراقبة التي أثّرت علينا وعلى شعبنا الفلسطيني).

دعم قراراتٍ بلدية تُعلي حقوق التظاهر/ التجمّع، ما يحمي حركة التضامن ويُعطيها نفساً طويلاً.

بناء تحالفاتٍ مع نقابات البلديّات والخدمات، لإسناد حملات مقاطعة محدّدة قانونيًا (بعيدًا عن الاصطدام المباشر مع EO-157

سورياً / شاميّاً (بلادنا):

على المستوى الدولي، الأثر سيكون غير مباشر: توسيع هوامش نقد الصهيونية في مدينةٍ نافذة إعلاميًا ومالياً قد يغيّر حساسية صُنّاع القرار الفيدراليين على المدى المتوسط، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي، لكنه لن يبدّل قواعد لعبة واشنطن بين يومٍ وليلة.

أما على المستوى العملي، فيهمّنا:

– تسليط ضوء أكبر على جرائم الحرب والحصار والتجويع في فلسطين وعلى امتداداتها الإقليمية.

– حماية ناشطي جالياتنا من تجريم التضامن، وبناء دفاعات قانونية عبر مراكز حقوقية في نيويورك.

– استخدام منابر المدينة لمدّ الجسور الثقافية والأكاديمية مع مؤسساتٍ أمريكية تؤثر لاحقًا في النخبة الحاكمة. (Think Tanks) / (جامعات/ غُرف مهن)

خامساً: سيناريوهات واقعية (12–24 شهرًا)

1-سيناريو «التأثير الرمزي المنظّم» (مرجّح):

انزياح لغوي – ثقافي واضح لصالح فلسطين، مع اشتباكات قانونية حول الشرطة/ التبادل/ الفعاليات، لكن دون تغييرٍ اتحادي كبير.

الواجب القومي: تحويل الرمز إلى شبكاتٍ ومشاريع عمل دائمة في المدينة.

2- سيناريو «المواجهة القانوني – الإعلامية» (محتمل):

تصعيد من ولايات/ لوبيات (EO-157) تشريعات إضافية، حملات وصم ما يحدّ قدرة البلدية على المقاطعة المباشرة.

الواجب القومي: هندسة بدائل قانونية (تعريفات توريد، أخلاقيات تعاقد، إفصاحات ESG) بدل شعارات تصطدم مباشرة بسقوف الولاية.

3- سيناريو «التجريف الكبير» (ضعيف):

تحوّلٌ حزبي وطني سريع يطال الكونغرس/ الإدارة. هذا يحتاج تراكمًا كاملاً في الولايات المتأرجحة وليس نيويورك وحدها.

سادساً: رؤية عملية

– بناء تحالفات مهنية (أطباء، مهندسون، محامون) في نيويورك لتمويل قضايا حقوقية تخص فلسطين والسوريين المتضرّرين من الحصار والعقوبات، ضمن القانون الأمريكي.

– مأسسة الحضور الثقافي: مواسم مسرح/ سرد/ سينما شامية – فلسطينية في مؤسسات المدينة، لتثبيت السردية بوسائط جذّابة لا بخطابٍ شعاراتي.

ملف الشرطة/ التبادل: العمل مع أعضاء المجلس البلدي على قرارٍ NYC– خاص يقيّد أي تدريب ذي طابعٍ عسكري خارجي، مستندين إلى سوابق مدنٍ أخرى، وإلى سردية السلامة المجتمعية.

– إنتاج معرفة: شراكات بحثية مع جامعات نيويورك حول أثر الحصار والاحتلال على الصحة والماء واللاجئين لربط قضيّتنا بالعلم والبيانات لا فقط بالعاطفة.

سابعاً: في التمويه الإعلامي والانتباه القومي

ينبغي ألا ننساق وراء الضجيج الإعلامي الذي يضخَّم فوز ممداني كحدثٍ خارقٍ للتاريخ. فالآلة الإعلامية في الولايات المتحدة، كما في منظوماتٍ تابعة، تُحسن صناعة الرموز لصرف النظر عن جوهر الصراع الحقيقي. كل هذه التغطيات المكثّفة ليست إلا محاولة لتحويل الأنظار عن المآسي المستمرة في فلسطين (غزة)، وعن الكارثة الإنسانية والسياسية في السودان (الفاشر)، أو اليمن وما يحدث فيه، وعن غيرها من ساحات الألم العربي – الإفريقي التي تُركت للنسيان.

إنَّ معيارنا القومي الاجتماعي يبقى ثابتًا: لا نقرأ الوقائع بعين الانبهار، بل بعين المصلحة القومية وميزان النهضة. فبينما يشتغل الإعلام الغربي على تلميع صورة “العمدة التقدّمي”، يواصل العدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية أعمال القتل والحصار والتجويع في بلادنا، وتستمر معاناة عالمنا العربي من اليمن إلى غزة إلى الفاشر.

لذلك، لا بد أن يوازي كل اهتمامٍ رمزيٍّ بفوز سياسيٍّ في نيويورك، جهدٌ عمليٌّ وميدانيٌّ في دعم قضايا شعبنا الحقيقية: فلسطين أولًا، وسوريا، والسودان، ولبنان، والعراق، واليمن وكل رقعة من جسد أمتنا المنهك. إنَّ الضجة لا تبني واقعاً، وما يُراد لنا أن نحتفل به اليوم قد يكون مجرّد أداة لإلهائنا عن واجبنا القومي الأكبر: بناء الإنسان الجديد في وطنٍ حرٍّ قويٍّ متكامل.

الخلاصة القومية الاجتماعية

فوز ممداني إنجاز رمزي كبير في مركزٍ ثقافي – مالي عالمي، ويؤشّر إلى تغيّرٍ داخل شرائح شابة في الحزب الديمقراطي. لكنه ليس مذّنّباً تاريخياً يُنهي الصهيونية، ولا هو تغييرٌ فدراليّ فوري. قوتنا كقوميّين اجتماعيين أن نحول «الرمز» إلى عملٍ منظّم متراكم في المدينة: سردية، قانون، ثقافة، نقابات، وحقوق مدنية بوصلةُ كل ذلك: الإنسان، المجتمع، العدالة في بلادنا سورية والعالم العربي.

حنان عابد

باحثة وكاتبة في شؤون المشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق