العالم الآن

بحثٌ في تاريخ المعارضة السّوريّة

من لبنان 1976إلى انفجار 2011 إلى 8 كانون أول 2024

-1-

خلال أربعين عاماً، أعقبت حركة 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 التي أتت بالفريق حافظ الأسد إلى قمّة السلطة، مرّت المعارضة السورية بمرحلتين: ما بعد التدخّل العسكري السوري في لبنان (1 حزيران/ يونيو 1976)، والثانية مرحلة العهد الجديد التي أعقبت وفاة الرئيس حافظ الأسد في 10حزيران/ يونيو 2000.

في أعوام 1970 ــ 1976 لم تكن المعارضة الحزبية واضحة المعالم، وإن أظهرت «أحداث يوم المولد النبوي» في نيسان/ أبريل 1973 دخول قوى سياسية على خط الاحتجاجات التي جرت في مدينتي حماة واللاذقية ضد الدستور الذي تم تحويله بعد الاستفتاء عليه إلى حالة نافذة في 13 آذار/ مارس 1973، مثل جماعة «الإخوان المسلمين» و«الاتحاد الاشتراكي العربي» بقيادة الفريق محمد الجرَاح الذي كان في طريق آخر منذ عام 1968، مختلف عن خط «حزب الاتحاد الاشتراكي العربي» بزعامة الدكتور جمال الأتاسي، الذي كان متحالفاً مع السلطة تحت مظلة «الجبهة الوطنية التقدمية» التي أُعلن عن قيامها في 7 آذار/ مارس 1972.

كان هناك تنظيمات سياسية بعثية مناوئة للنظام، مثل «تنظيم 23 شباط» الموالي للقيادة البعثية التي أطاحت بها حركة 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970، أو ذلك التنظيم الذي ظل يتبع منذ 23 شباط/ فبراير 1966 القيادة القومية لـ«حزب البعث العربي الاشتراكي»، التي أطاح بها «القطريون» بزعامة اللواء صلاح جديد في ذلك اليوم، ولكن من دون أن تتخطّى – تلكما المعارضتان البعثيتان – حدود الفعل التنظيمي المدني/ العسكري من أجل استعادة السلطة إلى فعلٍ اجتماعيٍ واسع أو إلى التفكير بإطار تحالفي مع القوى الأخرى، في الوقت الذي احتفظ فيه التنظيمان المذكوران بعداء مزمن تجاه بعضهما البعض حتى وهما يعارضان نظام ما بعد 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970.

في 1 حزيران/ يونيو 1976، وُجد هناك إجماع عند كل القوى السياسية السورية المعارضة، المذكورة أعلاه، على معارضة الدخول العسكري السوري إلى لبنان، الذي أدّى إلى صدام بين القوات السورية والقوات المشتركة لمنظمة التحرير الفلسطينية واليسار اللبناني، والتي كانت داخلة في صدامات عسكرية، منذ 13 نيسان/ أبريل 1975، مع قوات اليمين اللبناني (“الكتائب” و”الأحرار”).

ولكن، ما أعطى مناسبة الدخول السوري إلى لبنان طابعاً انعطافياً في تاريخ المعارضة السورية لنظام الرئيس حافظ الأسد، لم يكن ذلك فقط، وإنما أيضاً وأساساً دخول قوتين جديدتين، هما «حزب الاتحاد الاشتراكي العربي» و«الحزب الشيوعي – المكتب السياسي»، إلى خط المعارضة الجذرية للنظام منذ ذلك الشهر، بعد أن ظلتا تنوسان بين الاقتراب والابتعاد عن النظام منذ خروج الأوّل من «الجبهة» في أيار/مايو 1973، والثاني – أيضاً منها – في كانون الثاني/ يناير 1976، ليشكل هذان الحزبان، مع «الإخوان المسلمين»، عصب المعارضة السورية لربع قرن لاحق حتى وفاة الرئيس حافظ الأسد، وأحد محوري الاستقطاب السوري المعارض مع تأسيس «التجمع الوطني الديموقراطي» في كانون الأول/ديسمبر 1979، الذي ضم إضافة إليهما: «حزب العمال الثوري العربي» الذي أسسه ياسين الحافظ في عام 1965، و«حركة الاشتراكيين العرب» بزعامة أكرم الحوراني، و”تنظيم 23 شباط”.

فيما كان «الإخوان المسلمون» محور الاستقطاب المعارض الآخر، سواء لوحدهم أو من دخل معهم في تكتلاتٍ سياسيةٍ معارضة كان «الإخوان» عصبها السياسي، مثل «التحالف الوطني لتحرير سورية» عام 1982، مع محمد الجرَاح وبعث العراق (تنظيم القيادة القومية) أو «جبهة الإنقاذ» في عام 1989، مع نفس القوى، ولكن مع إضافة شخصيات مستقلة.

هنا، في شهر آب/ أغسطس 1976، تأسَّس تنظيم سياسي جديد معارض، هو «رابطة العمل الشيوعي» قبل أن يتحوَّل في آب 1981 إلى «حزب العمل الشيوعي»، ولكنه ظلّ خارج سرب هذين المحورين للمعارضة رغم محاولاته لمرّتين، في 1980و 1990، الدخول إلى «التجمع». ولم يتم انضواؤه في التكتلات المعارضة إلا مع تأسيس «إعلان دمشق» في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، الذي كان عملياً حصيلة اجتماع «التجمع» و«الإخوان»، هذا الدخول الذي حصل بعد ثلاثة أيام من تأسيس «الإعلان»، قبل أن ينضوي «العمل» في صفوف «التجمع» في حزيران/ يونيو 2007.

خلال مدة حكم الرئيس حافظ الأسد، كانت المعارضة السورية تبني سياساتها عبر طرح برامج، مثل برنامج لـ«التغيير الوطني الديموقراطي الجذري» الذي طرحه «التجمع» في بيان 18آذار/ مارس 1980، في ذروة أحداث 1979-1982. وهو ما تبعه «الإخوان المسلمون» بتقديم ورقة في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1980، سمّوها بـ«بيان الثورة الإسلامية في سورية ومنهاجها» يمكن توصيفه في كلمة موجزة بأنه «منهاج ليبرالي يقترب كثيراً من مناهج الأحزاب القومية واليسارية المعارضة» (1). ولكن كان الاختلاف يومها بين محوري المعارضة السورية يأتي من الموقف تجاه أسلوب «العنف المسلح» الذي لجأ إليه «الإخوان»، وأيضاً تجاه الدخول في استقطابات إقليمية جعلت «الإخوان» على خط بغداد ــ عمان آنذاك.

كذلك، كان للمعارضة السورية -بمحوريها- مواقف متقاربة، إن لم تكن مشتركة، في محطات مفصلية افترقت فيها عن مواقف النظام، حيال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) والاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982) وأزمة وحرب الكويت (1990-1991) وتسوية مؤتمر مدريد (1991).
يمكن هنا، أن تكون النبرة الجذرية التغييرية قد افترقت عند «التجمع» في التسعينيات عمّا هي عند «الإخوان»، عندما اتجه، بتأثير المرحوم جمال الأتاسي، وقيادة ما بعد ضربتي اعتقالات 1980و1987 لـ«الحزب الشيوعي ــ المكتب السياسي»، نحو «سياسة إصلاحية» للوضع السوري، بدءاً من الرسالة الداخلية المؤرخة في شهر كانون الأول/ ديسمبر 1989، الموجهة من قيادة «التجمع» إلى كوادر وقواعد الأحزاب المنضوية فيه، وإلى سجنائه في السجون المختلفة.

وهذا ما كان يمكن تلمّسه في الأعداد الصادرة لجريدة التجمع: «الموقف الديموقراطي»، طوال عقد التسعينيات، بدءاً من العدد الأول في أوائل شباط/ فبراير 1991. ومن الممكن، في هذا الصدد، أن يكون التقاء «التجمع» و«الإخوان» في «إعلان دمشق» بالغ الدلالة، هذا الموقف الذي انبنى على عودة إلى «سياسةٍ تغييريةٍ» وليس «إصلاحيةٍ» في لحظة سياسية أوحت فيها «أزمة ميليس» لغالبية المعارضين السوريين، في مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14شباط/ فبراير 2005، بإمكانية توافر أجواء دولية ملائمة لإحداث تغيير في دمشق.
في مرحلة ما بعد 10 حزيران/ يونيو 2000، يوم وفاة الرئيس حافظ الأسد، انضمت قوى جديدة للمعارضة السورية، مثل «لجان احياء المجتمع المدني»، التي أتت أساساً من مثقفين مستقلين، وأيضاً دخلت الأحزاب الكردية للنادي المعارض في يوم 12 آذار 2004 مع انتفاضة الكرد في القامشلي بعد إرهاصات عندها باتجاه ذلك استغرقت ثلاث سنوات.

في العالم الشفوي للمعارضة السورية، كان الأستاذ رياض الترك، ومنذ أيام «بيان الألف» الصادر في الأسبوع الثاني من كانون الثاني 2001، ينظر إلى حركة المعارضة عند المثقفين باعتبارها ليست أكثر من كونها «سلاحاً للهندسة» لمعرفة نوعية الألغام والعوائق التي سيضعها النظام أمام حركة المعارضة الحزبية، التي كان من يومها يفكر (والحقيقة منذ خروجه في 30 أيار 1998 من السجن) في تجاوز إطار «التجمع الوطني الديموقراطي» نحو تحالف حزبي عريض يضم جماعة «الإخوان المسلمين» أيضاً.

اتجه «التجمع» و«الإخوان» نحو سياسة اعتدالية تجاه العهد الجديد، بعد تولي بشار الأسد لرئاسة الجمهورية، واجتمعا عليها، وربما كانت نبرة المراقب العام لجماعة «الإخوان المسلمين» السيد علي البيانوني أكثر اعتدالاً من كثير من قيادات أحزاب «التجمع» في سنوات 2000-2002، بعد أن اجتمع طرفا ومحورا المعارضة السورية على انتظارية ترقبية لما سينبثق عن «إصلاحية القصر»، التي فسرت عبرها افتتاحية العدد الرابع (تشرين الأول/ أكتوبر 2001)، من نشرة «الرأي»، الناطقة باسم قيادة «الحزب الشيوعي ــ المكتب السياسي»، اعتقالات أيلول/ سبتمبر 2001، والتي طالت الأمين الأول للحزب رياض الترك، بالعبارات الآتية: “سعت القوى الرجعية النافذة عبر الاعتقالات الأخيرة إلى… كسب جولة جديدة في التنازع على السلطة… خشية أن يغادر إصلاحيو هذا العهد الأطر الضيقة للمطبخ الحكومي والأمني… وكان الرهان الخبيث لهذا الهجوم المحافظ هو أن تنقلب إصلاحية القصر على ذاتها فتفقد مرتكزاتها وصدقيتها”.

لم تكن هذه السياسات المعارضة مبنية على رؤية برنامجية، تغييرية أو إصلاحية، كما حصل في العهد السابق عندما بنيت السياسات البرنامجية على توازنات كانت تعلو السياسات أو تنخفض بموجبها، وإنما عبر «بناء السياسات بدلالة الآخر»، إذ قامت عملية رسم السياسة على مراهنات على «آخر» كان في أعوام 2000 ــ 2002، هو «إصلاحية القصر»، التي افترض، وتم الاقتناع، بأنها في مواجهة ما سمّي في النصوص السورية المعارضة بـ«التيار المحافظ»، ثم أصبح هذا «الآخر»، عند معظم الجهات التي راهنت على «إصلاحية القصر» في العهد الجديد، في مرحلة ما بعد سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي، في 9 نيسان/ أبريل 2003.

وهو ما سمّاه الأستاذ رياض الترك في جلسات داخلية جرت في الغرف المغلقة لـ«الحزب الشيوعي ــ المكتب السياسي» بـ«رياح غربية ستهب على دمشق وعلينا أن نلاقيها ببرنامج سياسي مناسب»، بعد عودته من جولة على القارتين الأوروبية والأميركية في الشهر الأخير من عام 2003، ومنها اجتماع مع مسؤولين في الإدارة الأميركية في واشنطن بعد أن دخل للولايات المتحدة سرّاً من الحدود الكندية. وهي جولة كان قد استبقها بمقابلة في جريدة «النهار» (28 أيلول/ سبتمبر 2003)، أطلق فيها نظرية «الصفر الاستعماري» التي اعتبر فيها أن الأميركان قد نقلوا للأعلى “المجتمع العراقي من الناقص إلى الصفر”.

كان الرهان على هذا الآخر، الممثل في «الرياح الغربية»، مبنياً على دخول العلاقات الأميركية ــ السورية في مرحلة الصدام منذ زيارة وزير الخارجية كولن باول إلى دمشق عقب ثلاثة أسابيع من سقوط بغداد في يوم 9 نيسان 2003، وهو تحول مفصلي أنهى مرحلة تعاون بين واشنطن ودمشق كانت محطتها الأولى الدخول العسكري السوري إلى لبنان في عام 1976.

لهذا، كان تشكيل «إعلان دمشق»، المعلن في لحظة ذروة من التوتر الأميركي ــ السوري، الذي كان مسرحه لبنان منذ يوم 2 أيلول 2004 مع صدور القرار 1559، مبنياً، وهو البادئ كنص بعبارة «عملية التغيير قد بدأت»، على رؤية عبّر عنها قبل أيام من إعلان «الإعلان» أحد قيادات جماعة «الإخوان»، وهو الطاهر إبراهيم (2)، بأن «هذا النظام قد انتهت صلاحيته» بالترافق مع عبارة أخرى في مقاله تقول إن «ما تريده أميركا قد يتقاطع في مرحلة ما مع مصلحة الشعب السوري». وهو ما كان قد سبقه الأستاذ الترك بالقول: «هذا النظام انتهت صلاحيته. هذا النظام يحتضر… هناك صراع بدأ يستعر بين الأميركيين وسورية… وهذا يفسر لماذا أقول دائماً إن الأميركيين قادمون. دعهم يطيحون هذا النظام (3)”.

قبل يومين من «إعلان دمشق»، نشرت جريدة «السفير» (14 تشرين الأول/ أكتوبر 2005)، تصريحاً لجولييت وور، مديرة الشؤون العامة في السفارة الأميركية ببيروت، قالت فيه الآتي: «الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في سورية، بل إلى تغيير تصرفاته». من هنا، لم تحصد مراهنات «إعلان دمشق» على تغيير في العاصمة السورية، المبنية فرضياته على تلازم «انتهاء صلاحية النظام» بصدام واشنطن ودمشق، سوى الخيبة عند أصحاب تلك المراهنات من المعارضين السوريين.

وعملياً، فإنّ إصرار هؤلاء على استمرار مراهناتهم تلك، حتى بعد تغيير موازين إقليم الشرق الأوسط لغير مصلحة واشنطن إثر حرب صيف 2006، قد أدّى إلى انفجار «إعلان دمشق» أثناء انعقاد مجلسه في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2007، وهو ما أدّى إلى خروج «حزب الاتحاد الاشتراكي» و«حزب العمل الشيوعي»، والبدء منذ الشهر الأول لعام 2008 وحتى شهر تموز/ يوليو 2010، في محادثات بين هذين الحزبين، وبمشاركة «تجمع اليسار الماركسي – تيم» (تأسّس في 20 نيسان/ أبريل 2007)، وأحزاب كردية وشخصيات مستقلة، لتكوين «خط ثالث» (يختلف عن خطي السلطة و«إعلان دمشق»)، لم تثمر في ولادة هذا المولود (الخط الثالث) في عام 2010، ولكن شكّلت جنيناً لولادة «هيئة التنسيق» في 25 حزيران/ يونيو 2011، من نفس تلك القوى مع تنويعات جديدة حزبية أو مستقلة، وإرهاصاً للتباينات بين «الهيئة» و«المجلس الوطني» في عامَي2011 و 2012.

كان 1 كانون الأول/ ديسمبر 2007، بداية لانشقاق المعارضة السورية إلى خطين: «الخط الثالث» من جهة، و«إعلان دمشق» و«الإخوان المسلمون» من جهة ثانية، رغم افتراق «الإعلان» و«الإخوان» منذ عام 2006 وحتى 18 آذار/ مارس 2011 يوم بدء الانفجار السوري من مدينة درعا، نتيجة ذهاب «الإخوان» للتحالف مع السيد عبد الحليم خدام في «جبهة الخلاص» وافتراقها عنه وعن باقي المعارضين بعد 7 كانون الثاني/ يناير 2009، وافتراقها عنه عبر «تعليق أنشطتها المعارضة» في مدة حرب غزة الأولى.

ربما كانت خطوة الإسلاميين السوريين الأخيرة عام 2009 حصيلة قراءة للتوازنات الإقليمية التي خرج عبرها النظام السوري قوياً بين عامَي 2007 ونهاية 2010، وهو ما دفع إدارة أوباما في عام 2009 لبدء انفتاح على دمشق حاول الأستاذ رياض الترك أن يبني أيضاً سياساته بدلالته عندما قال في تصريح (نشره الموقع الرسمي لـ«إعلان دمشق») بأن «جهود الولايات المتحدة لتحسين الروابط مع دمشق ربما تخدم الإصلاح الديموقراطي… إصلاح العلاقات بين البلدين سيُصعب على دمشق سحق المعارضة… أعتقد أن الانفراج سيضغط أيضاً على سوريا لكي تغير سياساتها.”

هذا نهج لم يكن مفاجئاً، بل كانت إرهاصاته في بيان صدر في 5 أيلول/ سبتمبر 2008، عن الأمانة العامة لـ«إعلان دمشق» (نشر في موقع «كلنا شركاء» بتحديث يوم 6 أيلول/سبتمبر 2008)، بالتزامن مع زيارة ساركوزي لدمشق، يعطي سياسة مغايرة عن نبرة 2005 حول «انتهاء الصلاحية»، عندما أعلن بأن «إعلان دمشق… لم يكن في نهجه وليس من أهدافه تعزيز عزلة النظام ومحاصرته، بل إن مشروعه الديموقراطي يركز أساساً على الدفع نحو انفتاح النظام على الشعب السوري قبل أو بالتزامن مع انفتاحه المطلوب على العرب والعالم»، قبل أن ينطلق البيان إلى رفض الطروحات «التي تدعو إلى خيار استعادة الجولان بالقوة فقط» ويصفها بأنها «طروحات تصوغها الكيدية والمزايدة والهروب»، ومعلناً تأييده للمفاوضات السورية ــ الإسرائيلية غير المباشرة برعاية تركية ــ فرنسية في إسطنبول، منطلقاً من أن “خيار السلام والحالة هذه يبقى خياراً صائباً على الدوام ما دامت خياراته متوافرة”.

ثم يصل البيان إلى القول إن «إعلان دمشق… يعلن أن واجبه الوطني يحتم عليه موقفاً إيجابياً من التطورات المستجدة في سوريا والمنطقة». وهو ما كان الدكتور برهان غليون (في مقال بعنوان «مستقبل المعارضة السورية»، جريدة «الاتحاد»، 19\12\2007) قد استبقه عندما دعا إلى النزول من «شجرة التغيير الفوري» بعد أن «تبلورت فكرة تكتل إعلان دمشق في مدة ازدادت فيها الآمال باحتمال حدوث تطور دراماتيكي على الأحداث نتيجة تبدل الإستراتيجية الأميركية في المنطقة»، وذلك للتكيف “مع إستراتيجية طويلة المدى تأخذ في الحسبان حاجات بناء قوى التغيير الديموقراطي ولا تعيش على أوهام الضغوط الخارجية أو تركن إليها”.

ولكن من دون أن يذكر الدكتور غليون بأنه، ومع تغير سياسة شيراك أواخر عام 2003 في المنطقة واتجاهه إلى التقارب مع واشنطن إثر خصام مرير له مع بوش الابن في أيام غزو العراق، كان أول من زرع منذ نهاية عام 2003 عند المعارضة السورية فكرة «انتهاء صلاحية النظام السوري» لمّا أصدر حكماً قاطعاً بأن “النظام السوري، مثله مثل جميع الأنظمة الشمولية التي عرفتها الكرة الأرضية في القرن العشرين، قد فقد جميع شروط بقائه التاريخية وفي مقدّمتها ظروف الاستقطاب الدولي… وهو اليوم في طريق مسدود دائماً (4)”.
لم تتحقق هذه المراهنات في مجرى عامَي 2009 و2010، تماماً مثلما حصل لمراهنات «إعلان دمشق» في عامَي 2005 و2006.

-2-

اندلعت الاحتجاجات بعد صلاة يوم الجمعة 18آذار /مارس 2011، في مدينة درعا. وكان عود ثقابها طريقة تعامل رئيس فرع الأمن السياسي مع مطالب الأهالي بإطلاق سراح أطفال اعتقلوا قبل أيام بسبب كتابتهم لشعارات على حيطان مدارسهم. ثم انتقلت الاحتجاجات منذ يوم الجمعة التالي إلى مدينة اللاذقية، ولتنتقل خلال نيسان إلى ريف دمشق ومدينة حمص، وفي أيار إلى ريف إدلب وبلداتها، وفي حزيران /يونيو إلى مدينة حماة (3حزيران /يونيو) وريفها السُني وإلى مدينة دير الزور وبلداتها، مع سكون احتجاجي في مدينة حلب ومثيل له في مدينة دمشق ولو مع بعض الحوادث الصغيرة المتفرقة في المدينتين الكبيرتين خلال مجرى حراك عام 2011.

كان من الواضح، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحركة الاحتجاجية السورية، أنها شرارات أشعلت أزمة عامة في البلد تطال مجمل البنية السياسية-الاقتصادية-الاجتماعية-الإدارية-الثقافية لنظام سلطة «البعث» القائمة منذ 8 آذار/ مارس 1963، والتي أهال الحل الأمني المنتصر للسلطة في مدينة حماة في شهر شباط /فبراير 1982 الكثير من التراب فوقها لتسعة وعشرين عاماً اللاحقة، ولتنفجر في عام 2011 ولو مع حمولات جديدة كان من أبرزها (وبخلاف انفجار 1979-1982، الذي كان حراكاً لفئات مدينية وسطى في مدن حلب وحماة واللاذقية وبعض بلدات محافظة إدلب)، متركزة في أطراف ريفية سنية (أرياف حوران ودمشق وحمص وحماة وإدلب ودير الزور) وفي مدن مهمشة اقتصادياً (درعا ودير الزور وإدلب) أو تضررت اقتصادياً (حمص) أو مدن يعاني سكانها من التهميش في الوظائف (سُنّة مدينة اللاذقية)، أو لها جروح قديمة لم تندمل أو تعالج بعد (حماة).

لم تعترف السلطة، خلال المئة يوم الأولى من الاحتجاجات، بوجود أزمة عامة في البلد، وقد كان خطاب بشار الأسد في 30 آذار/مارس بزبدته مبنياً على أن هناك «مؤامرة خارجية» تستخدم فيها كحطب «مشكلات فرعية» و«أخطاء» و«ثغرات» في بناء السلطة وممارساتها، قبل أن تنتقل إلى الحل الأمني-العسكري الذي بدأ بتدخل الجيش في مدينة درعا، ومجمل منطقة حوران، في 25 نيسان/أبريل 2011، في إعلان من السلطة عن نهج في معالجة الأزمة السورية لم تحد عنه في الفترات اللاحقة.

في 13 نيسان / أبريل، صيغت وثيقة تحت اسم «بيان إلى الرأي العام» من قبل «القيادة المركزية للتجمع الوطني الديموقراطي» (يضم وقتها أحزاب: الاتحاد الاشتراكي، والشعب، والعمال الثوري العربي، والعمل الشيوعي، وحركة الاشتراكيين العرب)، ظلت في نطاق التداول اليدوي، تؤكد على أنه «قد تُطرح قضية الحوار السياسي بين السلطة والمعارضة» لتنطلق للتأكيد على قناعة «التجمع» بـ “مبدأ الحوار…لمناقشة وحل الأزمات التي تعاني منها سورية، بغض النظر عن النوايا الخلفية للسلطة في هذا الشأن”.

ثم لتصل إلى أن «لكل حوار بيئة يجري فيها». و«هنا يصبح من المطلوب من النظام إرسال عدد من الرسائل الإيجابية لتأكيد صدقيته في اختيار مبدأ الحوار، ولعل أهمها في هذه اللحظة السياسية: محاسبة المسؤولين عن ممارسة العنف والقتل ضد المتظاهرين، إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وقف الحملة الإعلامية المغرضة ضد الاحتجاجات والمعارضين، وقف العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية، والاعتراف العلني بوجود معارضة سورية وبحقها في العمل الحر». ومن “دون هذه المؤشرات لن تخلق بيئة صحية للحوار، وستزداد القناعة بأن دعوة الحوار لا تخدم إلا خروج النظام من أزمته، والإيحاء للداخل السوري والخارج بأنه يسير في طريق الإصلاح”.

وقد جرى في الوثيقة تحديد للمواضيع التي يمكن بعد تشكيل «بيئة الحوار» التطرق لها كموضوعات للحوار: “الدستور السوري وضرورة إجراء تغيير دستوري يطال المادة الثامنة-النظام الانتخابي-آليات تداول السلطة-الفصل بين السلطات-توصيف الحالة الحزبية-مهام رئيس الجمهورية-وظائف الجهاز التنفيذي-مسألة الأقليات القومية”. (5)

بالتوازي مع هذا، أكدت جماعة «الإخوان المسلمين» أن “فتح أبواب الوطن أمام أجيال المهجرين على خلفيات سياسية، والإلغاء المباشر للقانون 49\1980 وآثاره وتداعياته، وإغلاق جميع الملفات الأمنية السابقة.. هي خطوة ينبغي أن تكون سابقة لكل وعود الإصلاح المرسل…إن مثل هذه الإجراءات العاجلة، ستعطي الوعد بالإصلاح مصداقيته وجديته، وستوفر المناخ الوطني للحوار البنّاء، الذي نعلن إيماننا به وحرصنا عليه” (6)

هنا، وفي خطوة هي قبل بدء الأحداث السورية، ومع توقع انفجار سوري على غرار تونس ومصر وليبيا، أطلقت الأمانة العامة لـ«إعلان دمشق» في 25 شباط / فبراير (نشره موقع «كلنا شركاء») نداء طلبت فيه من “السلطة السياسية المسئولة عن حكم البلاد تحمل مسؤولياتها الوطنية في هذه الظروف الدقيقة، واتخاذ موقف جريء وحكيم من قضية التغيير الوطني الديمقراطي المطروحة على جدول أعمال بلادنا، والتي يمكن أن تجد طريقها إلى المعالجة والحل عبر حوار وطني شامل، بين جميع القوى والأحزاب والفعاليات اقتصادية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني، يرسم معالم هذا الطريق، والجدول الزمني لتحقيقه، ومهمات كل جهة لوضعه موضع التنفيذ”.

الجديد في نداء 25 شباط/فبراير هو دعوة “جميع قوى المعارضة… على أمل اللقاء في لجنة وطنية للتنسيق من أجل التغيير، تنسق المواقف، وتخطط للنشاطات وتديرها، فوحدة قوى التغيير أولى الوسائل الضرورية لتحقيقه”.

بعد شهرين من بدء الأزمة السورية، انتقل «إعلان دمشق» (بيان في 15أيار/مايو 2011) درجة أعلى نحو الاقتراب من سياسة جديدة: «الحديث عن الحوار في ظل إصرار النظام على خياره الأمني يعتبر موقفاً خاطئاً…كما أنه نوع من الانتحار السياسي لا ننصح بالانجرار إليه قبل أن تتهيأ البيئة الطبيعية لحوار سياسي صحي ومنتج، يخرج سورية من أزمتها، ولعل في مقدمة ذلك: 1-أن يعترف النظام بشكل صريح بأن سورية تعاني أزمة سياسية وبنيوية عميقة… 2-سحب الجيش والقوى الأمنية من الشوارع… 3-ضمان حرية التظاهر… 4-الدعوة إلى مؤتمر عام للحوار الوطني، لا يستبعد أحداً… وفقاً لبرنامج واضح ومحدد الآليات والمنطلقات، وفي مناخ حر وآمن”.

في 9 أيار / مايو 2011 وزعت في العالم السري للمعارضة السورية وثيقة لمشروع من أجل توحيد المعارضة تحت عنوان: «نحو ائتلاف عام للتغيير الوطني الديمقراطي»، وكان توزيع الأوراق على أربع تحالفات (التجمع الوطني الديمقراطي-إعلان دمشق-تجمع اليسار الماركسي «تيم»-المجلس السياسي الكردي/9 أحزاب: تأسس في 30 كانون أول 2009) وعلى أحزاب مثل «حزب الاتحاد الديمقراطي» -(PYD) و«المنظمة الأشورية الديمقراطية» وعلى 35 شخصية من الشخصيات العامة. وقد جرى التوزيع بحيث يكون للحزبيين والتحالفات 37 ممثلاً.

شارك في صياغة مشروع الوثيقة معارضون من الداخل والخارج. ظلت المفاوضات قائمة ومستمرة حتى مساء يوم الخميس 23 حزيران عندما أعلن «حزب الشعب الديمقراطي» و«الأمانة العامة لإعلان دمشق» عدم مشاركتهم بالاجتماع المقرر لاعتراضهم على مشاركة «تيم»، وشاركهم في الامتناع عن الحضور نصف المدعوين من المستقلين.

ثم ليحصل الاجتماع المذكور في يوم السبت 25 حزيران بناء على تلك الورقة، ولكن مع تعديلات، ولينبثق عنه «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديمقراطي في سورية»، التي وقعت على وثيقتها التأسيسية أحزاب من «التجمع» هي: «الاتحاد الاشتراكي» و«حركة الاشتراكيين العرب» فيما انقسمت قيادة «حزب العمال الثوري» بين موقعين (حازم نهار وطارق أبو الحسن) وغير موقعين ظلوا في «إعلان دمشق» (عبد الحفيظ حافظ وسليمان شمَر).

كما وقعَت كل أحزاب ومنظمات «تجمع اليسار الماركسي»-(تيم): حزب العمل الشيوعي-الحزب الشيوعي/المكتب السياسي-هيئة الشيوعيين-الحزب اليساري الكردي-التجمع الماركسي الديمقراطي (تمد) وحزب «PYD» (هو حزب غير قومي يقول بمفهوم الأمة الديمقراطية التي تضم قوميات متعددة في وطن جغرافي مشترك) وثلاثة أحزاب كردية هي: البارتي (نصر الدين إبراهيم)-يكيتي الكردي- الحزب الديمقراطي الكردي السوري (جمال ملا محمود)، فيما لم توقع خمسة أحزاب كردية شاركت في الاجتماع المذكور أيضاً، بينما وقعت ثلاثون من الشخصيات العربية والكردية المستقلة التي كانت حاضرة في ذلك الاجتماع التأسيسي للهيئة.

في الأسبوع الأول من أيلول2011 جرت محادثات في الدوحة بين «هيئة التنسيق» و«إعلان دمشق» و«الاخوان المسلمين»، من أجل تشكيل تحالف عريض للمعارضة. بعد أن أتى أعضاء «الهيئة» المشاركين بلقاء الدوحة، جرى تضمين شروط مضادة عليها من قبل المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق في اجتماع يوم الأحد 11 أيلول/سبتمبر، تطلب إضافات على النص لم يكن يتضمنها: «رفض التدخل العسكري الخارجي-لا للعنف من قبل النظام أو أي جهة أخرى مهما كانت خارجية أو داخلية-لا للصراع والشحن الطائفي والمذهبي-تضمين البيان اعترافاً بالوجود القومي الكردي وإيجاد حل عادل للقضية الكردية).

وافقت الأمانة العامة لـ«إعلان دمشق» في يوم الإثنين 12 أيلول/سبتمبر (كان مقرراً لو جرى الاتفاق على النص الإعلان عن قيام التحالف يوم الأربعاء من دمشق) على تضمين النص المطالب الثلاثة الأخيرة للهيئة من دون طلب «رفض التدخل العسكري الخارجي» فيما رفضت جماعة «الإخوان المسلمين» الطلبات الأربعة، وهو ما أدى إلى فشل المحاولة الثانية لتوحيد المعارضة، وليتجه بعدها «الإعلان» و«الإخوان»، مع مستقلين مثل الدكتور برهان غليون الذي كان نائباً للمنسق العامة للهيئة والذي اجتمع «الإعلان» و«الهيئة» في الدوحة على رفض أن يكون رئيس الإئتلاف من الخارج، إلى تشكيل «المجلس الوطني السوري» الذي أعلن عن قيامه في إسطنبول يوم الأحد 2 تشرين أول/أكتوبر 2011.

وهو ما كرّس انشقاق المعارضة السورية بين قطبي «المجلس» و«الهيئة»، الأمر الذي شجّع الأكراد على عقد «المؤتمر الوطني الكردي» في القامشلي يوم 26 تشرين أول/أكتوبر، والذي انبثق عنه «المجلس الوطني الكردي» وضم الأحزاب الكردية الموجودة في «الهيئة» و«إعلان دمشق»، فيما لم يشارك «PYD» في لقاء القامشلي، قبل أن يقرر المكتب التنفيذي لـ«المجلس الوطني الكردي» في كانون ثاني/يناير 2012 (7) تعليق عضوية أحزابه في «المجلس» و«إعلان دمشق» و«الهيئة» نتيجة رفض هذه الأطر الطلبات المتضمنة في البيان الختامي للقاء القامشلي حول «حق تقرير المصير ضمن وحدة البلاد» و”اللامركزية السياسية”.

بتكثيف مجمل: في محادثات الدوحة في أيلول 2011 كان الفشل في توحيد المعارضة السورية لأسباب ليست هي نفسها التي أدت إلى فشل محادثات توحيد المعارضة السورية بدمشق على أساس وثيقة 9 أيار 2011. كانت هناك القطيعة التركية مع النظام السوري عقب فشل زيارة وزير الخارجية أحمد داود أوغلو لدمشق في الأسبوع الأول من آب، ثم مطالبة أوباما لأول مرة للرئيس السوري بالتنحي في 18 آب.

كان موقف واشنطن الجديد، وخاصة بترافقه مع سقوط نظام القذافي في 23 آب، قد شجع «إعلان دمشق»، و«الإخوان المسلمين» الوثيقي الصلة بحزب أردوغان، على المراهنة على تكرار سوري للسيناريو الليبي، وهو ما جعل محادثات الدوحة تتحطم على صخرة «موضوع التدخل العسكري الخارجي»، فيما اصطدمت محادثات «وثيقة 9 أيار» بالتعارض بين النفسين، الإصلاحي الذي كان لا يزال موجوداً عند «الإخوان» أيضاً بتشجيع من إردوغان، صديق دمشق حتى آنذاك، والتغييري عند “إعلان دمشق”.

كانت سياسة أوباما الجديدة تجاه دمشق، بالترافق مع التصعيد التركي تجاه النظام السوري، مظلة لتصعيد معارض عند «الإخوان» و«إعلان دمشق» نحو المراهنة على تدخل عسكري خارجي بدأت تترافق فيه في التظاهرات شعارات «إسقاط النظام» و«الحماية الدولية» مع شعارات تدعو لتدخل عسكري خارجي. ومن دون هذا لا يمكن تفسير نشوء «المجلس الوطني السوري» في إسطنبول يوم 2 تشرين أول 2011، حيث كان واضحاً أن إردوغان هو رأس حربة أوباما في سوريا كما كان ساركوزي في ليبيا، وحيث رهان أصحاب ذلك المجلس على أن يكون تكراراً سورياً لمجلس مصطفى عبد الجليل في ليبيا.

كان قيام «المجلس الوطني السوري» في يوم الأحد 2 تشرين أول/أكتوبر 2011، انعطافياً في تاريخ المعارضة لما بعد مرحلة 18 آذار/مارس 2011، كونه عبّر، إضافة لتمثيله الواسع داخلياً وبالذات من خلال إسلامييه للشارع المتحرك، عن بداية اكتساب المعارضة السورية لأبعاد إقليمية ودولية، وخاصة من خلال بعديه التركي والفرنسي. كما أنه كان أول تجربة سورية معارضة تتناغم وينبني مشروعها على (وبخلاف ما توهم بعض المعارضين أن الأمر كذلك في عام 2005 عند تأسيس «إعلان دمشق» في أثناء الأزمة الأميركية–السورية ما بعد اغتيال رفيق الحريري) ميلان الأجواء الدولية باتجاه تغيير «ما» في بنية السلطة السورية.

وهو ما كان واضحاً منذ يوم 18 آب 2011 مع دعوة أوباما الرئيس السوري «للتنحي» لأول مرة منذ بدء الحراك السوري. وربما كان هو السبب في تفشيل الإسلاميين لمحادثات الدوحة من أجل توحيد المعارضة السورية، من خلال حسابات عندهم بأن «هيئة التنسيق» تميل إلى حوار «ما» مع السلطة للوصول بعد «إسقاط النظام الاستبدادي الأمني» إلى تسوية مع الجهاز السياسي للنظام، كما أوحى لاحقاً «مؤتمر حلبون لهيئة التنسيق الوطنية» في يوم 17 أيلول 2011، وربما أكثر إلى حسابات عندهم بأن من الممكن ما دامت الرياح هكذا أن يكونوا هم القوة الأكثر قوة في إحداث التغيير من دون الحاجة إلى تحالف عريض وشامل.

في يوم 4 تشرين أول/أكتوبر 2011، أجاب الفيتو الروسي–الصيني على إمكانية تحقيق ذلك عبر الأمم المتحدة، كما جرى سابقاً في الشهر الثالث من عام 2011 تجاه ليبيا عندما امتنعت روسيا عن التصويت، وربما أسدل ما جرى في قاعة مجلس الأمن بنيويورك ستاراً على فصل ظنّ المبادرون إلى إنشاء «المجلس الوطني السوري» أنه قد بدأ في يوم 18آب / أغسطس 2011، مع تصريح أوباما حول “انتهاء شرعية النظام السوري”.

هنا، ربما كان تصريح المراقب العام لـ«الإخوان» رياض الشقفة في إسطنبول يوم 18 تشرين ثاني/نوفمبر، حول طلب «تدخل تركي عسكري» (www.kharej-alserb.com\archives\3705 تحديث يوم 19تشرين ثاني/نوفمبر2011) محاولة للخروج من هذا الاستعصاء الموجود في نيويورك، قبل أن يتضح، مع إرسال بوارج أسطول البحر الأسود الروسية لمرفأ طرطوس في نهاية تشرين ثاني/نوفمبر 2011، أن التوازن الدولي البادئ منذ يوم 4 تشرين أول/أكتوبر 2011، والذي أشعلت فيه موسكو ولأول مرة منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1989 أول أزمة عالمية في وجه القطب الواحد للعالم على خلفية الأزمة السورية، يمنع (وسيمنع) تكرار السيناريو الليبي في سوريا.

من هذا المنطلق، كانت معارضة «المجلس الوطني السوري» لـ«المبادرة العربية»، التي سربت مسودة مشروعها لجريدة «الحياة» ونشرت في عددها يوم 6 أيلول/سبتمبر 2011، وكانت كتابة مسودتها بالتعاون بين أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي وقيادات من «هيئة التنسيق»، والتي تقول بمرحلة انتقالية تبدأ مع «تشكيل حكومة وحدة وطنية ائتلافية برئاسة رئيس حكومة يكون مقبولاً من قوى المعارضة المنخرطة في عملية الحوار، وتعمل مع الرئيس وتتحدد مهمتها في إجراء انتخابات نيابية شفافة تعددية حزبياً وفردياً يشرف عليها القضاء السوري وتكون مفتوحة لمراقبين للانتخابات وتنجز مهامها قبل نهاية العام»، حيث عندما تبناها «المجلس الوزاري العربي» وحولها لـ«مبادرة عربية رسمية»، في 2 تشرين ثاني/نوفمبر، وجدنا المكتب التنفيذي لـ«المجلس الوطني السوري» لم يصدر بياناً يعبّر عن تأييده للمبادرة العربية الصادرة عن الجامعة العربية، بخلاف تأييده للمبادرة العربية الثانية (22كانون ثاني/يناير) التي قالت بـ”تفويض رئيس الجمهورية نائبه الأول بصلاحيات كاملة للقيام بالتعاون التام مع حكومة الوحدة الوطنية لتمكينها من أداء واجباتها في المرحلة الانتقالية”.

من هنا كان حتمياً موت اتفاق 30 كانون الأول 2011 بين رئيس المجلس الوطني الدكتور برهان غليون ونائب المنسق العام لهيئة التنسيق الدكتور هيثم مناع الموقّع في القاهرة تحت رعاية أمين عام الجامعة العربية الدكتور نبيل العربي، ذلك الاتفاق الذي لم يعمر لأكثر من يوم واحد، بعد أن رفضته القوى النافذة في المجلس.

خلال شهر شباط/فبراير 2012، ماتت عملية التعريب لحلول الأزمة السورية، من خلال اصطدام المبادرة العربية الثانية، والتي تتضمن «السيناريو اليمني لتولي نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي سلطات الرئيس علي عبدالله صالح»، بجدار الفيتو الروسي-الصيني في مجلس الأمن في 4 شباط/فبراير لما حُمِلت إليه المبادرة من أجل إعطائها مباركة دولية. خلال أيام قليلة من ذلك، وبعيد زيارة وزير الخارجية الروسي لدمشق، بدأت عملية عسكرية كبرى قام بها النظام في حي بابا عمرو بحمص، قلبت الكثير من الموازين الميدانية لصالح النظام في تلك المدينة التي كانت أكثر المدن اشتعالاً في وجه السلطة.

في 21 آذار/مارس، وفي البيان الرئاسي لمجلس الأمن بدأت معالم توافق دولي أميركي-روسي نحو تدويل الأزمة السورية، من خلال دعم خطة كوفي عنان، التي من الواضح، وعبر ذلك البيان الرئاسي ثم عبر قراري مجلس الأمن (2042و2043) في 14 و21نيسان/أبريل، أنها تضع وراءها السيناريو اليمني وتتجه إلى اقتراب غامض الملامح من مبادرة الجامعة العربية في 2 تشرين ثاني/نوفمبر.

أيّدت «الهيئة» خطة كوفي عنان في بيان لمكتبها التنفيذي في 27 آذار /مارس، فيما لم يقدّم المكتب التنفيذي لـ«المجلس الوطني السوري»، تأييداً لخطة الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بينما سكت «المجلس الوطني الكردي» في الوثائق الصادرة عن اجتماعه في 21 نيسان/أبريل، والذي تخلى فيه عن مطلبي «حق تقرير المصير» و«اللامركزية السياسية»، عن ذكر خطة كوفي عنان.

وقد دعت جماعة «الإخوان» الأمم المتحدة، في بيان يوم الجمعة 27 نيسان /أبريل، إلى «إعلان فشل خطة المبعوث الدولي كوفي أنان»، وطالبت الجماعة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أن «يقرن إعلانه عن امتناع حكومة الرئيس السوري بشار الأسد عن الالتزام بعملية السلام، باعتبار خطة السيد كوفي أنان منتهية» وفقاً لما أوردت وكالة “أ ف ب”» (www.syrianncb.org تحديث يوم 27 نيسان/إبريل 2012(

في 30 حزيران جرى تدويل للأزمة السورية من خلال «بيان جنيف» الذي جرى بتوافق أميركي-روسي، ويدعو إلى «هيئة حكم انتقالي تتولى كامل السلطات التنفيذية»، وهو ما أطلق مساراً تدويلياً للأزمة السورية استمر حتى سقوط النظام السوري في يوم 8 كانون الأول .2024

-3-

في مساء يوم 3 تموز 2012، ومع اقتراب مؤتمر المعارضة السورية بالقاهرة من إصدار بيانه الختامي، طلب ناصر القدوة، نائب المبعوث الدولي إلى سوريا كوفي عنان، من أربعة أشخاص أن يذهبوا معه إلى غرفة جانبية، هم رئيس «المجلس الوطني» عبد الباسط سيدا، وعضو المكتب التنفيذي للمجلس فاروق طيفور، والمنسق العام لـ«هيئة التنسيق الوطنية» حسن عبد العظيم، وعضو المكتب التنفيذي للهيئة عبد العزيز الخيِر، وقال لهم التالي: «قبل ثلاثة أيام في جنيف صدر بيان للدول الخمسة الكبرى ومن دول إقليمية ووقّعت عليه منظمات مثل الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة، ويدعو هذا البيان إلى “تسوية سورية من خلال رسم خريطة طريق لمرحلة انتقالية سورية نحو نظام سياسي سوري جديد تقودها هيئة حكم انتقالي تحوز السلطات التنفيذية الكاملة وتتألف من ممثلين للسلطة والمعارضة”، وأقترح عليكم أن يتضمن البيان الختامي للمؤتمر تأييداً لهذا البيان». أيّد ممثّلا هيئة التنسيق طلبَ ناصر القدوة، فيما قام فاروق طيفور، وهو نائب المراقب العام لجماعة «الاخوان المسلمين»، برفض الطلب.

يمكن فك كود جواب فاروق طيفور في ما حدث بشهر تموز من ذاك العام، الذي كان أصعب شهر مر على بشار الأسد طوال فترة حكمه، هو وشهر أيلول 2012، من انشقاق العميد في الحرس الجمهوري مناف مصطفى طلاس (6 تموز) الذي نظمت عملية نقله من دمشق لتركيا المخابرات الفرنسية ومن ثم تم نقله إلى باريس، إلى تفجير خلية الأزمة (18 تموز) الذي ترافق بنفس اليوم مع هجومين من الغوطتين الشرقية والغربية على دمشق، إلى سقوط الأحياء الشرقية من مدينة حلب بأيدي المعارضة المسلحة في اليوم التالي وهو ما أتبعه بيوم 20 تموز سقوط معظم أحياء مدينة دير الزور من أيدي السلطة، وصولاً إلى انشقاق رئيس الوزراء رياض حجاب (6 آب).

رغم تلك الضربات لم تسقط السلطة، وقد كان كان لافتاً أن يقول ملك الأردن في مساء 18 تموز أن «السلطة السورية تلقت ضربة موجعة، ولكنها لن تسقط»، ثم أن تدعو أوساط قريبة من الفاتيكان للقاء بروما في 25 تموز من أجل تسوية سورية دعي إليها معارضون سوريون كان من بينهم أعضاء من هيئة التنسيق (عبد العزيز الخيِر ورجاء الناصر) ثم أن يرفض قياديون بالمجلس الدعوة، وبعدها اشتغلت أوساط استخباراتية إقليمية في الخليج على محاولة شراء قياديين بالهيئة، وهو ما لم تنجح فيه سوى مع أشخاص محددين.

مع ذلك، طوال أشهر عديدة وحتى نهاية العام راجت مقولات سيطرت على أجواء المعارضة، مثل أن «حلب (أو دير الزور) هي بنغازي سوريا»، على طراز دورها في تشكيل مركز للمعارضة المسلحة قامت بإسقاط القذافي بصيف 2011 عبر دور أساسي لطائرات حلف الأطلسي.

وحتى في مداولات الدوحة بالأسبوع الثاني من شهر تشرين الثاني من أجل تشكيل «الائتلاف»، وبعد أسبوع من هجوم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون على «المجلس الوطني السوري» بخطاب في العاصمة الكرواتية زغرب بيوم 31 تشرين الأول، فإن رياض الترك عندما تم الاتصال به عبر السكايب بمنزله السري في حي الدويلعة بدمشق من قبل روبرت فورد ووزير الخارجية القطري لفك استعصاء ولادة المولود المطلوب أميركياً، استشهد بعبارة قالها النبي محمد في معركة حنين: «النصر صبر ساعة»، وهو ما عبّر عن مراهنة ثالثة، كان يقودها الترك بين المعارضين على سقوط النظام بخريف 2011، وقبلها بخريف 2005 عندما قام بتوليد «إعلان دمشق»، وكلها مراهنات لم تتحقق.

هنا، ربما كان «بيان جنيف» (30 حزيران) تعبيراً أولياً عن نية أميركية ليس فقط لعدم السعي إلى إسقاط النظام، بل عن نية لمنع إسقاطه، لحسابات تتعلّق بإسرائيل ولمنع نشوء فوضى سورية كان على الأرجح أن هناك حسابات في واشنطن بأنها ستكون أخطر على المنطقة من الفوضى العراقية التي أعقبت سقوط صدام حسين. ثم كان دخول روسيا على الخط السوري منذ فيتو 4 تشرين أول 2011 قد أنذر بأزمة شرق أوسطية كبرى لم يكن يريدها باراك أوباما الذي كان جنوده سينسحبون من العراق أواخر عام 2011، وكانت تلك الأزمة ستعيق سياسته الانزياحية نحو الشرق الأقصى لمجابهة الصين وهو ما أعلنه في خطاب أمام البرلمان الأسترالي في 17 تشرين الثاني.

وسيد البيت الأبيض كان يعرف بأن إسقاط النظام السوري كان سيخرب المفاوضات مع إيران حول الموضوع النووي والتي كانت بادئة سرّاً في مسقط منذ عام 2009. والاتفاق مع إيران نووياً، وأيضاً حول السياسة الإقليمية، كانا جزئين من مترتبات السياسة الانسحابية الأوبامية من الشرق الأوسط، وكذلك الاتفاق مع روسيا حول الملف السوري.

لذلك، كانت «هيئة التنسيق» تعرف منذ صيف 2011 بأن أوباما لن يسعى إلى إسقاط النظام السوري، بخلاف ما فعل مع القذافي، ولذلك كانت تريد الحل التسووي، وهي كانت تعرف بأن استخدام واشنطن لتركيا وفرنسا ودول الخليج من أجل إشعال الصراع السوري، وهو ما ضبط أوباما حدود نيرانه؛ كان هدفه تحويل سوريا لساحة ضغط على طهران في الملف النووي، وكذلك على الروس لإبعادهم عن الصين التي كان أوباما يعتبر التناقض الرئيسي الأميركي هو معها.

هذه أمور لم يكن يستوعبها من كانوا في «المجلس الوطني» وفي «الائتلاف الوطني» بعامي 2011 و2012، ويبدو أنهم لم يستوعبوها بعد تلك الأعوام، وربما هم ما زالوا كذلك حتى الآن في عام 2025. وحتى في تلك المحادثة السكايبية مع رياض الترك عندما أرضاه فورد بإضافة الفقرة الخامسة من نص اتفاق الدوحة لتشكيل «الائتلاف» (11-11-2012) والتي تقول بـ«عدم الدخول في حوار أو مفاوضات مع النظام القائم» فإنه لم يستطع تفسير تصريح وزير الخارجية الأميركي الجديد جون كيري: «المطلوب جلوس الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة السورية على طاولة التفاوض لإنشاء حكومة انتقالية بحسب الإطار الذي تم التوصل إليه في جنيف» (وكالة «يو بي اي»، 13 آذار 2013)، واعتبره خدعة وخيانة أميركية.

وهو ما رآه أيضاً في اتفاق 7 أيار 2013 بموسكو بين كيري ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتفعيل بيان جنيف تنفيذياً من خلال الدعوة إلى مؤتمر جنيف 2 بين السلطة والمعارضة، حيث في ذلك التصريح لكيري رأينا بداية تخلٍّ أميركي عن مطلب رحيل بشار الأسد الذي أطلقه أوباما في 18 آب 2011 وظلت بعده واشنطن تصرّ على رحيله حتى ولو جرى تنفيذ التسوية السورية التي ستتضمن رحيله وعدم مشاركته في مفاوضاتها.

في مقال في «الأخبار» (24 شباط 2014) يكشف سامي كليب دور «هيئة التنسيق» منذ آذار 2013 في بلورة الأفكار الأولية للتفاهم الروسي-الأميركي وأنها قدّمت ذلك للرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي نقلها للأميركان والروس. ثم يكشف في النص نفسه كيف كانت «هيئة التنسيق» هي صاحبة فكرة مبادرة تسليم السلاح الكيماوي السوري للروس في فترة ما بعد الهجوم الكيماوي على الغوطة لتفادي الضربة العسكرية الأميركية على سوريا، وذلك من خلال تفاهم جرى بين وفد من الهيئة وبين السفير الروسي في بيروت بيوم 6 أيلول 2013، وكيف تم تبنّي ذلك بعد أيام من قبل موسكو وواشنطن على أن يترافق ذلك مع عقد جنيف 2.

وهو ما نتج عنه تفاهم 14 أيلول الروسي-الأميركي حول السلاح الكيماوي السوري، ثم القرار الدولي 2118 في 27 أيلول الذي ربط تسليم السلاح الكيماوي بجدول زمني وتبنى بنصه بيان جنيف مع الدعوة لمؤتمر جنيف2 (مقال “وثائق حول دور أبو مازن في جنيف2: نصح أوباما ببقاء الأسد”).

انفرط مؤتمر جنيف2، كانون الثاني/شباط 2014، بسبب نشوب الأزمة الأوكرانية التي جعلت موسكو، بعد مظاهرات بالعاصمة كييف واقتحام القصر الرئاسي ومن ثم هروب الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا، تقوم باحتلال القرم، وهو ما كان أحد ترجماته انفراط تفاهمات القرار 2118 الأميركية-الروسية في أيلول السابق والتي كانت تتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالية سورية تقود البلاد لسنتين بعد تأجيل الانتخابات الرئاسية في حزيران ونقل الرئيس صلاحياته التنفيذية لها، وهو ما قاد إلى استقالة المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي في أيار 2014.

في صيف 2014، ومع سقوط الموصل بيد «داعش»، انتقل الاهتمام الدولي إلى التركيز على محاربة صعود هذا التنظيم الذي سيطر على مساحة من الأراضي العراقية والسورية توازي مساحة بريطانيا، وأصبح منظار داعش هو منظار واشنطن للنظر إلى الموضوع السوري، وهو ما ساهم بصعود قوة (قوات حماية الشعب-YPG، ومن ثم وريثتها قوات سوريا الديموقراطية-قسد) التي كانت القوة العسكرية السورية الوحيدة التي وافقت على مشاركة التحالف الدولي بمقاتلة هذا التنظيم، فيما استنكفت باقي القوى العسكرية المعارضة بحجة أن “التناقض الرئيسي مع بشار الأسد”.

وهو ما كان بداية التخلي عنها من الغرب الأميركي-الأوروبي، ولو ظلت الرعاية الإقليمية لها كما حصل في ربيع وصيف 2015 لمّا تلاقت الرياض وأنقرة في لقاء نادر على دعم فصائل مسلحة سورية اجتاحت محافظة إدلب ومنطقة الغاب بعد تزويد الرياض لها بصواريخ «تاو» رغماً عن أوباما الذي كانت العاصمة السعودية في حالة خلاف عميق معه بسبب الاتفاق النووي الإيراني الذي كان على وشك التوقيع عليه في فيينا 14 تموز 2015.

وهو ما ترافق مع قيام فصيل «جيش الاسلام» المدعوم من السعودية بقطع طريق دمشق-حمص عند عدرا، وهو ما جعل بشار الأسد يواجه لحظة غير مسبوقة لاحتمال سقوطه، الأمر الذي استتبع تدخلاً عسكرياً روسياً في سوريا في يوم 30 أيلول 2015 بموافقة واشنطن وطهران، قلب موازين القوى العسكرية السورية لغير صالح المعارضة المسلحة وأنتج لها تراجعات عسكرية بدءاً من استرجاع النظام للأحياء الشرقية من حلب بالشهر الأخير من عام 2016، بمعونة جوية روسية وأرضية إيرانية ومن قوى عسكرية موالية لطهران، وحتى السيطرة على ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي الذي كرّسه اتفاق 5 آذار 2020 بين إردوغان وبوتين.

وما بينهما كانت اتفاقات «خفض التصعيد» التي تم فيها إخلاء مناطق المعارضة المسلحة في ريف دمشق وريف حمص الشمالي ومنطقة حوران ونقل من لم يرتض التسوية من المسلحين إلى محافظة إدلب، وفي وقت كان تنظيم «داعش» قد انتهى تواجده العسكري في أرض ثابتة بعد هزيمته بمعركة الباغوز في آذارر2019 التي كانت آخر معقل له بالأرض السورية.

أنتج الدخول العسكري الروسي توافقاً روسياً-أميركياً ترجم في القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن بيوم 18 كانون الأول 2015 تم بموجبه الدعوة لمؤتمر جنيف 3 بالشهر التالي، وكان قد سبق القرار بأيام انعقاد مؤتمر المعارضة السورية في الرياض الذي جمع «الائتلاف» و«هيئة التنسيق»، وكانت المعارضة التركية لاشتراك حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) في مؤتمر الرياض، وبتواطؤ أميركي صامت، قد قادت لخروجه من الهيئة وإلى تأسيس «مجلس سوريا الديموقراطية» (مسد).

في ذلك الوقت كان إردوغان على خلاف مع باراك أوباما ومع فلاديمير بوتين، وهو ما قاد إلى تفشيل رياض حجاب، المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض، لمؤتمر جنيف 3 من خلال تعليق مشاركة وفد المعارضة من دون التشاور مع «هيئة التنسيق» في نيسان 2016. وكانت المعلومات بأن الروس والأميركان على توافق نحو الاتجاه لفرض تسوية سورية على طرفي السلطة والمعارضة بعد ستة أشهر من بدء المفاوضات بجنيف 3 في 29 كانون الثاني 2016.

عملياً، ومنذ خريف 2016 بدأ استاتيكو سوري أصبحت فيه الأزمة السورية في «وضعية اللاحل» و«إدارة الأزمة» من قبل القوى الدولية والإقليمية، حيث تقاسم الأميركان والروس والأتراك وتشاطرو مناطق خاضعة لسيطرتهم من الجغرافيا السورية، مع وجود إيراني عسكري ولقوى عسكرية متعددة الجنسيات موالية لطهران كان لها مناطق سيطرة.

انعكس ذلك على المعارضة السورية، وعندما جرت محاولة روسية وبتواطؤ تركي من أجل إنشاء تسوية سورية بعيدة عن القرار 2254 عبر مؤتمر سوتشي (كانون الثاني 2018)، كان هناك معارضون، مدنيون وعسكريون، قد انزلقوا في تلك الزحلاطة الروسية، التي تفرج عليها الأميركان بصمت.

ولولا اتفاق «الائتلاف» و«الهيئة»، عبر «هيئة التفاوض»، على ربط منتوج سوتشي، أي اللجنة الدستورية، بالأمم المتحدة وبالقرار 2254، لكانت المعارضة قد تورطت في تسوية سورية كانت أقرب لتصور بشار الأسد وبرعاية بوتين وإردوغان، والأخيران كانا يعيشان شهر عسل منذ لقائهما في 9 آب 2016 بعد أسابيع من محاولة الانقلاب التركية الفاشلة ضد الرئيس التركي، حيث اتهمت أوساط قريبة منه واشنطن بالضلوع بها، وقد تحولت اللجنة الدستورية بعد ربطها بالقرار 2254 إلى عبء على بشار الأسد وبوتين، وهو ما جعلهما يقومان بتفشيلها.

في 12 أيار 2019 أطلق المبعوث الرئاسي الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري 2018-2020 تصريحاً قال فيه أن «مهمتي جعل سوريا مستنقعاً للروس من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات لمنع عودة الوضع الطبيعي لمناطق سيطرة النظام، وإثارة أزمات متجددة، وبالتالي جعل سوريا تتحول من ورقة إلى عبء على موسكو وطهران» (جوناثان سباير: «سياسة ترامب السورية تعمل»، مجلة «فورين بوليسي»، 1\7\2020).

وهنا لا يمكن لبدء تطبيق قانون قيصر منذ 17 حزيران 2020 إلا أن يكون خريطة الطريق، أو الوسيلة، نحو تشكيل هذا «المستنقع»، الذي كان الاقتصاد السوري المتهالك محتواه الرئيسي بكل ما أنتجه الاقتصاد المتهالك من ترجمات على صعيد علاقة السلطة بالمجتمع.

يمكن هنا تفسير خلفيات هذه السياسة الأميركية الجديدة في سوريا من خلال اتجاه ترامب نحو التصادم مع طهران منذ انسحابه في عام 2018 من الاتفاق النووي مع إيران، وبتقاربات بوتين المتزايدة مع الصين، ثم ملامح ظهرت منذ عام 2017 نحو اتجاه متزايد لتشكيل محور صيني- روسي-إيراني، وهو ما تبلور مع الحرب الأوكرانية بعام 2022.

في 7 أكتوبر 2023 بدأ مشهد شرق أوسطي جديد، وربما عالمي، مع تخلٍّ أميركي علني عن سياسة أوباما الانسجابية من الشرق الأوسط، التي تضمّنت عنده توافقاً مع موسكو وطهران على نفوذ لهما في الشرق الأوسط، لتتجه واشنطن إلى استغلال ما نتج عن حربين في غزة ولبنان، أنتجهما يوم 7 أكتوبر وما استتبعهما من إسقاط بشار الأسد، لضرب النفوذ الإيراني في المنطقة، وخاصة مع معرفتها بأن محور طهران لا يستمر ولا يقوم على رجليه من دون الجسر السوري على طريق طهران-بغداد-دمشق-الضاحية الجنوبية-غزة، وبأنه لا تكفي هزيمة حماس وحزب الله بل يجب استتباعهما بإسقاط بشار الأسد.

والأرجح أن الأميركان يعرفون بأن كما 8 كانون الأول 2024 السوري يتضمّن ضربة موجعة لمحور إيران الاقليمي وربما قاضية، فإنه كذلك للنفوذ الروسي العالمي، حيث روسيا أصبحت دولة عالمية عام 2015 مع دخولها العسكري لسوريا، فيما كانت بعد انبثاقها وولادتها عن تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991 لا تعدو كونها أن تكون دولة إقليمية كبرى.

كان يوم 8 كانون الأول 2024 منعطفاً مفصلياً في التاريخ السوري، تم فيه طي صفحة ما بعد يوم 8 آذار 1963، وانبثاق لوحة سياسية سورية جديدة.

هوامش:

 (1) – محمد جمال باروت: «الإخوان المسلمون في سورية – أصول وتعرجات الصراع بين المدرستين التقليدية والراديكالية»، ضمن مجلدي «الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية»، ج 1، ص 255-323، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، الطبعة الثالثة، دمشق 2000، ص 294).
(2) -«خارج السياق وبعيداً عن المزايدات»، موقع «الرأي»، www.arraee.com، تحديث يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2005).
(3) – مقابلة مع موقع «سيرياكومنت»، www.syriacomment.com تحديث يوم 8 أيلول 2005.

(4) -في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2003، وفي موقع “أخبار الشرق”.

www.thisissyria.net في مقال تحت عنوان: «الإصلاح مجرد سوء تفاهم».

(5) -يوجد نص بيان «التجمع الوطني الديمقراطي» في العدد 29 من جريدة «طريق اليسار»، حزيران/يونيو 2011 (وهي الجريدة الناطقة باسم تجمع اليسار الماركسي في سورية – تيم)، يمكن إيجاد أعداد «طريق اليسار» على الرابط التالي:
www.ahewar.org\m.asp?i=1715

(6) -بيان صادر في 5 نيسان 2011، منشور على موقع «أخبار الشرق»، لندن، بتحديث يوم 7 نيسان/إبريل 2011

(7) – www.elaph.com\web\news تحديث يوم 17كانون الثاني\يناير 2012

___________________________

تنويه: بالأصل، هذا النص هو سلسلة مقالات نُشرت في جريدة الأخبار اللبنانيّة – حزيران 2025.

محمّد سيد رصاص

كاتب وباحث سياسي سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق