لطالما تمَّ استخدام عنوان “التّدخَل الخارجي” كحجرٍ في ميدان التّراشُقِ السّياسيّ، حيث يتبادل الخصوم السّياسيون رميَهُ على بعضِهم، في مشهدٍ غالباً يَجِدُ كُلُّ طرفٍ فيه لِنفسِهِ مُتَّسعاً من المساحة، وهامشاً من المعطياتِ تُمكِّنُهُ من إلقاء تلك التُّهمة على الأطراف الأخرى، بغضِّ النَّظر عن حقيقة الموقف، ليس من جانب وجود ذلك التّدخّل أو عدم وجوده، ولكن من جوانب دواعيه وَسياقاتِه من جهة، وَالمسؤوليّة الواقعيّة عن استدعائه وأهدافه من جهةٍ أخرى. فالحقيقة التّاريخيّة الواضِحة من دراسة التّجارب والأحداث، هي أنّه لا توجد جهةٌ أو قوّةٌ سياسيَّةٍ ما، لم تَستَدعِ انخراط طرفٍ خارجيٍّ أو أكثر، في خِضمِّ مواجهةِ خصومِها في الدّاخل، لا بل إنَّ شبكة العلاقات وَالتّأييد الخارجيِّ تُعتبر دليل “قوّةٍ وَنجاحٍ سياسيَّين” وَلكِن في أوقات الهدوء، وَقبلَ اندلاع الاشتباك السّياسيِّ أو المُسلَّح (وهو الأكثر ارتباطاً بما نتحدَّثُ عنه هنا)، وما أن تشتبك الأطراف حتّى يبدأ اعتبار ذلك “النّجاح” باعتبارهِ تُهمةً “للعمالةِ وَالاستقواء بالخارج”. حتّى الحكومات الوطنيّة في كثيرٍ من البلدان، لا تجد لِنفسِها بُدّا من الاستعانة بحليفٍ أو صديقٍ خارجيٍّ، إن كان دولةً أو تَحالفاً، أو ربّما أحزاباً وقوًى تَحت مستوى الدُّول، وَكلُّ واحدةٍ حسب ظرفها التّاريخيِّ وَالموضوعيّ الّذي تَمُرُّ فيه، وَحسب شبكة العلاقات الّتي تمتلِكُها. وهذا في المبدأ لا يبدو كخطيئةٍ سياسيَّةٍ أو وطنيَّةٍ، لا بل هو نتاجٌ مَنطقيٌّ لِتلك الذّخيرة من العلاقات المبنيَّةِ على المصالح المُشتركة، والاعتماديّة الّتي كلَّما كانت متوازِنةً كلَّما عَبَّرتْ عن حِكمَةٍ وَقرارٍ وَطنيٍّ أصلح، برغم أنَّه من الظُلم وصم حكومات الدّول الأضعف وَتعييرها بالانخراط في علاقاتٍ اعتماديَّةٍ غيرِ متوازنةٍ، فهي أساساً لا يُمكنها فعلُ الكثير في مواجهة ذلك، نتيجة محدوديَّة الجغرافيا وَالموارد وَالطّاقات البشريَّةِ أحيانا والماديَّةِ أحيانا أخرى. هذا بالضَّبط ما يُعطي نهج الاتّحاد وَالوحدة بين الأقاليم وَالدّول الصّغيرة قيمَتَه (علماً أنَّ حجم الدّول نسبيّ)، وهو نفسهُ ما يُجَرِّدُ مبدأ الانقسام تحت عناوين “الفدرلة” وَنماذج “الحكم الذّاتيِّ” من قيمتَه الأخلاقيّةِ وَالوطنيَّة، لأنَّه سَيُنتِجُ كياناتٍ أضعفَ بِالضَّرورة، ما سيضَعُها تحتَ وطأةِ الاعتماديَّةِ غيرِ المُتوازِنة مع الخارج، وتالياً ستكون أكثرَ عُرضةً لِلتَّفريط بسيادَتِها وَقرارِها، لا بل وَثرواتِها الوطنيَّةِ أيضا، خاصَّةً عندما تواجِه تحدِّياتٍ مصيريَّة.
