في لحظةٍ يرزح فيها السوريون تحت أثقال غير مسبوقة من الفقر والانهيار الاقتصادي وتآكل الخدمات، يخرج علينا خطابٌ تعبوي يحاول إعادة تعريف أولويات المجتمع، عبر تسويق قرار حظر الكحول في دمشق كأنه معركة أخلاقية كبرى. تُنظَّم التظاهرات، وتُرفع الشعارات، ويُعاد إنتاج خطاب ثنائي ساذج: “إما مع الفضيلة أو مع الفساد”. لكن هذا الطرح لا يعكس سوى محاولة مكشوفة لتحويل الأنظار عن الأزمات الحقيقية، وإغراق المجتمع في جدلٍ سطحي يُخفي خلفه واقعاً أكثر قسوة وتعقيداً.
أولاً – ليس من قبيل المصادفة أن تُطرح قضية الكحول في هذا التوقيت تحديداً. فبحسب تقديرات أممية، يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، بينما يعاني الملايين من انعدام الأمن الغذائي. ومع ذلك، تُقدَّم “محاربة الخمر” كأولوية، في تجاهل صارخ لحقيقة أن المواطن بات عاجزاً عن تأمين الخبز والدواء. هذه ليست أخلاقاً، بل سياسة إلهاء.
ثانياً – يحاول أنصار السلطة تصوير المشهد وكأنه صراع بين “أنصار الفضيلة” و”أنصار الرذيلة”. هذا التبسيط المخلّ ليس بريئاً، بل يهدف إلى تقسيم المجتمع وإعادة تشكيله وفق خطوط توتر جديدة. فبدلاً من مساءلة السياسات الاقتصادية، يُدفع الناس إلى صراعات قيمية، تُستخدم فيها العاطفة والدين لتكميم أي نقد حقيقي.
ثالثاً – في الوقت الذي تشير فيه تقارير مستقلة إلى تدهور غير مسبوق في قيمة الليرة السورية، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، تستمر الجهات الرسمية في طرح أرقام “نمو” و”تحسن” صبيانيه، لا تنعكس بأي شكل على حياة الناس، إذ كيف يمكن الحديث عن تحسن اقتصادي، بينما متوسط الرواتب لا يغطي سوى جزء ضئيل من تكاليف المعيشة؟ هذه الأرقام ليست مجرد أخطاء، بل تعبير عن سياسة إنكار، أو ما يمكن وصفه بـ” التذاكي المكشوف”، الذي لم يعد يقنع أحداً.
رابعاً – حين يُطرح سؤال: ما هي “أم الخبائث”؟
سيجيب جمهور السلطة، ومشايخه فورا”: الخمر!! بالرغم من أن هذا الموضوع حرية فردية محضة؟؟ لكن الواقع أكثر تعقيداً ووضوحاً في آنٍ واحد:
أليست “أم الخبائث” هي الفقر الذي يُذلّ الناس؟
أليست هي الفواتير التي تلتهم دخلهم؟
أليست هي سرقة حقوق الموظفين والمتقاعدين؟
أليست هي السياسات التي تقطع أرزاق المواطنين؟
بل إن الكذب نفسه—كذب السلطة على شعبها، وتقديمها أرقاماً مضللة ووعوداً فارغة—هو “أمّ الخبائث” الحقيقية. فالكذب هو الأصل الذي تتفرع عنه كل الأزمات، وهو ما يجعل أي حديث عن الأخلاق مجرد غطاء هشّ لواقع مأزوم …
خامساً – في الجنوب السوري، تتجول قوات الاحتلال الإسرائيلي بكل حرية، ودون خوف، في مشهد يمسّ السيادة الوطنية بشكل مباشر. لكن المثير للانتباه ليس الحدث بحد ذاته فقط، بل ردّ الفعل—أو بالأحرى غيابه. صمتٌ رسمي، وغيابٌ لأي موقف واضح أو حتى إدانة لفظية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول أولويات هذه السلطة وحدود قدرتها أو رغبتها في الدفاع عن الأرض والناس، اذ كيف يمكن لسلطة أن تدّعي حماية “الأخلاق العامة”، بينما تعجز حتى عن إبداء موقف سياسي أو إعلامي تجاه انتهاكات تمسّ السيادة؟ وكيف يُطلب من المواطن الانشغال بقضايا سلوكية فردية، فيما تُترك قضايا كبرى دون أي نقاش أو شفافية؟
سادساً – في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بتداعيات التصعيد والحرب على إيران، وما قد يترتب عليها من انعكاسات خطيرة على المنطقة ككل، تبدو الحاجة ملحّة لنقاش وطني جاد حول موقع سورية في هذه التحولات، وحول كيفية حماية المجتمع من ارتداداتها الاقتصادية والأمنية، لكن بدلاً من ذلك، يُدفع الناس نحو قضايا هامشية تُستهلك في الجدل الإعلامي، دون أن تمسّ جوهر التحديات. هذا الانفصال عن الواقع الإقليمي والدولي، والاكتفاء بإدارة نقاشات داخلية سطحية، يعكس خللاً عميقاً في ترتيب الأولويات.
سابعاً – لا يمكن بناء خطاب أخلاقي حقيقي على انتقائية فجة. فالأخلاق التي تُشدد على سلوك فردي، وتتجاهل الظلم العام، ليست أخلاقاً، بل أداة سياسية. ومن يرفع شعار “محاربة الخبائث” عليه أن يبدأ بالخبائث الكبرى: الفساد، الظلم، الكذب، انعدام العدالة، والطائفية المقيتة، ونفخ الذات، والاستعلاء، ومن يحرر يقرر، وغيره الكثير.
ثامنا” – إن ما يجري اليوم ليس معركة أخلاقية، بل محاولة لإعادة صياغة وعي المجتمع بما يخدم بقاء الأزمات لا حلّها. فالقضية ليست في زجاجة خمر، بل في منظومة كاملة تُنتج الفقر، وتُكرّس الظلم، وتُخفي الحقيقة خلف شعارات براقة، وحين يصبح الكذب سياسة، والصمت على القضايا الكبرى نهجاً، والانشغال بالهامشي بديلاً عن مواجهة الحقيقي، فإن “أمّ الخبائث” تصبح السلطة نفسها بسياساتها، وسلوكياتها ….
يقول جورج أورويل: في زمن الخداع، يصبح قول الحقيقة عملا” ثوريا”.


