العالم الآن

توم براك والشرق الأوسط والانبياء !

في 22 أغسطس/آب 2026، قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، والعراق، والسفير الامريكي في تركيا توم براك، في حديث صحفي عن تعقيدات الشرق الأوسط، وأقتبس:

“لقد أرسل الله جميع الأنبياء إلى الشرق الأوسط ولم يرسلهم إلى الكاريبي ولا أميركا الجنوبية، ولا أميركا الشمالية، ولا أستراليا، ولا الصين، بل إلى هذا المكان الذي تبدو مشكلاته عصية على الحل .. وإذا كان الله لا يستطيع حلها، وإذا كان الأنبياء لم يستطيعوا حلها، فإن فكرة أن نتمكن نحن من حلها خلال العام ونصف العام المقبلين تبدو احتمالاتها ضئيلة على الأرجح!”

قد يكون المقصود هو التعبير عن صعوبة وتعقيد أزمات الشرق الأوسط، وهذا أمر لا خلاف عليه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التوصيف إلى إيحاء بأن المنطقة وشعوبها تحمل في ذاتها شيئاً يجعلها أكثر ميلاً إلى الصراع من بقية شعوب العالم، وهذه فرضية لا تصمد أمام أحداث التاريخ وتطوراته القديمة، والمعاصرة.

أولا” – الحروب ليست ظاهرة شرق أوسطية:

شهدت أوروبا حروباً دينية استمرت عقوداً، وحروباً أهلية، وحروباً قومية وإمبراطورية، ثم أنتجت الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهما من أعظم الكوارث البشرية في التاريخ.

الحرب العالمية الأولى اندلعت في أوروبا نتيجة تفاعل القومية والتنافس الإمبراطوري وسباق التسلح والتحالفات وموازين القوى، والحرب العالمية الثانية لم تكن حرباً دينية، وإنما نتجت عن النازية والفاشية والنزعة التوسعية والأزمة الاقتصادية وفشل النظام الدولي، أما الصين وأميركا اللاتينية وأفريقيا، فقد شهدت بدورها حروباً أهلية وثورات وانقلابات وصراعات على السلطة والموارد والحدود.

إذن، الحرب ظاهرة بشرية وليست ظاهرة شرق أوسطية.

ثانيا” – الدين ليس تفسيراً كافياً للصراع:

وجود الديانات والأنبياء في الشرق الأوسط لا يعني أن الدين هو سبب حروب المنطقة.
الحروب تقوم على السلطة والأرض والموارد والأمن والحدود والقومية والنفوذ والتدخل الخارجي، وقد يستخدم الدين أو الطائفية أحياناً كأداة للتعبئة السياسية. حتى الحروب الدينية الأوروبية تحولت في كثير من الأحيان إلى صراعات على السلطة وموازين القوى، لذلك فإن تفسير مشكلات الشرق الأوسط من خلال «طبيعة المنطقة الدينية» ليس تفسيراً علمياً.

ثالثا”- حتى الفكر الأمريكي يراجع فرضية القوة:

لعل المفارقة الأهم أن هذا النقد لم يعد يقتصر على باحثين في الشرق الأوسط، بل أصبح مطروحاً داخل النخبة الأكاديمية الأمريكية نفسها. ففي مقال نشرته مجلة Foreign Policy بعنوان «الواقعية لم تعد واقعية»، يرى الباحث الأمريكي ماثيو كروينيغ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجتاون وزميل المجلس الأطلسي، أن النظرية الواقعية التي تُقدَّم بوصفها تفسيراً لسلوك الدول الكبرى أصبحت عاجزة عن تفسير السلوك الأمريكي ذاته، ويجادل كروينيغ بأن الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، لم تتبع سياسة توازن القوى وضبط النفس كما تنبأت الواقعية، بل انتهجت سياسة توسع وتحالفات وتدخلات عسكرية وعقوبات ومحاولات لإعادة تشكيل النظام الدولي والمجتمعات الأخرى، حتى أصبحت النظرية غير قادرة على تفسير الممارسة الأمريكية نفسها، وهنا تكتسب تصريحات توم براك دلالة أعمق، فالمشكلة ليست أن الشرق الأوسط استعصى على الأنبياء، بل أن واشنطن كثيراً ما تعاملت مع المنطقة باعتبارها مشروعاً قابلاً للهندسة السياسية والاجتماعية من الخارج. وعندما تفشل هذه المشاريع، يصبح من الأسهل إرجاع الأزمة إلى «تعقيد الشرق الأوسط» بدلاً من مراجعة فرضيات التدخل نفسها، وهذا بالضبط ما يجعل مقاربة كروينيغ مهمة: فهي تدعو إلى مراجعة أدوات القوة قبل إلقاء اللوم على طبيعة المنطقة أو تاريخها الديني.