هنا وَحتَّى لا يَلتَبِسُ المفهوم وَلا يتوهَ القصدُ عندَ القارئ المُحترم، لا بُدَّ لنا من التَّنويه على ذلِك الفارق الأخلاقيِّ وَالتّاريخيّ بين “الفدرَلة” المُنطلِقة عِن التَّجاذُبِ وَالطُّموح المشترك لصناعة أمَّة، كما حدث في معظم دول الغرب التي نعرفها اليوم (ألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة وغيرها) وبين “الفدرلة” النّاتِجة عن التَّنابُذِ وَالسَّعيِ للانفكاك وَالتَّباعُدِ وَالتَّفريط، كنتيجةٍ لِمُمارساتٍ أو ظروفٍ قاسيةٍ أدَّت إلى فَكفَكةِ الحالة المعنويَّةِ المُشتركة لِشعبٍ ما، وَمزَّقتهُ لـ “أقاليم” قد يَستقي بَعضُها مُبرِّراتِ وُجودِهِ من حقائِقِ التَّاريخِ وَالجغرافيا.
في يوم الخميس 7 تمّوز 2011 قام السَّفير الأميركيُّ في سوريا (آنذاك) روبرت فورد بالانضمام إلى مظاهراتٍ مناهضةٍ للحكومة السّوريَّة في مدينة حماه، دون الحصول على موافقةٍ مُسبقةٍ من الخارجيّة السّوريّة، حسب الأعراف والقوانين الدّيبلوماسيَّة، في مشهدٍ اعتبر شكلاً فاضحاً من أشكال التّدخل الخارجيِّ، الّذي رَحَّبت به قوى المعارضة بحماسَةٍ وقتها، واعتبرته شكلاً من أشكال “الدَّعم الخارجيّ” يُعبِّر عَن “نجاحٍ سياسيٍّ” في طرح مَطالِبها في إسقاط الحكومة السّوريّة. ما لبثت بعدها تلك القوى أن عبَّرت بوضوحٍ أكثر عن رغبتها في استدعاء ذلك التَّدخُّل، ففي يوم 9 أيلول 2011 خرجت المظاهرات في بعض المناطق وَالسّاحات، تحت عنوان موحَّدٍ هو “جمعة الحماية الدَّوليّة”.
بعد ذلك بأشهرٍ وّبالتَّحديد في يوم 16 آذار 2012 كانت المعارضة على موعدٍ مع عنوانٍ موحَّدٍ جديدٍ وأكثر إمعاناً في استجرار تدخلات الخارج حتّى ولو بالقوّة، عندما أطلَقَت على تظاهُراتِها عنوان “جمعة التّدخّل العسكريِّ الفوريِّ”. إنَّ تلك العناوين إضافة لفكرة توحيدها، اعتُبِرَت وَقتها تَعبيراً صِرفاً عن ذلك التَّدخّل الخارجيِّ، الّذي كان على ما يبدو يقود تلك الجهود حتى تبدو “موَّحدة”.
في المقابل ومع توافد أعدادٍ كبيرةٍ من المقاتلين الأجانب (قَدِّرَت أغلب المصادر الدّوليّة عددهم بـ 350 ألف) الّذين انضموا إلى صفوفِ المُعارضةِ السّوريّة ابتداء من صيف 2011 وَبعد أن ظهرت على قناة الجزيرة يوم 12 كانون الثاني، مطلع عام 2012 فيما يشبه الاعتراف، فصائلُ ما سمِّيَ “الجيش الحر” بعد إنكارٍ استمرَّ أشهراً لوجود عمليّاتٍ مسلَّحةٍ تستهدف القّوات الحكوميَّة وَالمؤسَّساتِ الرَّسميّة. مع هذا المشهد بدأ توافد قواتٍ من المقاومة اللّبنانيّة إلى سورية في شباط 2012 لمساندة القوات النِّظاميَّة في مواجهة المشهد المُستَعِر للمجابهات المسلَّحة وَالتّمرُّد المُستطير في أكثر من بؤرةٍ على مساحَةِ الجغرافيا السُّوريَّة، المُترعَةِ بالحدودِ المُتشابكة مع دولٍ محيطةٍ غير متعاونةٍ، خاصّةً وَأنَّ الكثير من هذه البؤر كان يتموضعُ على هامشِ الحدود السّورية اللّبنانيَّة الطَّريَّة.
وفي 30 أيلول من العام 2015 بدأت مقاتلات الجيش الرُّوسيِّ بمساندة الجيش السّوريِّ، مُدشِّنةً سَنواتٍ من التَّدخُّلِ العسكريِّ الّذي تَمَّ التَّعبير عنه بشكلٍ رئيسٍ من خلال إنشاء قاعِدَتين روسيَّتين كبيرتين، بحريَّةٍ في طرطوس (موجودة تم توسيعها) وَجويَّةٍ في حميميم (ريف اللاذقية). لم تكتمِل مَشهديَّة التَّدخل الخارجيِّ الّذي تَمَّ استدعاؤهُ على طرفيّ النِّزاع المُسلَّح عند هذا الحد، فقد ضمَّ الكثير من التّفاصيل الّتي لا يُمكِنُ إهمالها وإن كانت استطراداً لِكلِّ ما سبق، مثل دخول بعض الفصائل المسلَّحةِ من إيران والعراق لمساندة القوات الحكوميَّة السوريَّة، مع بعض “المستشارين العسكريين” الإيرانيين، في مقابل انفجارِ أعداد المُقاتلين الأجانب من عشرات الجنسيات الآسيويَّة وَالعربيَّة، وَحتَى الأوروبيَّة، الّذين تمَّ جلبُهُم وَتدريبُهم وإرسالُهم عبر الحدود التّركيَّة شمال غرب سورية. الحدود التركية الّتي شهِدَت دخول الجيشِ التُّركيِّ لاحتلال أراضٍ سوريَّةٍ على عدَّةِ مراحل، كان التّاريخ المُعلَنُ الرَّسميُّ لها في 24 آب 2016 فيما يُعدُّ أحد أكبر التَّدخّلات الخارجيَّة أثراً وَعمقاً في الأزمة السُّوريَّة، حيث نتج عنه تغييراتٍ ديموغرافيَّةٍ تضمَّنَتْ التَّتريكَ واستبدال العُملة، إضافة لإنشاء مؤسّساتٍ تعليميَّةٍ تُركيَّةٍ في الكثير من المناطِقِ الّتي احتلتَّها تركيا، وأعلن غير مسؤولٍ تُركيٍّ وَعلى رأسهم أردوغان بأنَّ “مُدناً سوريَّةً مثل حلب وَحِمص هي مدنٌ تركيّةٌ” وفي أكثر من إطلالةٍ عامَّةٍ وَموثَّقَة.
المعارضة السُّوريَّة استخدمَت التَّدخُّل الخارجي في سبيل تحقيق هدفٍ مُعلَنٍ واضحٍ، وهو الوصول إلى السُّلطة، وكانت في أكثرِ من مناسبةٍ وَمرحلةٍ أكَّدت (ضمن خطابها الموحَّد إعلاميّاً على أقلِّ تقديرٍ، وهي عَرَفَت انقساماتٍ دَمويَّةٍ لا تحصى في الواقع) على عدم استعدادها لأيِّ تفاوضٍ، وَقَد تَظاهرَ أنصارُها تحت عنوان “اللّا حوار” أكثر من مرةٍ، ومنذ بداية حراكها (جمعة اللاّحوار8 تموز 2011). طبعاً من نافِل القول هنا بأنَّ هذه المُعارضات كانت تُستَخدَمُ في الواقع من قبل القوى الدَّوليّة الفاعِلِة، من أجل أهداف أخرى ليست خافيةً على أحدٍ، تتمثَّل بتدميرِ الدَّولةِ السُّوريّة وَتسليمها جثّةً مُخرَّبَةً سياسيّاً وَمؤسّساتيّاً وَعسكريّاً، وَإذا كان البعضُ يُناكِفُ في هذه الأهداف على مرِّ سنوات الحرب السُّوريَّة، فإنّها أصبحت وَاقعاً مُعاشاً لم يَعُد يَنفعُ فيه الإنكار بعد 8 كانون أول 2024..
على الضِّفَّةِ الأخرى كانت الدَّولة السّوريّة تتجرَّع سُمَّ التّدخل الخارجيّ الدّاعِم لها (الدّعم الرّوسي والإيراني) وَتدفَعُ أثماناً باهظة في الدّاخل، نتيجة رغبتها الشديدة في ضبط هذه “الإعانة” عند حدودها الدُّنيا، درءاً لمفاسد تعاظم تبعاتها. فهي كانت لا تريد تدخلاً أكبر، فتخسر شعبياً في المقابل ولاءً أكثر، لأنّ النّاس لا تحمِلُ بوصلةً استراتيجيّةً في جيبها، ولا يسعُها التّمييز بين تيار كهربائيٍّ مُستَقرٍّ وَمغمَّسٍ بالتَّبعيّة، وَبين آخر شحيحٍ، ولكنَّه يُحافِظ على السّيادة، وَتالياً المُستقبل.. ولكنَّ ذلك المُستقبل نفسه كان عُرضة لِلتّآكل على وقع ضربات أزاميلِ تراجُعِ المستوى المعيشيّ، تزامُناً مع تفاقمِ مظاهر التَّرفِ والفساد عند “نخبةٍ” ما، كان أقلُّ ما يُمكن أن يُقال فيها أنّها حقيرة، فهي لم تأبه بآلام عموم الشّعب السّوريِّ، واستمرَّت على دأبها في البذخ والاستعراض الغبي، حتى سقط الوطن الجريح مضرجاً بدمائه.
إنَّ التّدخل الخارجيِّ بمختلف مستوياته ليسَ إلا تعبيراً عن حقيقة السّياسة الدّوليّة، فهو واقعٌ يتعذَّرُ علينا إنكاره، وعند هذه الثّابتة من واجبنا ونحن نقرُّ بها، أن نقوم بجردةِ تمييزٍ لأهدافِها المُعلنة الظّاهرة، وَغير المُعلنةِ المُستَتِرة، وَلمآلاتها وما نَتَج أو كان سينتج عنها فيما لو نجحت أو لم تفعل. هذا المعيار الموضوعيُّ، هو ما يُمكِّننا من الحكم على الفعل نفسه وعلى سياسة من اتّبعه وَسيلةً لِتحقيق شيءٍ ما، قد يكون حماية كيانِ دولةٍ ما، وَالحفاظ على وجودها وتموضعها الاستراتيجيّ، بما يخدم قضاياها وقضايا محيطها من الشّعوب الحيويّة لها، أو قد يكون إضعاف هذه الدولة وتمرير الأهداف الاستراتيجيّة لخصومها وأعدائها، تماما كما فعلت الثّورات الدّاخليَّة دائماً وعلى مرِّ التّاريخ، بتشريعها لأسباب الفوضى وزعزعة مرتكزات القوة، وتالياً فتح أبواب التّدخلات الخارجيَّةِ بشتَّى صُنوفها، حيث تضع مجتمعاتها في مَهَبِّ رياحِ الفوضى وَالاستثمار الخارجيِّ.


