العالم الآن

الأردن واتفاقيّة التعاون الدفاعي مع واشنطن

هل استُخدمت القواعد أو الأجواء الأردنية في تنفيذ الضربات الأميركية على إيران؟

لم يعد ممكناً التعامل مع الوجود العسكري الأميركي في الأردن بوصفه مجرد تعاون تدريبي أو أمني محدود، ولا اختزال ما يجري في الأجواء الأردنية بعبارة عامة من قبيل (حماية السيادة). فمع اتساع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، تحوّل الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والوجود العسكري الأجنبي على أراضيه، إلى جزء مباشر من مسرح الصراع الإقليمي، سواء اعترفت الدولة بهذه الحقيقة أم فضّلت تغليفها بلغة الدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب.

ولا يمكن فهم حجم هذا الوجود من دون العودة إلى اتفاقية التعاون الدفاعي بين الأردن والولايات المتحدة، التي وُقعت في عمّان في 31 كانون الثاني/يناير 2021، ودخلت حيز التنفيذ في 17 آذار/مارس من العام نفسه، ثم نُشرت في الجريدة الرسمية الأردنية. وهي ليست مجرد مذكرة عامة للتدريب وتبادل الخبرات، بل إطار قانوني مفصل ينظم وجود القوات الأميركية وتحركاتها واستخدامها منشآت ومناطق داخل الأراضي الأردنية.

وبموجب الاتفاقية، يتيح الأردن للقوات الأميركية الوصول إلى (المرافق والمناطق المتفق عليها) واستخدامها، سواء بصورة مشتركة مع القوات الأردنية أو بصورة حصرية. كما يوفر هذه المواقع من دون بدل إيجار أو تكاليف مماثلة، بينما تتحمل القوات الأميركية نفقات التشغيل والصيانة والبناء والتطوير في المنشآت المخصصة لاستخدامها الحصري. وتمنح الاتفاقية القوات الأميركية حق الدخول إلى هذه المرافق والخروج منها، والتدريب، ونشر القوات والمعدات، والتخزين، والصيانة، وتنفيذ الأنشطة المتفق عليها.

وتسمح الاتفاقية أيضاً بدخول أفراد القوات الأميركية وطائراتها ومركباتها ومعداتها إلى الأراضي الأردنية والخروج منها، وبحيازة الأسلحة وحملها أثناء أداء المهام الرسمية. ولذلك فإن وصف الوجود الأميركي بأنه مجرد «وجود قوات صديقة» لا يعكس حقيقة البنية القانونية والعملياتية التي أنشأتها الاتفاقية؛ فنحن أمام تسهيلات عسكرية واسعة ومواقع متفق عليها وقدرة على نقل الأفراد والمعدات وتخزينها وتشغيلها داخل المملكة.

وقد أثارت الاتفاقية، منذ نشرها، جدلاً دستورياً وسياسياً لأنها أُقرت ونُشرت من دون عرضها للتصديق على مجلس الأمة. ورأت الحكومة أنها لا تمس حقوق الأردنيين ولا ترتب نفقات على الخزينة تستوجب موافقة مجلس الأمة وفق تفسيرها للمادة 33 من الدستور، بينما اعتبر معارضون أن طبيعة الصلاحيات العسكرية والقانونية التي تمنحها لدولة أجنبية تجعلها اتفاقية سيادية كان يجب إخضاعها للنقاش والرقابة البرلمانية.

الحكومة الأردنية أكدت عند إقرار الاتفاقية أنها لا تسمح للقوات الأميركية بتنفيذ عمليات قتالية من داخل المملكة، وأن هدفها تأطير التعاون الدفاعي والتدريب ودعم أمن الأردن واستقراره. لكن هذه الطمأنة السياسية لا تلغي السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحاً اليوم: ما حدود الفصل عملياً بين الوجود الدفاعي والوجود العملياتي، عندما تكون القوات والطائرات والمعدات الأميركية متمركزة في منشآت داخل الأردن، فيما تخوض الولايات المتحدة حرباً فعلية في الإقليم؟

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل استُخدمت القواعد أو الأجواء الأردنية في تنفيذ الضربات الأميركية على إيران؟

لا يتوافر حتى الآن كشف أردني رسمي شامل يوضح للرأي العام طبيعة المهمات التي نفذتها القوات والطائرات الأميركية انطلاقاً من المواقع الأردنية أو عبر الأجواء الأردنية. ولذلك يجب التمييز بين حقيقة ثابتة، هي أن الاتفاقية تتيح وجود القوات والمعدات والطائرات الأميركية واستخدام منشآت محددة، وبين ادعاء يحتاج إلى إثبات مستقل، هو أن الغارات على إيران انطلقت بالفعل من الأردن أو عبرت أجواءه. لكن وجود هذه البنية العسكرية، بالتزامن مع الحرب الأميركية على إيران، يجعل السؤال مشروعاً ولا يسمح للحكومة بالاكتفاء بالنفي العام.

وفي المقابل، أعلنت القوات المسلحة الأردنية اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية دخلت الأجواء الأردنية، مؤكدة أن الاعتراض جاء لحماية أراضي المملكة وسكانها. ومن حيث المبدأ، من حق الأردن، بل من واجبه، إسقاط أي مقذوف يدخل أجواءه ويعرض مواطنيه للخطر، أياً يكن مصدره أو وجهته.

لكن المعضلة تبدأ إذا كانت الأجواء الأردنية متاحة للطائرات الأميركية، أو كانت المنشآت الأردنية تُستخدم لدعم عمليات هجومية على إيران، ثم تتولى القوات الأردنية اعتراض الرد الإيراني. عندها لا يعود الأردن واقفاً على مسافة واحدة من أطراف المواجهة، بل يصبح جزءاً من بنية عسكرية تسمح لطرف باستخدام الأرض والجو، فيما تمنع الطرف الآخر من الرد.

ومن هنا فإن السؤال ليس: هل يحق للأردن اعتراض الصواريخ التي تعبر سماءه؟ بالتأكيد يحق له ذلك. السؤال هو: هل تحرم الدولة الأجواء الأردنية بالدرجة نفسها على الطائرات الأميركية التي تشارك في ضرب إيران؟ وهل تملك الحكومة، بموجب الاتفاقية أو خارجها، حق منع القوات الأميركية الموجودة على أراضيها من استخدام المنشآت الأردنية في حرب إقليمية؟

إنَّ السيادة لا تعني فقط اعتراض الصاروخ القادم من الشرق، بل تعني أيضاً منع الطائرة المقاتلة المتجهة شرقاً من استخدام الأرض أو الأجواء الأردنية. ولا يمكن أن تكون السماء الأردنية محرمة على الصواريخ الإيرانية، لكنها مفتوحة أمام الطيران الأميركي أو “الإسرائيلي”، ثم يُقال إن الأردن لا يشارك في الحرب.

كما أن الخلاف اللفظي حول ما إذا كانت المنشآت تسمى (قواعد أميركية) أو (قواعد أردنية تستضيف قوات أميركية) لا يغير جوهر المسألة. قد تبقى الملكية القانونية للأرض والمنشآت أردنية، لكن الاتفاقية تمنح القوات الأميركية حق استخدام مرافق متعددة، وبعضها استخداماً حصرياً، وتتيح لها الحركة والتخزين والتشغيل، وإدخال القوات، والطائرات، والمعدات. ولذلك فالمعيار الحقيقي ليس الاسم المعلن، بل مَن يستخدم الموقع، وما طبيعة المهمات التي تنطلق منه، ومَن يملك القرار العملياتي داخله.

وتزداد خطورة هذه المسألة لأن الوجود العسكري الأميركي يجعل الأردن هدفاً محتملاً في أي مواجهة واسعة. وهكذا يجد المواطن الأردني نفسه مهدداً بنتائج حرب لم يقرر خوضها، ولم يناقش ممثلوه علناً تفاصيل الانخراط فيها، بينما تظل المعلومات المتعلقة بعدد القوات ومواقعها ومهماتها وحدود استخدامها للأراضي والأجواء الأردنية بعيدة عن الرقابة العامة.

الاعتراض، إذاً، ليس على حماية الأردن وشعبه، بل على سياسة قد تحوّل الأردن إلى ساحة أمامية للعمليات الأميركية، ثم تقدم نتائجها باعتبارها دفاعاً مجرداً عن السيادة. فالاتفاقية العسكرية ليست تفصيلاً إدارياً، بل هي جزء أساسي من المعادلة التي يجب أن تخضع للنقاش والمساءلة.

الأردن يحتاج إلى عقيدة دفاعية وطنية واضحة: لا استخدام للأرض الأردنية في الاعتداء على دول المنطقة، ولا أجواء مفتوحة لطرف ومغلقة في وجه طرف آخر، ولا منشآت أجنبية تعمل خارج الرقابة الدستورية، ولا اتفاقيات عسكرية تمس موقع البلاد وأمن شعبها بعيداً عن مجلس الأمة والرأي العام.

فالحياد لا يتحقق بالتصريحات، والسيادة لا تتجزأ: إما أن تكون الأرض والسماء الأردنيتان محرمتين على جميع أطراف الحرب، وإما أن يصبح الأردن طرفاً فيها، مهما حاول الخطاب الرسمي إنكار ذلك.

________________

للتحميل والاطلاع على نص الاتفاقية الأردنية-الأمريكية فيما يتعلق بالقواعد العسكرية، يرجى اتباع الرابط التالي:

اتفاقية التعاون الدفاعي بين حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية

حنان عابد

أكاديميّة وباحثة في شؤون المشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق