هناك أحداث في تاريخ الشعوب أكبر من الحكومات التي وقعت في عهدها، وأبقى من القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بها، وحرب تشرين واحدة من هذه الأحداث، لهذا يجب أن نتذكر حرب تشرين، ليس لأننا نريد تخليد حاكم أو حزب، وليس لأننا نريد العودة إلى نظام سياسي مضى، وإنما لأن جيلاً كاملاً من السوريين قاتل من أجل أرضه، وسقط منه شهداء، وعاش تجربة وطنية جامعة أصبحت جزءاً من ذاكرة المجتمع السوري.
نحن الذين كنا أطفالاً في تشرين 1973 نتذكر تلك الأيام. نتذكر الخوف الذي دخل البيوت، وانتظار الأخبار، والجنود الذين ذهبوا إلى الجبهة، والأحاديث التي لم تكن تنقطع عن الجولان والمعركة، وربما لم نكن نفهم يومها كل تعقيدات السياسة والحرب، لكننا فهمنا شيئاً بقي معنا حتى اليوم: أن سورية كانت تخوض حرباً من أجل أرض سورية، وهذا المعنى لا يجوز أن يموت.
أولاً – بين القائد والوطن:
قاد حافظ الأسد سورية في حرب تشرين، وهذه حقيقة تاريخية، ومن حق السوريين أن يختلفوا حوله، وأن ينتقدوا نظامه وسياساته، لكن هناك فرقاً أساسياً بين نقد الحاكم ومحو الحدث فالجيش الذي قاتل في الجولان لم يكن جيش شخص واحد، والذين استشهدوا لم يكونوا ملكاً لحزب أو رئيس، وعائلاتهم لم تكن تقدم أبناءها من أجل تخليد زعيم بل كانوا سوريين، وقاتلوا من أجل أرضهم، ومن هنا، فإن محاولة محو حرب تشرين من الذاكرة الوطنية بسبب موقفنا من حافظ الأسد تعني، من حيث لا ندري، معاقبة الضحايا والشهداء على شيء لم يختاروه، وبالتالي ليس من حق السلطة أن ترث الوطن، وليس من حق السلطة الجديدة أن ترث الذاكرة فتقرر ما الذي يجب أن يتذكره السوريون وما الذي يجب أن ينسوه، فالذاكرة الوطنية ليست ملكاً للحاكم، إنها ملك للشعب.
ثانياً – ماذا تفعل الأمم بتاريخها؟
لننظر إلى العالم… مصر لا تتعامل مع حرب أكتوبر 1973 باعتبارها ذكرى تخص الرئيس أنور السادات وحده، ولا باعتبارها مناسبة يمكن إلغاؤها لأن النظام الذي قاد الحرب أصبح جزءاً من التاريخ، وفي هذه الأيام، تحيي مصر الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر. وفي 2026 أصدرت القوات المسلحة المصرية بيانات رسمية بالمناسبة، ونظمت معرض «ذاكرة أكتوبر 2026» بمشاركة وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والثقافة والأزهر ومؤسسات مدنية وإعلامية ودور نشر، كما فتحت المتاحف والمزارات العسكرية للجمهور مجاناً خلال أيام الاحتفال، والمغزى هنا ليس أن مصر لا تراجع تاريخها أو لا تختلف حول سياسات قادتها، بل إنَّ المغزى أن الخلاف السياسي لم يؤدِّ إلى إلغاء الذاكرة الوطنية، وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن نفهمه في سورية، إذ يمكننا أن نختلف حول حافظ الأسد، كما يختلف المصريون حول السادات وعبد الناصر وغيرهما، لكن لا ينبغي أن يتحول الخلاف مع القائد إلى خلاف مع الجنود، ولا مع الشهداء، ولا مع الأرض، ولا مع الذاكرة، والأمر نفسه يمكن رؤيته في روسيا، ففي 9 أيار من كل عام لا تزال روسيا تحيي ذكرى الانتصار في الحرب العالمية الثانية، وهي ذكرى مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالدولة السوفياتية وبقيادة ستالين، رغم أن تقييم ستالين وإرثه السياسي والإنساني موضع جدل وانتقاد واسع، ومع ذلك، لم تؤدِّ مراجعة شخصية ستالين إلى إلغاء ذكرى ملايين السوفيات الذين قاتلوا وماتوا، وما زال يوم النصر من أهم المناسبات الوطنية الروسية، وهذه هي الفكرة ببساطة: يمكن أن تنتقد القائد من دون أن تمحو تضحية الشعب، ويمكن أن ترفض النظام من دون أن ترفض الوطن، ويمكن أن تعيد قراءة التاريخ من دون أن تلغي الذاكرة.
ثالثاً – حتى إسرائيل لم تستطع محو تشرين:
وإذا أردنا أن نعرف أهمية حرب تشرين، فلنقرأ ما كتبه الإسرائيليون عنها. الأرشيف الرسمي لوزارة الحرب الإسرائيلية يصف بوضوح كيف بدأت الحرب في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973 بهجوم سوري ومصري متزامن، وكيف فوجئت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وكيف واجه الجيش الإسرائيلي في الأيام الأولى قوات أقوى منه في ظروف شديدة الصعوبة، ثم بدأت الهجمات المضادة الإسرائيلية، وانتهت الحرب في 24 تشرين الأول، لكن الأهم هو ما تركته الحرب داخل إسرائيل، فقد أصبحت حرب 1973 مرتبطة بما عُرف إسرائيلياً بـ «الفشل»، وشُكلت لجنة أغرانات للتحقيق في الإخفاقات الاستخباراتية والعسكرية. وكان تقرير اللجنة أكثر من 1500 صفحة، وأصبح التحقيق نفسه جزءاً من الذاكرة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، ولم تتوقف إسرائيل عند التحقيق الرسمي، فأرشيف الجيش الإسرائيلي نفسه يعرض كتباً ودراسات عن الحرب، بينها كتاب «1973 – المعركة على الذاكرة» لغدعون أفيطال-إبشتاين، الذي يدرس كيف انعكست حرب تشرين في الثقافة الإسرائيلية منذ عام 1973، إضافة إلى أعمال تاريخية وشهادات ويوميات لقادة وضباط شاركوا في الحرب، أي أن الحرب لم تتحول عند الإسرائيليين إلى صفحة ينبغي إخفاؤها لأنها تذكّرهم بالإخفاق.
بل أصبحت موضوعاً للبحث والكتب والشهادات وإعادة التقييم، و إذا كان الإسرائيليون أنفسهم ما زالوا يدرسون صدمة تشرين وآثارها بعد أكثر من نصف قرن، فلماذا يراد للسوري أن ينسى؟
رابعاً – حرب تشرين في الذاكرة السورية لم تكن بيانات عسكرية:
لم تدخل حرب تشرين الذاكرة السورية من خلال البيانات الرسمية وحدها، بل دخلت من خلال الأدب والحكاية والصورة والبيت والمدرسة والجندي والأم والشهيد، إذ كتب عبد السلام العجيلي «أزاهير تشرين المدماة»، وكتب حنا مينه «المرصد»، وكتب علي عقلة عرسان «صخرة الجولان»، وتناولت أعمال أخرى الحرب والجنود والجبهة والفقدان والحياة السورية في زمن الحرب.
وهنا تكمن أهمية الأدب، فالتاريخ الرسمي يستطيع أن يقول لنا متى بدأت الحرب، وأين تحركت القوات، وما هي القرارات العسكرية والسياسية.
لكن الرواية والشعر والقصة تخبرنا ماذا شعرت الأم، وكيف عاش الجندي، وكيف انتظرت العائلة، وكيف دخلت الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، وهذه الذاكرة الإنسانية لا ينبغي أن تمحى بمرسوم، لأنها ليست ذاكرة رئيس، أو زعيم سياسي، بل إنها ذاكرة شعب، ومجتمع بكل مكوناته، وجغرافيته، وتاريخه.
خامساً – ما الذي جمع السوريين آنذاك؟
ربما هذه هي النقطة الأهم ، ففي تشرين لم يكن السوري يحتاج إلى أن يسأل الآخر: من أي طائفة أنت؟ ما مذهبك؟ ما قوميتك؟ إلى أي منطقة تنتمي؟ أي حزب تؤيد؟ بل كان هناك معنى أبسط وأكبر:
أنت سوري، وهذه أرض سورية، وهذا جيش سوري يقاتل من أجلها، و يعرف الجميع أن سورية لم تكن يومها بلا اختلافات، لكن الاختلافات لم تكن قد تحولت إلى هويات قاتلة تتقدم على الهوية الوطنية، وهذا هو ما نفتقده اليوم اذ نعيش زمناً أصبح فيه السوري، في بعض الأحيان، يُعرَّف أولاً بطائفته أو مذهبه أو إثنيته أو منطقته أو موقفه السياسي، قبل أن يُعرَّف بوطنه.
وقد شهدت سورية خلال ما يسمى المرحلة الانتقالية مجازر ذات طابع طائفي وتحريضاً وخطاب كراهية واستهدافاً لمكونات مختلفة، وأيديولوجيا شاذة تصنف أبناء البلد بالاعداء القريبين الذين يجب قتالهم، وغيرهم بالاعداء البعيدين، وفي مثل هذا الزمن تحديداً تصبح الذاكرة الوطنية أكثر أهمية، لا أقل، لأن المجتمع الذي يقتل أبناءه بعضهم بعضاً باسم الهوية يحتاج إلى أن يتذكر أنه كان، في لحظات أخرى، من تاريخه كتلة متراصة خلف أهداف وطنية كبرى !!
سادساً – حذف الذاكرة أخطر من حذف عطلة:
في عام 2025 أزيلت ذكرى حرب تشرين من قائمة العطل الرسمية في سورية، إلى جانب عيد الشهداء، في قرار أثار نقاشاً وانتقادات حول مصير الرموز الوطنية في المرحلة الانتقالية.
قد يبدو الأمر إدارياً: تعديل في التقويم، إلغاء عطلة، تغيير في المناسبات الرسمية، لكن المسألة أعمق من ذلك. عندما تحذف الدولة مناسبة وطنية، فهي لا تحذف يوماً من التقويم فقط، إنها ترسل رسالة حول ما ينبغي للمجتمع أن يتذكره وما ينبغي له أن ينساه، وهنا تكمن المشكلة، فإذا كان السبب هو أن المناسبة ارتبطت بالنظام السابق، فهذه حجة لا تكفي، لأن حرب تشرين لم تكن ملكاً للنظام السابق. كان فيها جندي من دمشق، وجندي من حلب، وجندي من حمص، وجندي من حماة، وجندي من الساحل، وجندي من الجزيرة، وجندي من السويداء، ومن كل أنحاء سورية، وكان بينهم أبناء مكونات سورية مختلفة، وهؤلاء جميعاً ليسوا جزءاً من النظام السابق، إنهم جزء من الشعب السوري، وإذا كان المطلوب اليوم بناء سورية جديدة، فإن بناءها لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ من كل ما هو مشترك في ذاكرتها.
سابعاً – في زمن الهويات القاتلة نحتاج إلى ذاكرة تجمعنا:
حين يصبح التحريض أسرع من المصالحة، وحين يمكن لكلمة طائفية على وسائل التواصل أن تشعل خوفاً عمره قرون، وحين يُقتل السوري بسبب هويته أو يُنظر إليه قبل كل شيء من خلال انتمائه، تصبح كل ذكرى وطنية جامعة ذات قيمة مضاعفة و تشرين واحدة من هذه الذكريات، لأنها تقول للسوري: لقد كنا معاً، وليس المقصود أن نعيد إنتاج الماضي، ولا أن نطلب من السوريين أن ينسوا جرائم الماضي أو خلافاتهم، بل المقصود أن نبحث عن الأشياء التي تستطيع أن تقول لهم:
أنتم أبناء بلد واحد، لديكم أرض واحدة، لديكم تاريخ مشترك، لديكم شهداء من كل المناطق والمكونات، ولديكم ذكريات لا يجوز أن تتحول إلى ملكية سياسية لأي طرف، وهذه هي الوطنية التي نحتاج إليها اليوم، ليست وطنية حزب، وليست وطنية طائفة، وليست وطنية سلطة، بل وطنية المواطن.
ثامناً – لا نريد تمجيد الماضي، بل استعادة ما كان يجمعنا:
إن إحياء حرب تشرين لا يعني القول إن كل ما جرى فيها كان مثالياً، ولا يعني تجاهل الخلافات بين سورية ومصر، ولا يعني أن الحرب حققت كل أهدافها، كما لا يعني تجاهل النتائج السياسية والعسكرية اللاحقة، بل يعني شيئاً أكثر تواضعاً وأهمية: أن نتذكر كيف استطاع السوريون أن يشعروا بأنهم شعب واحد، وهذه الروح هي التي نحتاج إليها، نحتاجها في الجيش، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي الإدارة، وفي السياسة، وفي الشارع، ونحتاجها عندما يختلف السوري مع السوري، كي لا يتحول الاختلاف إلى كراهية.
ونحتاجها عندما تختلف المكونات، كي لا يتحول التنوع إلى اقتتال، ونحتاجها عندما نختلف سياسياً، كي لا يتحول الخلاف إلى نزع للوطنية عن الآخر ولكل هذا فإن استعادة ذكرى تشرين ليست عودة إلى الوراء، إنها محاولة للعثور في الماضي على شيء نحتاجه في المستقبل.
أخيراً – لا تمحوا ما يجمع السوريين:
ربما يكون أخطر ما يمكن أن تفعله أي مرحلة سياسية جديدة هو أن تبدأ من فكرة أن كل ما سبقها يجب أن يُمحى، أن تمحى الأسماء، وأن تمحى المناسبات، وأن تمحى التضحيات، وأن تمحى الكتب، وأن يمحى كل ما ارتبط بالمرحلة السابقة، حتى لو كان ملكاً للشعب وليس للسلطة، لكن الأمم لا تبني مستقبلها بمحو ذاكرتها، إنها تبني مستقبلها بإعادة قراءة ذاكرتها، ولهذا يجب أن تبقى حرب تشرين في الذاكرة السورية، ليس لأنها حرب حافظ الأسد، وهذا حقه لأنه قادها، لكن
لأنها حرب السوريين، وليس لأن نظاماً سابقاً أقر الاحتفال بها، بل لأن آلاف السوريين قاتلوا فيها وماتوا، وليس من أجل إعادة إنتاج الماضي.
بل من أجل أن نتذكر أن هناك زمناً كان السوري فيه يرى في الآخر سورياً قبل أن يراه طائفياً أو مذهبياً أو إثنياً أو سياسياً، نريد فقط ألا ننسى السوريين الذين قاتلوا، وألا ننسى ما جمع السوريين، وألا نسمح للسلطة، أياً كانت، بأن تقول لنا إن علينا أن ننسى لأن ذاكرتنا لا تناسب روايتها السياسية، فالدولة التي تريد بناء مواطن لا يجوز أن تبدأ بتمزيق ذاكرته، وفي زمن القتل الطائفي والتحريض والكراهية، تصبح ذكرى تشرين أكثر من ذكرى حرب. تصبح تذكيراً بأن السوريين كانوا، في لحظة من تاريخهم، يداً واحدة وروحاً واحدة أمام قضية واحدة، وهذه الروح هي التي نحتاج إلى استعادتها اليوم، لأن ما يجمع السوريين ليس أقل أهمية مما يفرقهم، بل هو الشرط الذي يجعل اختلافاتهم قابلة للحياة داخل دولة واحدة، وإذا بدأنا بشطب كل ما يجمعنا، وكل مناسبة مشتركة، وكل ذكرى وطنية، وكل رمز عاشه السوريون معاً، فلن نبني دولة وطنية حديثة.
سنعود إلى ما قبل الدولة والمواطنة، إلى الهويات الأولية، إلى أن يصبح الانتماء الطائفي والمذهبي والإثني أقوى من الانتماء الوطني، إلى خيمة السقيفة !
من أجل كل هذا يجب أن نتذكر حرب تشرين.