رابعا”- الشرق الأوسط الحديث نتاج عوامل داخلية وخارجية:

لا يمكن إنكار مسؤولية دول المنطقة ونخبها عن الاستبداد وضعف المؤسسات والانقسامات السياسية والطائفية والفشل في بناء الدولة الحديثة، لكن لا يمكن في المقابل تجاهل الانتداب الأوروبي، وإعادة رسم الحدود، والحرب الباردة، والتدخلات العسكرية، والتنافس الدولي والإقليمي، وتأثير القوى الكبرى في مسار دول المنطقة.
والأهم أن التدخل الخارجي لم يكن دائماً عسكرياً.
فقد استخدمت القوى الكبرى العقوبات الاقتصادية، والحصار، والضغوط السياسية، وشروط الاعتراف، والمساعدات المشروطة، والعزل الدولي كأدوات لدفع حكومات وشعوب المنطقة إلى تغيير سياساتها، وعندما لا تنسجم دولة ما مع الإرادة الأميركية، فإن السؤال يصبح أحياناً ليس: كيف نبحث عن تسوية تحقق مصالح الطرفين؟ وإنما: كيف نجعل كلفة الرفض أعلى؟
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة.

خامسا” – من قال إن شعوب المنطقة ضد مصالح أميركا؟

هذه هي النقطة تحتاج إلى مراجعة جذرية ، إذ لا أحد يقول إنَّ شعوب المنطقة أو دولها يجب أن تكون ضد المصالح الأميركية ، بل على العكس، يمكن أن تكون هناك مصالح مشتركة هائلة بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط في الأمن والتجارة والطاقة والاستثمار ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي، لكن العلاقة الصحية لا تقوم على أن تكون مصالح طرف هي المطلوب من الطرف الآخر قبولها، والمبدأ البسيط هو: رابح ـ رابح، وهو ليس مفهوماً شرقياً أو أيديولوجياً معادياً لأميركا ، بل هو من صميم الفكر الاقتصادي والرأسمالي الغربي نفسه (بالمناسبة الصين نجحت في تطبيق هذه القاعدة في علاقاتها الدولية ) .

المشكلة ليست أن دول المنطقة تريد مصالحها الوطنية، فهذه ليست مشكلة، بل هي وظيفة الدولة الطبيعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يُطلب من هذه الدول أن تتخلى عن مصالحها الوطنية لكي تتوافق مع تعريف واشنطن لمصالحها !

سادسا” – المشكلة في «هندسة» الشعوب والدول:

على مدى عقود، جربت الولايات المتحدة أشكالاً متعددة من التدخل لتغيير أنظمة سياسية ومجتمعات وتحالفات في مناطق مختلفة من العالم وفي حالات عديدة، كانت النتائج بعيدة عما أرادته واشنطن، فالسياسة الخارجية ليست مختبراً يمكن فيه تغيير مجتمع بمجرد تغيير القيادة. فالشعوب لها تاريخ وذاكرة ومصالح وهوية، والدول ليست دمى يمكن إعادة ترتيبها من الخارج، ولهذا فإن الهندسة الاجتماعية والسياسية من الخارج تفشل عندما تقوم على افتراض أن الشعوب ستصبح أكثر استقراراً بمجرد أن تصبح أكثر طاعة.

