لم تعد الأزمة الأميركية–الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية تبحث عن مخرج سياسي، بل أصبحت اختباراً لحدود القوة العسكرية وقدرة الطرفين على تحويلها إلى مكاسب سياسية. فبينما تلوح واشنطن باستئناف الضربات، تتمسك طهران بشروط مسبقة لاستئناف المفاوضات، فيما تكشف رسالة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى محسن رضائي أن قنوات الاتصال لم تُغلق، رغم اتساع فجوة الثقة.
في تقديرنا، تكمن العقدة الأساسية في أن واشنطن تريد تنازلات إيرانية قبل تقديم ضمانات، فيما تريد طهران ضمانات ملموسة قبل التخلي عن أوراق قوتها. وبين الموقفين، يواجه دونالد ترامب معضلة استراتيجية: كيف يفرض شروطه من دون الانزلاق إلى حرب جديدة قد يصعب التحكم بنتائجها؟
أولاً – ماذا تريد إيران، ولماذا تضع الشروط قبل المفاوضات؟
تريد طهران تسوية تتجاوز وقف إطلاق النار إلى معالجة الجوانب العسكرية والاقتصادية والأمنية للأزمة. وتتمثل أبرز مطالبها، وفق ما نقلته التصريحات والتقارير الإعلامية، في:
1- إنهاء الحرب ووقف الهجمات على إيران والجبهات المرتبطة بالصراع.
2- رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية وإنهاء القيود التي تعطل تجارتها.
3- تخفيف العقوبات النفطية والاقتصادية واستعادة القدرة على تصدير النفط وتحصيل عائداته.
4- الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وتوفير مقابل اقتصادي ملموس للتسوية.
5- الحصول على ضمانات أمنية تحد من احتمالات استئناف الهجمات الأميركية والإسرائيلية.
6- ترتيب وضع مضيق هرمز بما يتيح استعادة الملاحة، من دون أن تتخلى إيران عن أوراقها الاستراتيجية مجاناً.
7- ربط هذه الإجراءات بتسوية أوسع لا تقتصر على الملف النووي، بل تشمل شروط إنهاء المواجهة وآليات تنفيذ الاتفاق.
ومن الضروري التنبيه إلى أن هذه قائمة لأبرز المطالب المتداولة، وليست نقلاً حرفياً عن وثيقة إيرانية رسمية منشورة تتضمن البنود السبعة بصيغتها النهائية.
ثانيا” – لماذا تصر طهران على هذه الشروط؟
يمكن تفسير موقفها بثلاثة اعتبارات رئيسية:
1- الخوف من تكرار تجربة الاتفاقات السابقة: تخشى إيران أن تقدم تنازلات نووية، ثم تعود العقوبات أو الهجمات، من دون أن تحصل على ضمانات قابلة للتنفيذ.
2- تحويل الصمود إلى مكاسب سياسية: تريد القيادة الإيرانية إثبات أن الضغط العسكري لا يكفي لفرض الاستسلام، وأن أي تسوية يجب أن تعكس مصالح الطرفين.
3- الاحتفاظ بأوراق الردع: يمثل مضيق هرمز، إلى جانب صادرات النفط والقدرة على التأثير في أمن المنطقة، ورقة ضغط مهمة في مواجهة التفوق العسكري الأميركي.
لكن لهذا الموقف محاذيره أيضاً:
1- التمسك بالشروط المسبقة قد يغلق باب التفاوض إذا اعتبرت واشنطن أنها مطالبة بتقديم تنازلات جوهرية من دون مقابل.
2- استمرار الحصار يفاقم الضغوط على الاقتصاد الإيراني ويزيد كلفة الانتظار.
3- استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط قد يوسع المواجهة ويضر بدول الخليج والتجارة الدولية، ويمنح واشنطن مبررات إضافية للتصعيد.
في تقديرنا، لا تسعى إيران إلى التفاوض بأي ثمن، لكنها لا تستطيع ضمان أن استمرار الحرب سيحسن موقعها إلى ما لا نهاية. فالتشدد قد يرفع كلفة الضغط الأميركي، لكنه قد يرفع أيضاً كلفة التسوية ويزيد مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ثالثا” – ماذا تريد الولايات المتحدة ؟
تريد واشنطن اتفاقاً يحد من قدرة إيران على تطوير برنامجها النووي من دون قيود كافية، ويعيد حرية الملاحة في مضيق هرمز، ويمنع تحول الضغط الإيراني على أسواق الطاقة إلى أداة دائمة لفرض الشروط السياسية، ويمكن تلخيص المطالب والأهداف الأميركية في أربع نقاط:
1- إدراج الملف النووي منذ بداية المفاوضات، مع التزامات إيرانية قابلة للتحقق.
2- إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، وعدم ترك أمن الطاقة رهينة للصراع.
3- الحفاظ على أدوات الضغط إلى حين التأكد من جدية الالتزامات الإيرانية.
4- التوصل إلى تسوية قابلة للدفاع عنها سياسياً، بحيث لا تبدو واشنطن وكأنها تخلت عن أهدافها بعد مواجهة مكلفة.
لكن هذه المقاربة تواجه ثلاثة محاذير:
1- مطالبة إيران بتقديم تنازلات نووية مسبقة، مع استمرار الحصار والتهديد العسكري، قد تعزز قناعتها بأن التفاوض لا يوفر الحماية.
2- التصعيد العسكري قد يحقق مكاسب ميدانية، لكنه لا يضمن فرض تسوية سياسية مستقرة.
3- استمرار اضطراب الملاحة والطاقة قد يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية على الولايات المتحدة وحلفائها، بدلاً من تحميلها لإيران وحدها.
وهنا تظهر المعضلة: تريد واشنطن منع إيران من الخروج من الحرب بمكاسب استراتيجية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى اتفاق يوقف التصعيد ويعيد الاستقرار إلى أسواق الطاقة والملاحة.
رابعا” – رسالة جي دي فانس ومأزق ترامب:
بحسب ما نشرته «وول ستريت جورنال» في 28 تشرين الأول/أكتوبر، ثم «نيويورك تايمز» في 29 تشرين الأول/أكتوبر، بعث نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رسالة إلى محسن رضائي عبر وسطاء قطريين، لاستكشاف إمكان استئناف المفاوضات. وأشارت التقارير إلى أن فانس أبدى استعداده لقيادة الوفد الأميركي، مع التأكيد على ضرورة إدراج الملف النووي في أي مفاوضات جديدة.
لا تمثل الرسالة اتفاقاً جاهزاً، بل محاولة لاختبار فرص التوصل إلى إطار تفاوضي يمنع استئناف الضربات. كما أن اختيار رضائي، المرتبط بالمؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية، يوحي بأن واشنطن تريد التواصل مع شخصية يُعتقد أنها قادرة على التأثير في مراكز القرار المتشددة.
لكن طريقة تعامل ترامب مع المبادرة أضافت قدراً من الغموض. فقد نقلت «رويترز» في 29 تشرين الأول/أكتوبر أنه قلّل من وصف التواصل بأنه مبادرة سلام، وربطه بالمساعدة في توفير الإمدادات الطبية للإيرانيين. وهذا لا يثبت وجود انقسام داخل الإدارة، لكنه يثير تساؤلاً عن مدى استعدادها لإظهار مبادرة سياسية واضحة.
ويكمن مأزق ترامب في ثلاثة اعتبارات:
1- التراجع من دون اتفاق: قد يُفسَّر داخلياً باعتباره فشلاً في فرض الشروط الأميركية.
2- استئناف الحرب من دون ضمان الحسم: قد يقود إلى مواجهة أطول، وخسائر إضافية، واضطراب أوسع في أسواق الطاقة.
3- تضارب الحسابات السياسية والاستراتيجية: فالضغط الداخلي المرتبط بالانتخابات وتكاليف الحرب لا يلغي اعتبارات الأمن الإقليمي والملف النووي.
في تقديرنا، يريد ترامب الاحتفاظ بخيار التفاوض من موقع القوة، مع إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً. لكن هذه المعادلة تصبح خطرة إذا اعتقدت طهران أن الرسالة ليست سوى وسيلة لكسب الوقت قبل الهجوم، أو إذا اعتقدت واشنطن أن التهديد وحده كافٍ لانتزاع تنازلات إيرانية !
خامسا” – أين تكمن فجوة الثقة، وكيف يمكن ترميمها؟
تظهر فجوة الثقة بين الطرفين في أربعة مستويات:
1- فجوة الالتزام: تخشى إيران أن تقدم تنازلات نووية ثم تعود العقوبات أو الهجمات، وتخشى واشنطن أن تخفف الضغط من دون الحصول على التزامات إيرانية كافية.
2- فجوة الترتيب: تريد طهران إجراءات اقتصادية وأمنية أولاً، بينما تريد واشنطن التزامات نووية مبكرة.
3- فجوة الضمانات: لا يثق أي طرف بأن الوعود السياسية وحدها تمنع الطرف الآخر من التراجع.
4- فجوة الأهداف: تريد إيران تسوية تعترف بمصالحها الأمنية والاقتصادية، بينما تريد الولايات المتحدة منعها من تحويل أوراق الضغط إلى نفوذ استراتيجي دائم.
ولا يمكن معالجة هذه الفجوات بتبادل الرسائل وحده. المطلوب آلية متبادلة الخطوات تتضمن:
1- وقفاً متبادلاً للهجمات، وتجميداً للتصعيد البحري.
2- إجراءات أميركية محددة بشأن الحصار والأموال المجمدة، بالتزامن مع خطوات إيرانية قابلة للتحقق بشأن الملاحة.
3- بدء مفاوضات نووية بجدول زمني واضح وآليات تحقق متفق عليها.
4- إنشاء قناة اتصال مستمرة وآلية لمعالجة الخروقات قبل أن تتحول إلى ذريعة لاستئناف الحرب.
ويمكن لقطر وتركيا وباكستان، إلى جانب أطراف دولية أخرى، أن تسهم في تيسير التفاهمات. لكن الوساطة لا تستطيع أن تعوض غياب الإرادة السياسية لدى الطرفين.
رأينا أن الثقة لن تُستعاد بمجرد اقتناع كل طرف بحسن نيات الآخر، بل عندما تصبح الالتزامات متبادلة وقابلة للتحقق، وتكون كلفة نقض الاتفاق أعلى من كلفة احترامه.
سادسا” – هل تتجدد الحرب؟ وما الذي يمكن أن تغيّره؟
تتزايد المخاوف من تجدد المواجهة مع التقارير عن تحضيرات عسكرية أميركية وتوسيع قائمة الأهداف المحتملة، بما يشمل منشآت حيوية للاقتصاد الإيراني. كما تحدثت تقارير عن دراسة استئناف الضربات بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
لكن يجب التمييز بين الاستعداد العسكري واتخاذ قرار نهائي بالحرب، فقد يكون التحضير وسيلة للضغط التفاوضي، وقد يكون استعداداً فعلياً لجولة جديدة. والخطر أن يتحول الضغط إلى مواجهة نتيجة سوء التقدير أو اعتقاد أحد الطرفين بأن الحرب باتت حتمية، وهنا يمكن تصور ثلاثة مسارات:
1- ضربة أميركية محدودة: قد تستهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات، لكنها قد تؤدي إلى رد إيراني يعقد المفاوضات بدلاً من تسهيلها.
2- تصعيد إقليمي متبادل: قد يمتد إلى الأصول الأميركية والموانئ ومنشآت الطاقة والملاحة، بما يرفع كلفة المواجهة على دول المنطقة.
3- حرب استنزاف طويلة: قد يلحق الطرفان أضراراً متبادلة من دون أن يفرض أحدهما تسوية نهائية، وهو السيناريو الأكثر خطورة على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وتبقى ثلاثة آثار محتملة شديدة الأهمية:
1- اضطراب مضيق هرمز وأسواق الطاقة، بما يرفع تكاليف النفط والغاز والنقل والتأمين.
2- اتساع رقعة المواجهة، إذا طالت الضربات والردود البنية التحتية الحيوية أو المصالح الإقليمية.
3- تراجع فرص التسوية، لأن كل جولة عسكرية جديدة تزيد الخسائر والضغوط الداخلية، وتعمق الاعتقاد بأن الطرف الآخر لا يحترم التزاماته.
وقد تدفع الحرب إيران إلى تقديم تنازلات إذا أصبحت كلفتها غير محتملة، لكنها قد تدفعها أيضاً إلى التشدد وتوسيع الرد. وبالمثل، قد تحقق واشنطن مكاسب عسكرية، من دون أن تضمن ترجمتها إلى اتفاق سياسي.
لذلك، لا نرى أن تجدد الحرب سيحسم بالضرورة الصراع لمصلحة أي طرف، بل قد يرفع سقف المطالب ويقلص هامش المناورة، في وقت يحتاج فيه الطرفان إلى مخرج سياسي.
سابعا” – هل لا تزال التسوية ممكنة؟
لا تزال التسوية ممكنة، لكنها تحتاج إلى تغيير في منطق التفاوض، لا مجرد العودة إلى الطاولة بالشروط نفسها ، وتتطلب، في تقديرنا، ثلاثة مبادئ أساسية:
1- التزامن بدلاً من الإملاء: لا تقدم إيران تنازلات استراتيجية بلا مقابل، ولا تحصل واشنطن على تخفيف الضغط من دون التزامات واضحة.
2- التحقق بدلاً من الوعود: يجب أن تتضمن التسوية آليات عملية لمراقبة التنفيذ ومعالجة الخروقات.
3- شمول الملفات المترابطة: لا يكفي الاتفاق على الملف النووي إذا بقيت الملاحة وأمن الخليج والجبهات الإقليمية أسباباً مفتوحة للتصعيد.
وتكتسب رسالة فانس أهميتها من أنها قد تفتح قناة سياسية مع شخصية إيرانية نافذة. لكن نجاحها يتوقف على تحويل التواصل إلى مفاوضات واضحة الأهداف، وعلى استعداد واشنطن لتقديم خطوات ملموسة، واستعداد طهران للتعامل مع الملف النووي ضمن تسوية أوسع.
خاتمة: من اختبار القوة إلى اختبار السياسة
تكشف الأزمة أن القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعني القدرة على فرض تسوية نهائية عليه. فالولايات المتحدة تستطيع ممارسة ضغط عسكري واقتصادي واسع، لكنها لا تضمن إخضاع إيران سياسياً. وإيران تستطيع رفع كلفة المواجهة، لكنها لا تستطيع تجاهل أضرار الحصار أو ضمان السيطرة على مسار التصعيد.
في تقديرنا، لا يزال المسار الدبلوماسي ممكناً، لكنه يضيق مع كل خطوة عسكرية جديدة. ومأزق ترامب أنه يريد تنازلات إيرانية ملموسة من دون أن يبدو متراجعاً، فيما تريد طهران ضمانات ومكاسب قبل التخلي عن أوراق الضغط.
الخطر الأكبر أن يعتقد الطرفان أن التصعيد سيحسن شروط التفاوض، بينما يقود عملياً إلى توسيع الحرب وتقليص فرص التسوية. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي ليس من يستطيع توجيه الضربة الأقوى، بل من يستطيع تحويل ميزان القوة إلى اتفاق قابل للاستمرار. فالتسوية التي لا تعالج فجوة الثقة، ولا تقوم على التزامات متبادلة قابلة للتحقق، لن تكون سوى استراحة مؤقتة بين جولتين من الصراع. أما الانتقال من منطق الإملاء إلى منطق المصالح المتبادلة، فقد يمنح رسالة فانس فرصة لأن تصبح بداية مسار سياسي يمنع حرباً جديدة، بدلاً من أن تكون مجرد محطة تسبقها.


