ثمة مشهد يستحق التأمل والسخرية معاً في ردود فعل بعض الأوساط الإسلامية والعربية على الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026. فقد امتلأت بعض المنابر الإعلامية وصفحات الإسلاميين بالتبريكات والاحتفالات بعد فوز عبد الرحمن السيد (Abdul El-Sayed)، الأمريكي من أصول مصرية، بعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، وكأن أمريكا تحولت فجأة إلى دولة إسلامية، وكأن الرجل وصل إلى موقعه بفضل الشريعة الإسلامية، أو بقرار من جماعة دينية، أو نتيجة فتوى من أحد شيوخ الإسلام السياسي!
لكن ما الذي أوصل عبد الرحمن السيد فعلياً؟ وما طبيعة الدستور الذي سمح له بالوصول؟ وهل يقبل هؤلاء أن يحكموا بلدانهم بالدستور نفسه الذي يحتفلون اليوم بثماره ؟
أولاً – أمريكا ليست دولة إسلامية… لكنها أتاحت للجميع الوصول إلى السلطة:
لم يكن عبد الرحمن السيد وحده الذي حقق إنجازاً تاريخياً. فقد شهدت الانتخابات اختراقات لافتة في التمثيل السياسي، أبرزها : خمسة حكام سود في الولايات المتحدة، وهو رقم غير مسبوق، أول امرأة سوداء تتولى منصب حاكمة ولاية، أول امرأة لاتينية تحكم ولاية تكساس، وأول حاكم لاتيني لولاية كاليفورنيا، أول امرأة من السكان الأصليين تتولى حكم ولاية، وأول امرأة من السكان الأصليين تصل إلى مجلس الشيوخ، أول رجل مثليّ علناً يصل إلى مجلس الشيوخ، إضافة لوصول شخصيات من أصول آسيوية، ومن أجيال شابة، ومن خلفيات عرقية وثقافية متعددة إلى الكونغرس ومؤسسات الولايات.
أما المسلمون، الذين لا تتجاوز نسبتهم نحو 1.6% من سكان الولايات المتحدة، وفق تقديرات مركز بيو للأبحاث لعام 2026، فقد حققوا بدورهم اختراقاً تاريخياً بوصول عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ، إلى جانب فوز آدم حماوي بعضوية مجلس النواب عن نيوجيرسي.
لكن ثمة حقيقة ينبغي ألا يغفلها المحتفلون: عبد الرحمن السيد لم ينتخبه المسلمون وحدهم! لقد انتخبه جمهور أمريكي متعدد الأديان والأعراق والخلفيات، من مسلمين ومسيحيين ويهود ولا دينيين وغيرهم، في انتخابات عامة لا يقتصر ناخبوها على أبناء دينه أو جماعته، ولقد خاض الانتخابات ببرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي، فالمعيار في الدولة الدستورية هو المرشح وبرنامجه وقدرته على تمثيل الناس، وليس دينه ومذهبه.
تخيّلوا لو أن هذا حدث في بعض بلداننا! ألم يكن بعض هؤلاء سيقولون إنَّ المسلمين أو المسيحيين أو الدروز أو العلويين او الاسماعيليين أقليات لا يحق لها الوصول إلى مواقع الحكم؟ أي مرض سياسي وفكري هذا الذي يجعلنا نحتفي بالمواطنة هناك، ونحاربها هنا؟
ثانياً – ما الذي يقوله الدستور الأمريكي الذي أوصلهم؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى تجار الدين.
تنص المادة السادسة، البند الثالث، من الدستور الأمريكي على:
“No religious Test shall ever be required as a Qualification to any Office or public Trust under the United States.”
أي:
لا يجوز أبداً اشتراط أي اختبار ديني بوصفه مؤهلاً لتولي أي منصب أو مسؤولية عامة في الولايات المتحدة ….
ويأتي التعديل الأول للدستور ليحمي حرية الدين والتعبير، ويمنع الكونغرس من سن قوانين تقيد حرية المعتقد أو التعبير.
أي إن المواطن الأمريكي لا يحتاج إلى أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، ولا حتى متديناً، كي يصبح عضواً في الكونغرس أو حاكماً لولاية.
والأهم أن له الحق في انتقاد رئيس الدولة ونائبه، ومعارضة سياساتهما، ومهاجمتهما سياسياً، دون أن يصبح ذلك مبرراً لحرمانه من حقوقه الدستورية.
ولننظر الآن إلى القسم الذي يؤديه عضو مجلس النواب أو مجلس الشيوخ الأمريكي:
“I, (name of Member), do solemnly swear (or affirm) that I will support and defend the Constitution of the United States against all enemies, foreign and domestic; that I will bear true faith and allegiance to the same; that I take this obligation freely, without any mental reservation or purpose of evasion; and that I will well and faithfully discharge the duties of the office on which I am about to enter. So help me God.”
وترجمته:
أنا، (اسم العضو)، أقسم رسمياً (أو أُقرّ) بأنني سأدعم دستور الولايات المتحدة وأدافع عنه في مواجهة جميع أعدائه، في الداخل والخارج، وأنني سأحمل له إخلاصاً وولاءً حقيقياً، وأنني أقبل هذا الالتزام بحرية، دون أي تحفظ ذهني أو نية للتهرب منه، وأنني سأؤدي واجبات المنصب الذي أنا مقبل على توليه بأمانة وإخلاص. فليساعدني الله …
واللافت أن القسم موجّه إلى الدستور، وليس إلى دين أو طائفة أو جماعة أو مرشد أو زعيم سياسي. كما يستطيع العضو اختيار صيغة الإقرار بدلاً من القسم الديني.
تأملوا هذه المفارقة: عبد الرحمن السيد يؤدي القسم على دستور مدني وضعي، لا يستمد شرعيته من الشريعة الإسلامية، ولا يجعل الدين شرطاً لتولي المسؤولية العامة.
فهل يقبل الإخوان المسلمون وأنصارهم هذا المبدأ في بلدانهم؟ أم أنهم يريدون الاستفادة من نتائج النظام الأمريكي، مع رفض الأسس التي قام عليها؟
ثالثاً – عبّاس علوية… العربي الذي غاب عن الاحتفاء نفسه!
في الانتخابات ذاتها، فاز عباس علوية (Abbas Alawieh)، الأمريكي من أصول لبنانية، بمقعد في مجلس شيوخ ولاية ميشيغان، بعد حصوله على نحو 70.7% من الأصوات، أي قرابة 71%.
وهو من أصول شيعية جنوب لبنانية، وأحد مؤسسي حركة «غير الملتزمين» (Uncommitted) التي اعترضت على سياسة الحزب الديمقراطي تجاه الحرب على غزة، حقق إنجازاً سياسياً مهماً، وأصبح أول أمريكي من أصل عربي وأول مسلم يصل إلى مجلس شيوخ ولاية ميشيغان، وفق التغطية المحلية.
لكن التغطية الإعلامية العربية والدولية لفوز عبد الرحمن السيد طغت إلى حد كبير على الاهتمام بفوز علوية، رغم أن الأخير حقق نسبة تصويت أعلى بكثير.
ولا أريد أن أجزم بأن خلفية علوية الشيعية الجنوبية هي السبب الوحيد وراء هذا التفاوت، لكن من المشروع التساؤل: هل تحظى الهوية الإسلامية العامة بالاهتمام الإعلامي نفسه عندما يتعلق الأمر بشخصية عربية شيعية من جنوب لبنان، أم أن بعض السرديات الإعلامية تفضل هوية على أخرى؟
هنا تبرز أيضاً مسألة تاريخية مهمة: فأول أمريكي من أصل عربي وصل إلى مجلس النواب كان جورج قاسم عام 1959، وأول أمريكي من أصل عربي وصل إلى مجلس الشيوخ كان جيمس أبو رزق عام 1973، أما عبد الرحمن السيد فهو ثاني عربي، وأول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي، للدقة فقط …
والفارق بين الوصفين مهم ، لأننا إذا جعلنا الدين وحده معيار الاحتفاء، فسوف نعيد كتابة التاريخ وفق هوياتنا وتفضيلاتنا، ونبرز شخصاً وننسى آخر، ونختزل الإنجاز السياسي في خانة عقائدية ضيقة.
رابعاً – ماذا عن سورية؟
هنا تصبح المقارنة أكثر إيلاماً ، اذ نصت المادة الثالثة من دستور الجمهورية السورية لعام 1950 على أن:
«دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع».
واحتفظ دستور عام 2012 بشرط أن يكون دين رئيس الجمهورية الإسلام.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن المواطن السوري المسيحي، مهما بلغت كفاءته العلمية والسياسية، ومهما امتلك من خبرة أو شعبية أو قدرة على إدارة الدولة، محروم دستورياً من حق الترشح لرئاسة الجمهورية بسبب دينه ، صحيح أنه لا يشترط النص مذهباً إسلامياً معيناً، لكن ما حدث في ظل السلطة المؤقتة الحالية، يوضح أن المذهب أيضاً مطلوب دون ذكره، وبالتالي فان مجرد فرض الانتماء الديني شرطاً لتولي أعلى منصب في الدولة يمثل تمييزاً دستورياً واضحاً.
فكيف نتحدث عن المواطنة المتساوية، بينما نحتفظ بنص يستبعد مواطنين سوريين من حق دستوري بسبب معتقدهم؟ وهل يستطيع الاسلامويون وأنصارهم القبول بأن يكون رئيس الدولة مسيحياً، أو درزياً، او علويا” ، أو كرديا”أو من أي معتقد آخر، ما دام قد وصل إلى موقعه عبر انتخابات حرة؟
خامساً – المفارقة السورية… عبد الرحمن السيد والجولاني:
ثمة مفارقة أخرى أكثر فجاجة تستحق أن تُقال بلا مواربة، أن هؤلاء الإسلاميون أنفسهم الذين يحتفلون اليوم بوصول عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ الأمريكي عبر دستور مدني وضعي، هم أنفسهم الذين هلّلوا لوصول أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، ذي الخلفية الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة وجبهة النصرة، إلى الحكم في سورية، بعد مسار طويل في التنظيمات الجهادية، وفي ظل دعم إقليمي، وانفتاح وقبول أمريكيين لاحقين بالتعامل مع السلطة الجديدة.
أي تناقض هذا؟
كيف يمكن الجمع بين الاحتفاء بنموذج دستوري يقوم على المواطنة والحريات وعدم التمييز الديني، والتصفيق في الوقت نفسه لوصول سلطة ذات خلفية جهادية، قامت بذبح مواطنيها لمجرد انتمائهم المذهبي، دون نقاش جدي حول طبيعة الدولة، وحقوق المواطنين، ومصدر الشرعية، وضمانات عدم احتكار السلطة؟
إنهم يحتفون بعبد الرحمن السيد لأنه مسلم وصل إلى موقع متقدم في دولة مدنية، ويحتفون بالجولاني لأنه وصل إلى الحكم في سورية، دون أن يسألوا أنفسهم عن الفارق الهائل بين النموذجين، وعن الدستور والمؤسسات والحريات التي تحكم الأول، وعن الأسئلة المصيرية التي لا تزال معلقة أمام الثاني.
هل أصبح معيارهم هو هوية الحاكم، لا طبيعة النظام الذي يحكم به؟ وهل يكفي أن يكون الحاكم مسلماً كي تُغفر له أسئلة الدولة والدستور والحريات والمحاسبة؟
سادساً – أتحداكم!
أتحداكم أن تقبلوا دستوراً مدنياً لا يمنح أي طائفة أو جماعة حقاً حصرياً في الحكم.
أتحداكم أن تقبلوا أن يكون رئيس الدولة مسيحياً أو مسلماً أو من أي معتقد آخر، وأن يكون معيار اختياره كفاءته وبرنامجه وثقة المواطنين به.
إنَّ مقالي هذا ليس هجوماً على الإسلام أو المسلمين، بل على تجّار الدين الذين يحولون العقيدة إلى سلعة سياسية، ويستثمرون الهوية الدينية للآخرين حين تخدم مشاريعهم، ثم ينقلبون على أبسط مبادئ المواطنة والحريات عندما يتعلق الأمر ببلدانهم.
هؤلاء الذين يريدون من أمريكا مسلما” يدخل مجلس شيوخها، لكنهم لا يريدون دستورها الذي سمح له بالوصول! يحتفلون بانتخابه، لكنهم لا يريدون حرية انتقاده لرئيسه. ويصفقون لعبد الرحمن السيد لأنه وصل عبر دستور مدني، ثم يهللون في سورية لوصول حاكم ذي خلفية جهادية، دون مساءلته عن شكل الدولة التي يريد بناءها …. !!
يا لها من انتقائية!
يريدون الديمقراطية على مقاسهم، والمواطنة بشروطهم، والحرية عندما يكونون في المعارضة، والطاعة عندما يجلسون على الكراسي. يريدون صندوق الاقتراع سلّماً إلى السلطة، ثم يلقونه بعيداً بعد الوصول!
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الخطب عن عظمة الإسلام، بل إلى دول تحترم مواطنيها، ودساتير لا تفتش في ضمائر الناس قبل أن تمنحهم حقوقهم.
فإذا كنتم معجبين بعبد الرحمن السيد، فكونوا مع الدستور الذي أوصله، ومع الحريات التي تحميه، ومع المساواة التي تتيح لمسيحي أو مسلم أو لاديني أن ينافسه ويفوز عليه.
أما أن تأخذوا من أمريكا مسلمها، وترفضوا دستورها، وتحتفلوا بحريته، وتحرموا مواطنيكم منها، فهذه ليست مفارقة سياسية فحسب؛ إنها مأساة فكرية وأخلاقية.
لذلك كله: أتحداكم أن تقبلوا في بلدانكم ما تتفاخرون به في أمريكا… وعندها فقط يصبح لاحتفالكم معنى !!