الدولة التي تبحث عن مصالحها الوطنية ليست دولة معادية لأميركا: والقائد الذي يرفض إملاءات واشنطن ليس بالضرورة عدواً للولايات المتحدة، قد يكون ببساطة قائداً يمارس السياسة كما تمارسها كل الدول: يبحث عن مصالح بلاده.

سابعا”- المفارقة السورية تقدم مثالاً شديد الدلالة على هذه العقلية:

في السنوات الأخيرة شهدنا تحولاً في الخطاب الأميركي تجاه بعض القوى والشخصيات التي كانت تُصنف في مراحل سابقة ضمن الجماعات الارهابية الجهادية، وصولاً إلى محاولة تقديم بعض شخصياتها باعتبارها قادرة على التحول إلى شركاء سياسيين ورجال دولة، وهنا يبرز السؤال: هل يمكن حل مشكلة الإرهاب والجهادية بإعادة تسويق الشخص سياسياً؟ وهل يكفي أن تتغير الصورة في واشنطن لكي تتغير طبيعة التجربة السياسية والاجتماعية على الأرض؟

إنَّ تقديم أي شخصية على أنها أصبحت «رجل دولة» يحتاج إلى اختبار حقيقي يقوم على المؤسسات، واحترام القانون، وحماية التنوع، والسيادة الوطنية، وعدم استخدام العنف، وقبول التعددية السياسية، وليس على تغيير الخطاب أو صورة العلاقات العامة، أما فكرة أن «بخّة عطر» من الرئيس ترامب تستطيع تحويل ماضٍ جهادي إلى رجل دولة، فهي ليست سياسة خارجية مستدامة، وإنما رهان جديد على هندسة الواقع من أعلى، والتاريخ يقول إن مثل هذه الرهانات قد تنجح تكتيكياً لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع تغيير المجتمعات بالتمنيات.

ثامنا” – أخيرا”- ربما يكون توم براك محقا” في أن الشرق الأوسط شديد التعقيد، وأن الولايات المتحدة لن تستطيع حل أزماته خلال عام ونصف.
لكنه يخطئ إذا أوحى بأن المشكلة تكمن في شعوب المنطقة أو في تاريخها الديني ، فالشرق الأوسط ليس أكثر شراً من أوروبا، ولا أكثر ميلاً إلى الحرب من آسيا أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية.
والشعوب في كل مكان تبحث عن الأمن والكرامة والمصالح والازدهار، وإذا كانت واشنطن تريد علاقات مستقرة مع المنطقة، فلا أحد يطلب منها التخلي عن مصالحها، لكن المطلوب هو أن تفهم أن مصالح أميركا ليست بالضرورة مصالح الآخرين، وأن العلاقة المستدامة لا يمكن أن تقوم على الإملاء، والعقوبات، والحصار، أو محاولة إعادة تشكيل الدول والمجتمعات وفق الرؤية الأميركية.

المعادلة أبسط من كل النظريات التي تُسوَّق للمنطقة: مصالح مشتركة، احترام متبادل، سيادة وطنية، ومنطق رابح–رابح. أما ما عدا ذلك فليس سوى إعادة إنتاج لفكرة قديمة أثبتت فشلها: أن واشنطن تعرف ما هو أصلح لشعوب الشرق الأوسط أكثر من شعوبه نفسها.

الواقع السوري اليوم هو الدليل الأكثر قسوة على عقم هذه الخيارات. فمحاولات إعادة هندسة الدولة والمجتمع من الخارج، وصناعة النخب، وإعادة تدوير الجهادي وتقديمه كرجل دولة بمجرد تبدل التحالفات أو توافقه مع المصالح الأميركية، لم تُنتج استقراراً ولا دولة، بل عمّقت الانقسام وأجّلت الانفجار.

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى أنبياء أو رسل جدد، ولا إلى «مخلّص» أميركي يعيد تشكيله على صورته، إنه يحتاج إلى شريك يحترم سيادة الدول وإرادة الشعوب، لأن الدول تُبنى من الداخل، أما الهندسة الخارجية فلم تُنتج حتى اليوم إلا أزمات بأسماء جديدة.

د. بسّام أبو عبدالله

أكاديمي سوري، أستاذ العلاقات الدوليّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق