
-1-
ليست الفضيحة المرتبطة باسم جيفري أبستين، التي تشغل الرأي العام في مختلف دول العالم، هي الأولى في التاريخ الحديث للولايات المتحدة الأميركيّة، إلّا أنّها تؤسس لتاريخ جديد للفضيحة، بطبيعتها ودلالاتها ومعناها الأخير. الفضائح السابقة من مثل ووترغيت (1972 – 1974) والتي أدت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون تُعاير بوصفها ضربة لمصداقيّة الرئيس بكونه حامٍ للديمقراطيّة، ومؤسساتها، وثقافتها، وأخلاقها. شكّلت ووترغيت لحظة انكشاف للنظام الديمقراطي، الذي بدا حينها قابلاً للتجاوز بفعل السلطة.
وفق معايرة من هذا النوع، يمكن إدراج سلسلة من الحوادث – الفضائح: إيران – غيت (1985 – 1987)، كذبة أسلحة الدمار الشامل في العراق (2003)، كذبة احترام الحرية الشخصيّة للأميركيين واحترام المجالات التي تعود للدول الحليفة (تسريبات سنودن 2013)، وغيرها التي بجوانبها الأخلاقيّة تؤكد على خلل بنيوي متأصّل في النظام الرأسمالي، ومنه بالطبع الأميركي الذي يتصف بمزايا خاصّة به.
في هذه الأمثلة، يمكن إعادة هذا الخلل ورؤيته، إلى / في عدم التوازن ما بين الاستراتيجيّات ومتطلباتها، وتغوّل السلطة من جهة، والأنظمة والقوانين التي يفترض أن تكون ضابطة لهذه الاستراتيجيات وسبل إنجازها، وكابحة لتغوّل السلطة وقوتها من جهة مقابلة. بهذا المعنى يمكن البحث في الخلل البنيوي للنظام الرأسمالي الليبرالي وخصوصاً في حقبته الراهنة.
في فضيحة أبستين، تختلف المعايرة بالنظر لاختلاف المعطيات وسياق تشكّل الحدث – الفضيحة. نحن هنا لسنا أمام استراتيجيّة تتوسّل مؤسسات الدولة على نحو غير قانوني، أو ربما على نحو قانوني، ولكن غير أخلاقي، لتحقيق أهدافها. نحن هنا أمام تنصّيب بارد للحدث، أمام صناعة متأنيّة وهادئة له، أمام وليمة أُعدت في مطبخ على جاهزية عالية ومفتوحة في أدواته، وبتقنيات خاصة.
البحث عن خلل بنيوي – أخلاقي هنا، خطأ منهجي يحجب مشهد تشكّل الحدث منذ بدايته كفكرة قابلة للتصميم والهندسة، إلى كونه واقعاً ناجزاً صاخباً مالئ الدنيا وشاغل الناس…!
كما أنَّ الاكتفاء بالمعايرة الأخلاقيّة للحدث – الفضيحة، قد يؤدي إلى ردم العديد من الحقائق الشديدة الأهميّة تحت صدمة العراء الأخلاقي الذي اختارته (النخبة) بوصفه سلوكاً يميزها ويدل على قدرتها غير المحدودة على اختراق ونسف المجهود الأخلاقي الإنساني الذي عبّر عن نفسه في سياق التاريخ عقائد ورسالات وأديان وفلسفات وأنظمة وقوانين وثقافة…!
العراء الأخلاقي، تمارسه النخبة هنا، كتنمّر على تاريخ الأخلاق نفسه، أي كتنمّر على الإنسان في معناه، مقابل استحضاره دون معنى أولاً وإعادة صياغته بسحنة مشوّهة – شاذّة عن طبيعته وثقافته الأخلاقية المكتسبة عبر مسيرته التاريخيّة.
-2-
بدأت صناعة هذا الحدث – الفضيحة، من تلك اللحظة التي جعلت جيفري أبستين يترك مهنة تدريس الرياضيات التي كان يتدبر أمور معيشته من مردودها، ليدخل في حقل المال. ترك هو وظيفته أو جهة معينة اختارته ودفعت به إلى سوق المال، ومن ثم ليبدو بظرف قياسي ثريّاً؟! دون تبيان المصدر الذي تسبب له بكل هذا الثراء سوى كونه تولّى إدارة استثمارات ماليّة للثري الأميركي ليزلي ويكنسر؟ لم يتمكن أبستين من ذكر مصدر واضح للمال الذي جمعه ويتصرّف به، ما تم اعتبار المصدر المفترض غامضاً ملتبساً غير معروف؟
هل توصّلت وزارة العدل إلى معرفة هذا المصدر وتتكتم عليه وتمنع الإفصاح عنه؟
السياق الذي استكمل فيه أبستين تعمير البنية التحتيّة التي ستحتضن الفضيحة، ابتداءً من شراء جزيرة سان جيمس الصغيرة في العام 1998، سيؤكد دائماً الغموض المحيط به وبقدراته، حيث سيتمكن من الوصول والاتصال بنخبة أميركية – عالمية من الأثرياء ورجال المال والاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة والثقافة والاعلام والفن، وصياغة شبكات أسطورية من العلاقات معها وبين أعضائها، ويمارس نفوذاً عليها ويستقوي بمراكز نفوذ… ودائماً غامضة؟!
هل هذه النخبة الواسعة الممثلة لمختلف الحقول، مصابة بكل شخوصها بذلك الجنون الشّاذ الذي يقودها نحو القاصرات والقاصرين؟
هل ما يزيد على 6 ملايين وثيقة هي الآن بحوزة وزارة العدل الأميركيّة مليئة بالحوارات والنقاشات عن القاصرات والقاصرين والغاويات والغاوين… هل ذلك هو الواقع فعلاً؟
إذاً، ماذا يفعل نعوم تشومسكي مثلاً مع هذه النخبة؟ وإن لم يذهب إلى جزيرة أبستين. لماذا يتولى جواب أبستين عن أسئلة تخصّ الحرب الدائرة في سورية في العام 2013 – 2014؟ وتشومسكي هو أبرز فيلسوف ومفكّر معارض ليس لحكومة بعينها، بل للمنظومة الرأسماليّة الأميركيّة في ثقافتها ومؤسساتها وسياساتها؟ ومع ذلك يلتقي مع أكثر الأشخاص فساداً فيها… لماذا؟
الغموض ليس جواباً بالتأكيد، ولكنه محفّز للخروج من نظام التساؤلات المفروض في عملية مقاربة فضائح من هذا العيار. أي، هل نكتفي بالتساؤل الأخلاقي هنا لتبدو المسألة انحرافاً سلوكيّاً وشذوذاً ثقافيّاً وتربويّاً وربما طبيعيّاً؟
لنتقدم خطوة إضافية في محاولاتنا… أيمكن أن يشكّل الجانب الأخلاقي على وسعه القناع الفضفاض الذي تحته أو إلى جانبه جرت عمليات أخرى، أو مارست فيها قوى نفوذاً على من تعرّى تحت هذا القناع؟
وعلى ذلك تكون الفضيحة الأخلاقية هي القذارة اللازمة والضرورية التي تنتج تلك الصدمة العامة التي تقع أسيرة صورتها البشعة ورائحتها النتنة، فيما الغموض يستمر قدراً على عمليات لا أحد يعرف مآلها وما دور الأشخاص فيها؟
بهذا المعنى، تتبوأ الفضيحة مكانة السلطة المطلقة على من وقع فيها، الذي يمكن اعتباره من أتباع الفضيحة ومريديها، بوصفها الممر الإجباري له للوصول إلى عالم النخبة وامتيازاتها. الدكتاتوريات تقايض الولاء بالمكاسب والمزايا، ولكنها تتغاضى عن فضائح الموالين لها لتضمن طاعتهم لها إلى الأبد. في الأنظمة الرأسماليّة الليبراليّة ودولها تنشاً تلك الاختبارات الخاصّة للقوى النافذة، اختبارات تبدو في بعض معانيها كمعموديّة إجباريّة لتأكيد الولاء.
-3-
يقول ألكسندر دوغين: لا توجد نظرية مؤامرة، بل مؤامرة. لن أتبّنى هذا المصطلح الإشكالي، ولكن ما هو ثابت وراسخ، أن للدول واللوبيات والمجالس استراتيجيات تُلزِمها بتوسّل ما يلزم لتنفيذها… استراتيجيات لم تتوقف يوماً أمام سدّ الأخلاق الذي يتم تدميره بأبسط مما نظن.
لا تبدو فضيحة أبستين فخّاً تم نصبه للنخبة الأميركيّة بوجه خاص، بل مِنَصَّة استقطبت هذه النخبة إغواءً أو لأسباب أخرى، كي تنال شرعيّة محسوسّة مجسّدة بسلوك يتم توثيقه وأرشفته ووضعه قيد الاستثمار، مقابل استمرارها في موقعها وتعزيز قدراتها بالتكافل والتضامن مع الجهة التي صنّعت المنَِصَّة وجعلتها مرتفعة مرئيّة، وهي بالتأكيد ليست جيفري أبستين.
في الموضوع نفسه: رابط قناة شمس المشرق: فضيحة جيفري ابستين: السلطة الخامسة؟



الفضيحة بالمعنى السياسي والإداري هذا (في الولايات المتحدة) لم تكن بيوم من الأيام “خللا” تنفيذيا، برغم أن حدوث الفعل الذي تبنى عليه الفضيحة، قد يكون ناتجا عفويا عن أخلاقيات وسلوكيات البعض من الأفراد او المؤسسات، ولكن هذا الارتكاب لا يتحول إلى “فضيحة” إلا من خلال عمل مؤسساتي ممنهج، لا مكان فيه للصحافة والقضاء والمؤسسات الرقابية، إلا كأدوات لصنع “الفضيحة” وتقنين ظهورها إلى العلن، وجدولتها.
الفضيحة كما تفضلت سلطة، بل سياسة وأداة حكم وسيطرة، وهذا لم يحدث بالصدفة، ولا يبدو أنه عارض جديد، ولكنه متجذر في السياسة الأميركية.