العالم الآن

خصخصة مشافي الدولة السّوريّة

في ظلِّ سلطة غير شرعيّة: أية مخاطر وتداعيات؟

قرأتُ مؤخراً منشورا” على وسائل التواصل الاجتماعي، يروي فيه صاحبه تجربة شخصية تعود إلى عام 1997، حين اكتُشف لديه عيب خلقي خطير في القلب، استدعى تدخلا” جراحيا” عاجلا” ، و يصف الكاتب كيف تنقّل بين أطباء سوريين من خلفيات مختلفة، وكيف تكفّلت المشافي الحكومية بإجراء القسطرة والعمل الجراحي المعقّد مجانا” ، في وقت كانت فيه هذه العمليات لا تزال في بداياتها في سورية. لم يكن العامل الحاسم هو القدرة على الدفع، بل وجود منظومة صحية عامة اعتبرت العلاج حقا” ، لا سلعة . هذه القصة، بما تحمله من أبعاد إنسانية ومهنية، تفتح الباب أمام نقاش بالغ الخطورة حول ما يُطرح اليوم من توجهات لخصخصة القطاع الصحي.

أولا” – إن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بتغيير نمط الإدارة، بل بإعادة تعريف وظيفة الصحة في المجتمع. فالانتقال من نظام عام إلى نظام قائم على الربحية يعني عمليا” تحويل العلاج من حق مكفول إلى خدمة مشروطة بالقدرة المالية. الأدبيات في مجال اقتصاديات الصحة تؤكد أن هذا التحول في الدول ذات الدخل المنخفض أو التي تعاني من أزمات اقتصادية يؤدي غالبا” إلى تراجع العدالة الصحية ، و تشير تقارير منظمة الصحة العالمية بوضوح إلى أن زيادة الاعتماد على التمويل الخاص ترفع الإنفاق المباشر من جيب المواطن، وتدفع شرائح واسعة إلى العزوف عن العلاج بسبب تكاليفه ، و في الحالة السورية، حيث تتآكل القدرة الشرائية لغالبية السكان، فإن هذا التحول لن يكون إصلاحا”، بل إقصاءً فعليا” للفقراء من الحق في الحياة .

ثانيا” – تقدم التجارب العالمية دروسا” قاسية لا يمكن تجاهلها. ما جرى في روسيا خلال تسعينيات القرن الماضي بعد تطبيق سياسات الخصخصة السريعة، أظهر كيف يمكن أن يؤدي تفكيك القطاع العام إلى انهيار مؤشرات الصحة وارتفاع معدلات الوفيات ، وحتى في نموذج مثل الولايات المتحدة، حيث يُهيمن القطاع الخاص، نجد أن الكلفة الصحية هي الأعلى عالميا”، مع فجوات كبيرة في الوصول إلى العلاج ، وفي المقابل فإن الدول التي نجحت، مثل ألمانيا وكندا، لم تعتمد الخصخصة الشاملة، بل حافظت على دور قوي للدولة مع تنظيم صارم للقطاع الخاص. هذه المقارنات توضح أن المشكلة ليست في وجود القطاع الخاص بحد ذاته، بل في غياب التوازن، خصوصا” في بيئات هشة مثل الحالة السورية.

ثالثا” – المخاطر في السياق السوري تتجاوز الاقتصاد إلى البنية الاجتماعية والسيادية للدولة ، فخصخصة المشافي تعني عمليا” ترك الفئات الأضعف دون حماية، وتعميق الفوارق بين المدن والأرياف، حيث سيتجه الاستثمار إلى المناطق الأكثر ربحية. كما أن هذا المسار يفتح الباب أمام هجرة الكفاءات نحو القطاعات الأكثر ربحا”، ويحوّل الأولوية من علاج الأمراض إلى تعظيم الإيرادات. الأخطر من ذلك هو احتمال ارتهان القرار الصحي لمصالح استثمارية خارجية، ما يضعف السيادة الوطنية في أحد أكثر القطاعات حساسية ، وقد حذرت تقارير البنك الدولي من أن تراجع الحماية الصحية يؤدي مباشرة إلى اضطرابات اجتماعية وتراجع في الاستقرار العام، وهو ما يجعل المسألة تتجاوز كونها خيارا” اقتصاديا”إلى كونها مسألة أمن اجتماعي.

رابعا” – تتجاوز قضية الخصخصة في سوريا كونها مجرد خيار اقتصادي تقني، لتتحول إلى مسألة تمسّ طبيعة الدولة ووظيفتها، بل وتمسّ العقد الاجتماعي ذاته ، فحين يُطرح بيع أو خصخصة المشافي العامة، لا يدور النقاش فقط حول الكفاءة والإدارة، بل حول: من يملك الحق في تقرير مصير أصول بُنيت عبر عقود من مساهمات المجتمع؟ إذ عرفت سوريا، رغم كل الاختلالات، نموذجا” للدولة التي تؤمّن حدا” أدنى من الخدمات الأساسية، خاصة في الصحة والتعليم. هذه المنظومة لم تكن مثالية، لكنها وفّرت مظلة حماية للفئات الأضعف، في حين يجري اليوم التعامل مع هذا الإرث وكأنه عبء يجب التخلص منه، بدل إصلاحه وتطويره. وهنا تكمن المفارقة: بدل تحسين الخدمة العامة، يتم الاتجاه نحو بيعها !!! وهو ما سوف يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات، خاصة بين الفئات الفقيرة، واتساع الفجوة بين من يستطيع الدفع ومن لا يستطيع، وانتقال الثروة العامة إلى أيدي قلة، و نشوء طبقة “الأوليغارش”- المافيا الجديدة مقابل تدهور أوضاع غالبية السكان.

خامسا” – إن طرح الخصخصة في ظل ضعف مؤسساتي شديد،  وغياب الشفافية والرقابة،  وهشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي، واتساع رقعة الفقر
لايحولها إلى أداة إصلاح، بل إلى أداة لإعادة توزيع الثروة لأيدي فئات محددة، أي من “الملكية العامة” إلى “الملكية الخاصة الضيقة” !!!!

سادسا “ – أما أحد أخطر أبعاد هذه السياسات فيتمثل في مسألة الشرعية. فالجهة التي تتخذ قرارات مصيرية تتعلق ببيع أصول الدولة يفترض أن تمتلك تفويضا” شعبيا” ومؤسساتيا” واضحاً، لكن حين تغيب المؤسسات التمثيلية الحقيقية، ويُتخذ القرار خارج إطار نقاش وطني جامع، فإن السؤال يصبح مشروعاً: من منح الحق في التصرف بممتلكات عامة لم تساهم هذه السلطة أصلا” في بنائها ؟ فالمشافي الحكومية التي يُطرح خصخصتها اليوم لم تُبنَ بجهود القائمين الحاليين على السلطة، بل هي نتاج عقود من العمل العام، ومساهمات مباشرة وغير مباشرة من المواطنين، عبر الضرائب والجهد الوطني.
وبالتالي، فإن التصرف بها دون تفويض واضح، يثير شبهة تحويل الملكية العامة إلى ما يشبه “الغنيمة”، حيث تباع الأصول بدل أن تُدار، ويتحول المواطن من صاحب حق إلى زبون، وهذا التحول لا يهدد فقط الفئات الفقيرة، بل يهدد استقرار المجتمع ككل، لأنه يقوّض الثقة بين الدولة والمواطن.

سابعا” – وأخيرا” – ليست المشكلة في مبدأ الإصلاح الاقتصادي، بل في كيفيته وسياقه. فالإصلاح الحقيقي لا يكون بتفكيك ما تبقى من القطاع العام، بل بإعادة بنائه بكفاءة وشفافية، مع إدخال القطاع الخاص كشريك منضبط، لا كبديل كامل، وتجربة الانتقال السريع وغير العادل إلى اقتصاد السوق قد يؤدي إلى كلفة اجتماعية هائلة، وفي الحالة السورية، حيث الجراح الاجتماعية عميقة أصلاً، فإن أي خطوة غير محسوبة قد تدفع نحو مزيد من التفكك.
يبقى السؤال المركزي: هل الهدف هو بناء اقتصاد حديث يخدم المجتمع، أم إعادة توزيع الثروة تحت عنوان “الإصلاح”؟ وهذه الأصول ستتحول ملكيتها إلى أيد أجنبية ويتحول السوريون معها إلى يد عاملة رخيصة لدى الشركات أي زبون ، وليس مواطن !!!

مبارك للسوريين منجزات هذه السلطة التي لم يفوضها أحد سوى من أتى بها تحت عناوين براقة سقطت بسرعة ونحن أمام سلطة متعددة الجنسيات، أقرب إلى مفهوم المافيا منها إلى سلطة انتقالية فعلية …… بإختصار: سورية بلد محتل، وتباع قطعة – قطعة من قبل حكام قبلوا أن يكونوا وكلاء وأجراء فقط !!

د. بسّام أبو عبدالله

أكاديمي سوري، أستاذ العلاقات الدوليّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق