العالم الآن

غُبارٌ على أقدامِ الجُنود

  في تقريرٍ لِنائب مارشال الجو في القوات البريطانيّة خلال حرب عاصفة الصَّحراء ١٩٩١ نشرته الصُّحف الإنكليزيَّة وقتها، قال النائب ما يلي:

  “في بحر الثّلاثة أيّام الأولى من الحرب، كانَت الأهداف الاستراتيجيّة العسكريّة للعراق، قد تمَّ ضربها بطريقةٍ مؤثّرة. وقد شملت: مطاردة القيادة السّياسيّة، شلّ تفكير القيادة العسكريّة، ضرب نظام القيادة والسّيطرة والمواصلات، والدّفاع الجوي. والمطارات، والمنشآت النوويّة والبيولوجيّة والكيماويّة، ومعظم منصّات إطلاق صواريخ سكود ومخازنها، إلى جانب الصّناعات العسكريّة.. ولكنَّ القصف الجوي استمرّ بعد ذلك”

  نعم لقد استمرَّ القصف لمدة ٤٠ يوما إضافيّة.. في عمليّة وصفها المؤرخون العسكريون البارزون في الغرب، أمثال روبيرت بايب و كارولين جيمكي بأنّها:
“محاولةٌ لتمزيق مجتمعٍ بأسره، وليس مجرّد قواته المسلّحة”

  هنا تحديدا، وفي مُعرض المقاربة الواعية، يمكن لكلّ سوريٍّ أن يَفهم تماما فحوى ما جرى في بلده منذ مطلع عام 2011 وخاصَّةً ما جرى بعد ذلك التّاريخ الحزين، في الثّامن من كانون الأول 24 يوم تقدّمت قوات الفصائل المتشدّدة، وفق ترتيب ورعايةٍ غربيةٍ إسرائيليّة للسيطرة على البلاد، في مشهدٍ دراماتيكي حمل المزيد من “التّمزيق لِلمجتمع بأسره”. يبدو أن القوى السّياسيّة العالميّة الفاعلة، والتي تُسمي نفسها اختزالا للمشهد العالمي “المجتمع الدولي” يبدو أنّها تسعى بشكلٍ ممنهجٍ لتدمير المجتمعات والدّول الخارجة عن النّسق المطلوب.. ولكن دعونا نتأمل في المزيد من الشّواهد.

  في أعقاب حرب عاصفة الصّحراء المدمّرة إيّاها، وفي مؤتمرٍ صحفيٍّ عقده وزير الدّفاع الأميركي ديك تشيني، قال في ردّه على هذه النّقطة بالتّحديد، وفي تأكيدٍ واضحٍ لها:

  “لا يجب أن يراودنا الشّكّ في أنّنا فعلنا ما كان لا بدّ من فعله. كنا نريد أن نُحدِثَ أكبر قدرٍ من التّأثير على المجتمع العراقي”

  إذا فنحن لم نعد نتحدّث عن تحليلات أو توصيفات لمفكرين وَمؤرخين، يمكن لهم أن يوصفوا الواقع بطيف من آرائهم، ولكنّنا نُميط اللّثام عن رأي صانع المجزرة بنفسه، وعن قراره إزاءها، ومن لسانه هو. هنا تكمن أهميّة التّعبير عن ما كتبناه مرارا، حول التّوجه الغربي لتمزيق المجتمعات وتدمير الدّول، وليس فقط مُحاكمة الأنظمة السّياسيّة، كما يدّعي مؤيدوا سياسات الغرب والمتحمّسين لها من العرب.

  هذا ليس كلّ شيء، لا بل إنّنا سنسترسِل في البحث عن الشّواهد، حتى نبيّن حقيقة نظرة القادة والمجتمع السّياسيّ الغربيّ للشّعوب حول العالم. لقد كان الأدهى والأشدّ قساوةً في تلك الحكاية المأساويّة عن العراق، تعليق الجنرال نورمان شوارزكوف قائد قوات  التّحالف الدّولي في عاصفة الصّحراء 1991 (وهو قائد القوات المركزيّة الأميركيّة) من خلال تصريح صحفيٍّ يوم 13 آذار من نفس العام، بعد أن أخذ الحديث عن حجم التّدمير الذي لحق بالعراق كحياةٍ مدنيّةٍ، يتَّسع ويدعو للتّساؤل عن معناه ومسوغاته، حيث قال:

  “إنَّ أهداف الضّرب الجوي تمّ توسيعها بالفعل، ولكنّ التّدمير لم يلحق بأبرياء، فالشّعب العراقي كلّه ليس بريئا لسببين، أولا أن العراقيين تحمّسوا لغزو الكويت، وثانيا هم راضون بحكم صدام حسين”

  نعم.. “الشّعب كلّه ليس بريئا” عبارةٌ مكثّفةٌ عن كميّةٍ هائلةٍ من التّضارب مع كلّ القيم والمفاهيم التي يزعم الغرب ومنظّماته “غير الحكوميّة” بلوغها، ويسعى لِترويجها وتعميمها، ومنها “حق الاختلاف” و”حق تقرير المصير” و”خطأ التّعميم” عناوين لطالما استخدمت نفسها في المكيال الأعسر، لِلهجوم على دول أخرى قبل العراق وبعده، مثل لييبيا وسوريا واليمن ..الخ لأنّها “دولٌ لا تحترم حقّ الاختلاف، ولا تمنح حقّ تقرير المصير لأقاليمها هي، وَتَتّبع سياسات شموليّة تعمّمً رأيها وتصنيفها على معارضيها ومنتقديها”.. ثمّ ماذا؟! سياسة العقوبات الجماعيّة التي لا تأبه بحياة الملايين، لأنّهم “يدعمون حكومات بلادهم”.. هنا بالفعل نرى أنّنا كمواطنين عالميين، نبدو كالغبار على أحذية الجنود الأميركيين، وهم يعبرون الأمصار والصحاري هنا وهناك، سعيا للسيطرة على حقول النفط والغاز، ولِدَكّ الجغرافيا السّياسيّة للدول والأقاليم بأسافين التّشقّق والصّدام والضّياع.

  حتّى نقوم بإغلاق دائرة حديثنا هذا عن التّلاعب الجيواستراتيجي الذي نتعرّض له، وخاصّة من زاويتي كسياسيٍّ سوريٍّ يعيش لوعة الغربة عن بلاده الّتي تبدو أكثر المعنيين بكلِّ ما تحدثنا عنه، ويقاسي رؤية مشهد تحلّل وطنه عن بعد، وكأنّه جثّةٌ متروكةٌ في العراء، تنهش ما تبقى من أعضائها وحوش البراري.. حتّى نقوم بذلك لا بدّ لنا من أن نختتم مطالعتنا المفعمة بالمآسي، بإطلالة بنيامين نتنياهو الاستعراضيّة منذ أيام، في 22.9.2025 عندما نشر مقطعا يتحدّث فيه عن الإقليم، فيقول:

  “نحن الذين اخترقنا خطّ المواجهة السّابق مع سورية، عبر مساهمتنا في انهيار نظام الأسد، وعززنا سيطرتنا بعد ذلك ليس فقط على مرتفعات الجولان، ولكن على ما هو أبعد منها وعلى جبل الشيخ.. نحن الآن نناقش مع سورية ما لم نكن نتخيّل امكانيّة حدوثه يوما.. نحن نناقش ترتيبا أمنيّا لنزع السّلاح من جنوب غرب سورية، مع تولينا رعاية حلفائنا في جبل الدروز”

  نعم يبدو أنَّه من أجل “الوصول إلى قمّة جبل الشّيخ” بالنّسبة لذراع الغرب المتقدّم بيننا “إسرائيل” كان يمكن وببساطة، تدمير بلد وحصار شعبه وتجويعه، ثم الانقضاض على دولته وتمزيقها، بكل ما تضمنه ذلك من إمعان في تمزيق المجتمع نفسه، وتحويله إلى ركام يأكل بعضه بعضه الآخر.

د. أحمد العربي

باحث وسياسي سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق