ملاحظة: أي تطابق بين ما ورد في المقال ، والواقع في أي مكان هو محض مصادفة !
لا تزال عبارة “مطاردة الساحرات” (Witch Hunt) من أكثر التعابير تداولاً في اللغة الإنكليزية حتى يومنا هذا، فهي تُستخدم في السياسة والإعلام والقضاء لوصف حملات الاتهام الجماعي التي تقوم على الشبهات والانفعال أكثر مما تقوم على الأدلة والعدالة ، ولم يأتِ هذا التعبير من فراغ، بل ولد من واحدة من أكثر المآسي الإنسانية والقضائية ظلمة في التاريخ الأوروبي.
فما بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، تحولت أجزاء واسعة من أوروبا، ولاحقاً بعض المستعمرات الأوروبية في أمريكا الشمالية، إلى مسرح لمحاكمات جماعية انتهت بإعدام عشرات الآلاف من الأبرياء، بعد اتهامهم بممارسة السحر والتعامل مع الشيطان ، وكانت تلك المحاكمات مثالاً صارخاً على الكيفية التي يمكن أن يتحول فيها الخوف إلى قانون، والإشاعة إلى دليل، والوشاية إلى وسيلة للإعدام.
اليوم ، وبعد مرور قرون على تلك الأحداث، لا تزال “مطاردة الساحرات” حاضرة في الوعي الإنساني، ليس باعتبارها قصة عن السحر، بل باعتبارها تحذيراً دائماً من أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات عندما تتراجع العدالة أمام الخوف، ويُستبدل الدليل بالاتهام.
أولاً- من هي “الساحرة”؟
خلال العصور الوسطى في أوروبا ، لم تكن “الساحرة” كما تصورها الأساطير الحديثة مجرد امرأة تمتلك قدرات خارقة ، بل كان يُعتقد أنها عقدت اتفاقاً مع الشيطان مقابل الحصول على قوى تمكنها من إيذاء البشر، وإفساد المحاصيل، ونشر الأمراض، وقتل الأطفال، وإثارة العواصف، بل وحتى الطيران ليلاً لحضور اجتماعات شيطانية ، واليوم تبدو هذه التصورات خيالية، لكنها آنذاك كانت جزءاً من الثقافة السائدة، يؤمن بها كثير من الناس، ويعاملها بعض رجال الدين والقضاة بوصفها حقائق ثابتة.
كانت النساء أكثر عرضة للاتهام، ولا سيما الأرامل، والمسنات، والفقيرات، ومن يمارسن التداوي بالأعشاب أو يعشن خارج الأنماط الاجتماعية التقليدية ، ومع ذلك، لم تقتصر المحاكمات على النساء، بل شملت رجالاً وأطفالاً أيضاً، وإن بقيت النساء يشكلن الغالبية العظمى من الضحايا.
ثانياً – كيف نشأت الظاهرة؟
لم تظهر مطاردة الساحرات فجأة، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عوامل دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية ، فقد عاشت أوروبا آنذاك حروباً طويلة، ومجاعات متكررة ، وأوبئة مدمرة، وانخفاضاً في الإنتاج الزراعي، وارتفاعاً في معدلات الوفيات، بينما كانت المعرفة العلمية محدودة، وكان الناس يبحثون عن تفسير لكل كارثة تحل بهم.
فعندما يموت طفل، أو يهلك محصول، أو تنتشر الأمراض، أو تنفق الماشية، كان من الأسهل اتهام شخص بأنه السبب، بدلاً من الاعتراف بجهل الأسباب الحقيقية.
وفي عام 1487 صدر كتاب “مطرقة الساحرات” (Malleus Maleficarum)، الذي وضع تصوراً منهجياً لكيفية التعرف إلى الساحرات واستجوابهن ومحاكمتهن، فأسهم في ترسيخ الاعتقاد بأن السحر يشكل تهديداً وجودياً للمجتمع، وأضفى غطاءً فكرياً وقانونياً على حملات الملاحقة.
ثالثاً – الوشاية… الشرارة الأولى
لم تكن مطاردة الساحرات تبدأ بأدلة، بل غالباً ما كانت تبدأ بكلمة ، وقد يكون السبب خلافاً على قطعة أرض، أو نزاعاً على ميراث، أو حسداً، أو انتقاماً شخصياً، أو حتى رفضاً لطلب زواج أو قرض مالي ، وكان يكفي أن يقول أحدهم إن جارته “غريبة الأطوار”، أو إنها شوهدت تتحدث مع نفسها، أو إنها كانت آخر من زار شخصاً مريضاً، حتى تبدأ الشبهات ، وكان الأطفال أحياناً يوجهون الاتهامات، كما كان بعض المرضى النفسيين أو الأشخاص الذين يعانون الهلوسات يطلقون مزاعم تتحول إلى قضايا جنائية.
وما إن يُعتقل المتهم حتى تبدأ سلسلة جديدة من الاتهامات، إذ كان المحققون يطالبونه بذكر أسماء “ساحرات” أخريات ، وتحت التعذيب، كان كثيرون يعترفون بأي شيء ويذكرون أسماء أقاربهم أو جيرانهم أملاً في تخفيف الألم، فتتوسع دائرة الاتهامات بصورة متسلسلة، وكأن المجتمع بأكمله أصبح موضع شبهة.
لقد كانت الوشاية آنذاك أشبه بوباء اجتماعي، لا يكاد يبدأ حتى يصعب إيقافه.
رابعاً – التعذيب… عندما يُنتزع الاعتراف بالقوة
كانت المحاكم تعتبر أن الساحرة لن تعترف بإرادتها لأنها واقعة تحت تأثير الشيطان، ولذلك كان التعذيب يُعد وسيلة مشروعة لاستخراج “الحقيقة” ، وتنوعت وسائل التعذيب بصورة مروعة ، فمنها التعليق بالحبال حتى تكاد الأكتاف تنخلع، والحرمان من النوم لأيام متواصلة، وربط الأطراف في أوضاع مؤلمة، وسحق أصابع اليدين والقدمين، والضغط على المفاصل، والبحث في الجسد عما سمي “علامة الشيطان”، وهي أي شامة أو بقعة جلدية تُفسَّر بوصفها دليلاً على التعامل مع قوى الشر ، ومن أشهر الاختبارات ما عرف بـ”اختبار الماء”، حيث يُلقى المتهم في نهر أو بحيرة وهو مكبل اليدين والقدمين ، فإذا غرق اعتُبر بريئاً، لكنه قد يفقد حياته ، وإذا طفا على سطح الماء، اعتُبر ذلك دليلاً على أنه ساحر، فيُحكم عليه بالإعدام. وهكذا كانت النتيجة في الحالتين مأساوية.
لقد أصبح الاعتراف المنتزع تحت التعذيب سيد الأدلة، رغم أن الإنسان تحت وطأة الألم قد يعترف بما لم يفعل، بل بما يستحيل وقوعه.
خامساً – الإعدام… النهاية التي لا ينجو منها أحد
بعد صدور الحكم، كانت العقوبة في معظم الأحيان هي الموت ، وفي أجزاء واسعة من ألمانيا وسويسرا وفرنسا، كان الحرق حياً أكثر وسائل الإعدام انتشاراً، انطلاقاً من اعتقاد بأن النار تطهر الأرض من الشر ، أما في إنكلترا، ولاحقاً في مستعمراتها بأمريكا الشمالية، فقد كان الشنق هو العقوبة الأكثر شيوعاً ، وفي مناطق أخرى استُخدم قطع الرأس أو وسائل إعدام مختلفة وفقاً للقوانين المحلية ، لكن العقوبة لم تكن تقتصر على إزهاق الروح، إذ كانت الممتلكات تُصادر في كثير من الأحيان، وتفقد العائلات مصادر رزقها، ويُحرم الأبناء من حقوقهم، وتبقى وصمة “السحر” تلاحق الأسرة لأجيال !!!!
سادساً – محاكمات سالم… القضية التي بقيت في ذاكرة العالم
رغم أن أوروبا شهدت أعداداً أكبر بكثير من الضحايا، فإن أشهر القضايا كانت محاكمات مدينة سالم في ولاية ماساتشوستس الأمريكية عام 1692 اذ بدأت القصة عندما أصيبت مجموعة من الفتيات بحالات تشنج وسلوك غير مألوف، وادعين أن أرواحاً شريرة تؤذيهن ، وخلال أشهر قليلة تحولت الادعاءات إلى اتهامات، ثم إلى محاكمات، فألقي القبض على أكثر من مئة وخمسين شخصاً، وأُعدم عشرون، وسُجن عشرات آخرون.
كانت المحكمة تقبل أحياناً ما عُرف بـ”الأدلة الطيفية”، أي أن يدعي شخص أنه رأى روح المتهم أو حلم به، وهي أمور لا يمكن التحقق منها، لكنها كانت تُعامل بوصفها أدلة قانونية ، وتوسعت دائرة الاتهامات حتى طالت أشخاصاً معروفين بالاستقامة، حتى بدأ كثير من القضاة ورجال الدين أنفسهم يشككون في صدقية تلك المحاكمات، لتبدأ نهاية هذه المرحلة.
سابعاً – حجم الكارثة
تشير الدراسات التاريخية الحديثة إلى أن أكثر من مائة ألف شخص تعرضوا للمحاكمة بتهم تتعلق بالسحر، بينما تراوح عدد الذين أُعدموا بين أربعين وستين ألفاً. غير أن الخسائر الحقيقية لم تكن في الأرقام وحدها. فقد انهارت الثقة بين الناس، وتحولت القرى إلى مجتمعات يسودها الخوف، وأصبح الجار يخشى جاره، والصديق يخشى صديقه، وصار الصمت وسيلة للبقاء.كما دُمِّرت أسر بكاملها، وصودرت أملاك، وضاعت حقوق، وورث الأبناء عاراً لم يرتكبوه.
لقد كانت مطاردة الساحرات واحدة من أكبر الكوارث الاجتماعية التي أثبتت أن الخوف قادر على تمزيق نسيج المجتمع بأكمله.
ثامناً – كيف انتهت؟
لم تنته مطاردة الساحرات بقرار واحد، بل بانتصار العقل على الخرافة ، فمع عصر التنوير، وتقدم العلوم، وتطور قواعد الإثبات القضائي، بدأ الأوروبيون يدركون أن الاعتراف المنتزع تحت التعذيب لا يصنع حقيقة، وأن الشائعات ليست أدلة، وأن القضاء لا يمكن أن يبني أحكامه على المعتقدات والأساطير ، وتدريجياً توقفت المحاكمات، ثم ألغيت كثير من الأحكام، وأعلنت براءة عدد من الضحايا، وقدمت اعتذارات رسمية، كما حصلت بعض العائلات على تعويضات.
لقد احتاج الأمر إلى سنوات طويلة حتى يعترف المجتمع بأن العدالة نفسها كانت ضحية للخوف.
تاسعاً – كيف أصبحت “مطاردة الساحرات” تعبيراً عالمياً؟
لم تختف القصة بانتهاء المحاكمات، بل بقيت حاضرة في الذاكرة الغربية حتى تحولت إلى أحد أشهر التعابير في اللغة الإنكليزية: Witch Hunt.
واليوم لا يُقصد بهذا المصطلح مطاردة أشخاص يمارسون السحر، بل يُستخدم للدلالة على أي حملة اتهامات جماعية تقوم على الشبهة أو الانتماء أو المناخ العام، أكثر مما تقوم على الأدلة والإجراءات القضائية السليمة.
فإذا قيل إن شخصاً يتعرض لـ Witch Hunt، فإن المعنى أن الاتهامات تسبقه إلى الإدانة، وأن الرأي العام أو الرغبة في الانتقام أو الاستقطاب السياسي أصبح أقوى من قواعد العدالة، وأن الشبهة حلت محل البرهان.
ولهذا يستخدم المصطلح باستمرار في الخطاب السياسي والإعلامي والقانوني في الدول الناطقة بالإنكليزية، بوصفه تحذيراً من تكرار الأخطاء التي قادت، قبل قرون، إلى إدانة آلاف الأبرياء.
إن بقاء هذا التعبير حياً في اللغة حتى اليوم يعكس رغبة حضارية في عدم نسيان تلك المرحلة، وتحويلها إلى درس دائم للأجيال، حتى لا تتكرر المأساة بأشكال جديدة.
عاشراً – خاتمة وخلاصة
لم تكن مطاردة الساحرات حرباً على السحر، بل كانت حرباً على الإنسان عندما يسمح للخوف أن يقوده، وللإشاعة أن تحل محل الحقيقة، وللانتقام أن يرتدي ثوب العدالة.
لقد أثبت التاريخ أن العدالة لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تبدأ بالتخلي عن قرينة البراءة، ثم بقبول الشائعات، ثم بتبرير التعذيب، ثم بتحويل الاتهام إلى إدانة، حتى يصبح الظلم قانوناً، ويغدو الأبرياء ضحاياه ، ولهذا بقيت “مطاردة الساحرات” أكثر من مجرد حادثة تاريخية؛ إنها رمز عالمي للتحذير من كل عدالة تُبنى على الخوف، وكل محاكمة تسبقها الأحكام، وكل مجتمع يبحث عن مذنب قبل أن يبحث عن الحقيقة.
وربما لهذا السبب لا تزال عبارة Witch Hunt تتردد حتى اليوم في المحاكم، والبرلمانات، ووسائل الإعلام، ليس لأنها تتحدث عن السحر، بل لأنها تذكر العالم بأن الظلم قد يرتدي أحياناً ثوب القانون، لكن التاريخ لا يلبث أن يكشف حقيقته، وأن العدالة التي تقوم على الخوف لا يمكن أن تدوم.


