العالم الآن

الأكراد، مرة جديدة!!

بين جنون ترامب وواقعيّة البرزاني

الفرق بين إدراك الكرد لأهمية الجغرافيا في صياغة التاريخ وخطر المغالاة في تأكيد هذه الحقيقة ذاتها هي «الاحتمالية»، بمعنى أنهم في تركيزهم على الجغرافيا، يتمسكون بحتمية جزئية أو متردّدة، وهي التي تُقرّ بالاختلافات الواضحة بين الجماعات والأماكن، لكنها لا تُفرط في التبسيط، وتترك كثيراً من الاحتمالات مفتوحة. ولكن ما العمل؟

وكيف يمكننا شطر الفرق بين إدراك أهمية الجغرافيا في صياغة التاريخ وخطر مغالاة الجماعات/ الأقليات في تأكيد هذه الحقيقة ذاتها؟

هذه القراءة تستكشف الانحدار الأخلاقي للولايات المتحدة الأميركية ولـ «إسرائيل» في العدوان على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة والتي تستعمل فيه الأسلحة كافة بما فيها توظيف بعض الجماعات للتخفيف من حجم الكذب في توصيف ما يجري في المنطقة. ولعلّ أهم تلك الجماعات هي الفصائل الكرديّة التي تتميّز بحيويتها وتنظيمها، وهي لذلك سيُزج بها في المعركة القائمة بين أميركا/ «إسرائيل» من جهة وإيران من جهة ثانية. هذا رغم أنَّ الكرد يدركون كمية الخيانات التي تعرّضوا لها من قبل أميركا والغرب عموماً؛ ولعل المثال الأمثل أمامنا، خيانة الوعود التي قطعت قوات «قسد»، وما تعرّض له أكراد سوريا من مجازر في حلب بأيدي إرهابيين يأتمرون بأوامر الاستخبارات التركية، في الوقت الذي كان فيه المبعوث الأميركي توم براك يصرّح قائلاً: “إنَّ الحاجة لوجود تنظيم قسد انتهت-20 -01 – 2026”.

ستعزِّز كارثة السنوات الماضية التي أصابت الكرد في سوريا والعراق وتركيا مقولة الواقعيين، بأن موروثات الجغرافيا، والتاريخ، والثقافة تفرض بالفعل حدوداً لما يمكن تحقيقه في أي مكان بعينه. ويمكننا هنا تأكيد أهمية «حدود الفعل» في إقليم كردستان، فقد تعلّمت القيادة الكردية من تجارب الماضي، وهي لذلك تعمل برئاسة السيد مسعود البرزاني بكثير من الحكمة السياسية التي جنبت في الماضي البعيد ويلات الحروب في «إقليمه».. كما ستجنب الآن «إقليمه» أي تداعيات للحرب الدائرة على تخوم كردستان والعراق عموماً. وكأن البرزاني ينظر إلى الحرب باعتبارها «كارثة طبيعية» وليست امتداداً طبيعيّاً للسياسة الخارجية لبلد ما ـ وهو وحده ما يقلّل من فرص وقوع الحرب. يريد البرزاني من ذلك تطبيق حكمة الباحث الألماني في العلوم السياسية والقانون، هانز ج. مورغنثاو: «قد يقول الفرد لنفسه… لتتحقق العدالة، حتى لو هلك العالم… لكن الدولة لا تملك الحق في أن تقول ذلك باسم الذين هم تحت رعايتها»، أي أن الكردي/ الفرد (أو الفصيل) لديه مسؤولية تجاه أحبائه وحدهم، وهم الذين سيغفرون له أخطاءه ما دامت نواياه جيدة. لكن الدولة/ الإقليم يجب أن تحمي رفاهية الملايين من الموجودين ضمن حدودها، والذين لن يكونوا متفهِّمين كثيراً في حالة تطبيق سياسة فاشلة. وبالتالي، يجب أن تكون الدولة أكثر دهاء بكثير من حركة الفرد.

على الواقعي أن ينظر إلى تاريخ المنطقة نفسها، كما يتَّضح من خلال خرائطيتها وكوكبات المجموعات الإثنية المكوِّنة له، وليس من منظور التعاليم «الأخلاقية» للديمقراطية الغربية، لمعرفة أي نوع من المستقبل ستكون المنطقة قادرة على تحقيقه بمجرد سقوط نظام من هنا ونظام من هناك، وقد رأت أشلي ج. تيليس، وهي باحثة بارزة في مؤسسة كارنيغي في واشنطن: “إن الواقعية غريبة عن التقاليد الأميركية؛ فهي غير أخلاقية عن عمد، حيث تركِّز على المصالح وليس على القيم”.

تتجه الأنظار نحو المشهد الإيراني بعد موجة التصعيد العسكري الأخيرة، في وقت يحذر فيه خبراء عسكريون من احتمالات تجاوز المواجهة حدودها الجوية لتدخل طور العمليات البرية المحدودة أو حتى الموسعة. وهناك العديد من السيناريوهات للتدخل العسكري البري في إيران، استناداً إلى قراءة تحليلية للقدرات الإيرانية الدفاعية والهجومية، وفلسفة طهران في «التصنيع العكسي»، والمخزون العسكري الذي يمكن أن يحوّل أي مواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، خصوصاً وأن طهران تدرك جيداً أن “القوة وحدها يمكن أن تحدَّ من القوة”.

وأمام هذه الأخبار ونفيها، تبدو الخريطة معقدة للعمليات البرية المحتملة في إيران، سيما وأن طهران تعتمد مبدأ “الدفاع المتدرج في العمق”، مستفيدة من تنوعها الجغرافي الفريد بين الجبال غرباً وشمالاً، والصحاري في الوسط، والسواحل الإستراتيجية على الخليج العربي وبحر عُمان. وهذا التنوع الجغرافي يحوّل أيّ تدخل برّي إلى مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر، حيث تطول خطوط الإمداد لأي قوة مهاجمة، ويتحول أي تقدم محتمل إلى استنزاف طويل الأمد. ولكن قد تكون هناك عمليات برية محدودة ونوعية، متزامنة مع ضربات جوية وصاروخية مكثفة.

يضاف إلى ذلك الحذر من سيناريو الاعتماد على مجموعات مسلحة تنتمي إلى إثنيات محددة داخل إيران، مثل الأكراد في الشمال أو العرب في خوزستان أو البلوش في الشرق، رغم ما قد يحققه من مكاسب تكتيكية محدودة كفتح جبهة داخلية تربك الانتشار العسكري، وتستنزف القوات الأمنية في مناطق طرفية، وخلق ضغط سياسي وإعلامي إضافي.

ويرجع أسباب التخوف من هذا السيناريو إلى أن مخاطره الاستراتيجية أعلى بكثير من المكاسب المحتملة، حيث قد يُنظر إلى الدعم الخارجي كمساس بالسيادة الوطنية، مما يؤدّي إلى تعبئة قومية أوسع وبما يعزز تماسك الدولة بدل إضعافها.

لم تكن الإشارات الأميركية ـ الإسرائيلية إلى تحرك الفصائل الكردية، الإيرانية والعراقية، للهجوم على القوات الإيرانية إلّا فخاً من فخاخ كثيرة أصيبوا بها سابقاً، وهو ما أكدته “غاريث ستانزفيلد”، أستاذة السياسة في الشرق الأوسط بجامعة إكستر في بريطانيا، إذ قالت “إن مجرد الإشارة إلى أنهم تلقوا دعماً أميركيّاً سيجعلهم هدفاً للنظام الإيراني”. وأكدت “ستانزفيلد”، سيواجه الأكراد الإيرانيون “نوعاً من الفخ”.

 من جهته حذر مسؤول أميركي (واشنطن بوست) من أن مدى التعاون الكردي مع الولايات المتحدة يبقى موضع تساؤل، بالنظر إلى تاريخ واشنطن الطويل في تجنيدهم لمساعدتها في صراعات متعددة ثم التخلّي عنهم.

وقالت صحيفة واشنطن بوست في تقرير مطول (5/3/2026) إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تواصل مع قادة الأكراد وعرض «غطاءً جويّاً واسعاً» لهم، ودعماً آخر للمجموعات الكردية الإيرانية المناهضة للنظام في محاولة للسيطرة على مناطق من غرب إيران. إلّا أن طهران نفت وجود أي تحرّك للفصائل الكردية من جهة الغرب، ودعمت هذا النفي عاصمة كردستان العراق «أربيل»، وفي حال حصل ذلك سيتعرض أكراد العراق لرد فعل انتقامي إيراني، حسبما أوضحت «فيكتوريا تايلور» مديرة برنامج الشرق الأوسط في مجلس الأطلسي. ونقل موقع أكسيوس عن مسؤول أميركي قوله إن مليشيات كردية إيرانية شنت هجوماً برياً شمال غربي إيران، قبل أن تنفي كل من طهران وأربيل ذلك. وكشف مصدر إيراني مطلع لـ«الجزيرة نت» عن «فشل ذريع لخطة «إسرائيل» التوسعية داخل الأراضي الإيرانية ومنطقة كردستان العراق”، مؤكدًا أن سلسلة من العمليات الاستخباراتية والعسكرية النوعية أحبطت المخطط بالكامل.

وكان قادة الأكراد العراقيون قد وقّعوا العام الماضي (2025) اتفاقاً مع طهران يعِدون فيه بحماية الجزء الذي يليهم من الحدود الإيرانية/العراقية ضد التوغلات الخارجية، كما أوضحت «واشنطن بوست»، وهذا تصرف حكيم يسلكه السيد البرزاني لإبعاد الكأس المرة عن «الإقليم»؛ فهو يدرك أن «الحاجة إلى حشد العواطف الشعبية لا يسعها إلا إضعاف عقلانية السياسة الخارجية نفسها». كما أكد في (4/3/2026) أن حكومته ستعمل على إبقاء الإقليم بعيًدا عن التوترات والأزمات في المنطقة، وفلسفته هذه للواقع تأتي تطبيقاً لفلسفة «بول ريكور»، بوصفه فيلسوفاً تأويليّاً، يرى في السياسة أنها ليست مجرد إدارة للقوّة، بل فنًّا في بناء المؤسسات العادلة التي تُحوّل الصراع إلى حوار، والحرب إلى ذاكرة تُفضي إلى سلام مستدام. وهي عملية تأويلية حيّة تجعل من السياسة مجالاً أخلاقيّاً يتجاوز الثنائيات الساذجة بين الواقعية السياسية الخالصة (كما عند مكيافيلي أو هوبز) والمثالية الطوباوية (كما عند كانط في سلام دائم)، لتصبح بدلاً من ذلك مساراً يمر عبر الاعتراف بالشر الفعلي نحو إعادة تشكيل الواقع على أساس الرغبة في الخير المشترك.

نظام مارديني

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق