تحت وطأة القلق من الحالة الخطرة الناشئة عن عدم التوازن في الصراع للسيطرة على الشرقين الأدنى والأوسط، تبرز تساؤلات عن سبب غياب الفعل الروسي بمواجهة التنمّر الأميركي – الصهيوني الذي بلغ درجة لا تصدق في الهلال السوري الخصيب. ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية ما عادت ملتزمة بالقوانين والأعراف الدولية، ولا تحمل شعوراً إيجابياً تجاه المنظمات العالمية بما فيها الأمم المتحدة. وهي تتصرف بما تمليه عليها مصالحها المتناغمة أحياناً مع المصالح الإسرائيلية. كانت التساؤلات حول الدور الروسي تُطرح بين الحين والآخر كلما وقع حدث يُظهر الخلل لصالح أميركا والمعسكر الغربي عموماً في السياسات الدولية، إلى أن بلغ الأمر خلال السنوات القليلة الماضية حد اندماج التساؤلات بالعتب أحياناً وبالشكوك في معظم الأحيان! وأصبحنا نسمع أو نقرأ: أين موسكو من كل ما يجري في المشرق؟ لماذا تتردد في دعم الشعوب التي تقف في وجه العربدة الأميركية – الإسرائيلية؟ وهل يمكنها احتواء تفشي الممارسات العدوانية وانفلات الغرائز كما حدث في الشام والعراق وفلسطين ولبنان؟ والأهم من ذلك، هل تقف إلى جانب حلفائها في حال تعرضهم لتهديد أميركي مباشر؟
أتاحت اضطرابات الشام الفرصة أمام موسكو للرد على بعض التساؤلات بتدخلها العسكري القوي. ثم أظهرت الحرب في أوكرانيا قدرة روسيا على الفعل وليس رد الفعل فقط، كما كان الأمر في الشام. هذه الخطوات اتخذت قبل عشر سنوات (الشام) وقبل حوالي أربع سنوات في أوكرانيا، وما زالت مستمرة. إذاً، كيف نفسر ونفهم السياسة الروسية الحالية إزاء توسع نطاق التدخل الأميركي على مستوى العالم؟
هناك رأي أبداه لي أحد الرفقاء، يقول: “الملعب الروسي هو أوروبا أولاً، وتحديداً جبهتها الغربية والجنوبية الغربية أي أوكرانيا ومنطقة القرم. بعد ذلك تأتي المناطق الأخرى، آسيا الوسطى، الصين، الشرق الأوسط. وبعد ذلك تأتي مناطق بعيدة مثل أميركا اللاتينية. وما تريده أولاً هو وقف التمدد اليورو – أميركي على جبهتها الغربية”. طبعاً ثمة جوانب أخرى سنلامسها أدناه.
ولكي تتضح الصورة أكثر، دعونا نتذكر خلفيات الأحداث التي أوصلتنا إلى الوضع الراهن.
عندما سقط الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينات القرن الماضي، وتفككت المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية، تعالت أصوات المفكرين الغربيين (الأوروبيين والأميركيين) بالحديث عن “نهاية العالم” و”صراع الحضارات” و”أحادية القوة والهيمنة العالمية” كما تمثلها الولايات المتحدة الأميركية. وعلى الفور، تقبل العقل السياسي هذه “الحقائق”، وقام على ضوئها بإعطاء تفسيره المنحاز والخاص للوقائع، خصوصاً وأن روسيا خرجت منهكة ومفلسة بفعل الفساد الذي رافق الانتقال إلى النظام الرأسمالي، في حين كانت الصين تتحفز للخروج من عزلتها الداخلية متجهة نحو التحديث والإصلاح والتفاعل الخارجي.
في تلك الفترة، لم يكن النظام الشيوعي وحده الذي سقط في أوروبا الشرقية وأنحاء أخرى من دول المنظومة الاشتراكية، وإنما سقط معه النظام الدولي الذي حكم العلاقات العالمية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من الترويج الواسع لفكرة الأحادية الأميركية المهيمنة، إلا أن الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن أظهرت أن للولايات المتحدة قدرات عسكرية جبارة مؤثرة في توجيه السياسات العالمية. ولكن ذلك لا يُعتبر بديلاً لنظام دولي جديد يقوم على توازنات تختلف عن تلك التي أدت إلى قيام توازن الرعب النووي في خمسينات القرن الماضي، وبعد ذلك تم التوصل إلى نوع من الخصومة المنضبطة والتفاهم في الحد الأدنى.
مضى ربع قرن على الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة، ولا شك في أن تداعياتها غيّرت صورة العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويمكننا التأكيد على أن تطورات الأحداث تكاد تعادل أو تفوق ما حققته البشرية منذ القرون الوسطى، أو لنقل منذ اندلاع غزوات الفرنجة (الصليبيين) باتجاه بلاد الشام والديار المصرية. وساهمت الثورة التقنية الهائلة في قلب المعادلات والتوازنات رأساً على عقب، فاختلت قواعد اللعبة بين واشنطن والعالم. لقد حققت الدول الكبرى قفزات واسعة لتضييق الهوة التقنية التي عانت منها غالبية القوى، وباتت قريبة للغاية من حدود قدرات الأحادية الأميركية. وبناء عليه نشأ شكل هرمي تتربع على قمته (حتى الآن) الولايات المتحدة… في حين تتسلق الصين بسرعة حتى لتكاد أن تلامس الأطراف الأميركية.
لم يبقَ هذا “الهرم الدولي” على ثباته طويلاً، إذ إن التبدل هو من طبيعة العمل السياسي الاستراتيجي، ومن نتائجه. فبينما كانت الولايات المتحدة تتورط في حروب عديدة مفتوحة مع كل ما يرتبط بها من إشكالات وأثمان باهظة، كانت القوى الأخرى تسرّع وتنوّع خطواتها للإصلاح والتنمية والتحديث: روسيا، الصين، اليابان، الهند، ألمانيا (الموحدة)… وإلى حد أقل: البرازيل، جنوب أفريقيا، باكستان، كوريا الجنوبية، تايوان…إلخ. وقد وضعنا اليابان وألمانيا في هذا “الهرم” لأنهما تخلصتا أخيراً من القيود والضوابط التي كانت مفروضة عليهما بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية. وتجدر الإشارة إلى أن قرار تحطيم قيود الهزيمة أو حلحلتها قليلاً كان بتشجيع من واشنطن.
هذا الوضع المستجّد ما كان له أن يستمر من دون وقوع مواجهات على المستوى الإقليمي، حماية للمصالح الذاتية أو منعاً للآخرين من الوصول إلى تلك المصالح. وسرعان ما تصاعدت عناصر التوتر عندما أخذت القوى الكبرى تتدخل عسكرياً في مناطق النزاع حيث توجد لها مصالح أو إستباقاً لأحداث قد تعود بالضرر على مصالحها الحيوية. ومن الأمثلة على تلك التدخلات: البوسنة والهرسك، صربيا، ليبيا، أفغانستان، العراق، الكويت، سوريا، لبنان… وهكذا اختلط الحابل بالنابل، وزاد تعقد الأمور خصوصاً مع تواجد قوات أميركية في نطاق جغرافي تتواجد فيه القوات الروسية، كما في سوريا. ولمّا اندلعت الحرب في أوكرانيا، أدرك الجميع أن الظرف الذي يؤدي إلى وضع روسيا النووية في مواجهة الأطلسي النووي أيضاً هو أمر في غاية الخطورة، بل هو الخطر المصيري بعينه.
ونظراً إلى العجز التاريخي في الأمم المتحدة، وبغياب النظام الدولي كمنظم للعلاقات وضابط للتوترات، كان من المفترض بل من الحيوي، إيجاد آلية لتهدئة بؤر التوترات ريثما تستطيع الأطراف المعنية من خلق الأجواء المناسبة للبحث في نظام عالمي مقبول على المستوى العام. ويبدو لنا أن بداية ما قد تحققت، أو أنها في مرحلة متقدمة من التفاهم ين واشنطن وموسكو: من ليبيا إلى سوريا إلى أوكرانيا، مروراً بغزة واليمن ولبنان، وصولاً إلى العراق وإيران وأفغانستان… ولا ننسى أميركا اللاتينية. هناك مشاريع معلنة يتم التصويت عليها في مجلس الأمن، وأخرى يقررها في الغرف المغلقة خبراء من البلدين.
ويُعرب أحد الرفقاء عن اعتقاده: “بأن روسيا قررت شراء أوكرانيا والقرم عبر بيع نفوذها في الشرق الأوسط إلى تركيا وأميركا، شرط الحفاظ على موطئ قدم لها في مناطق تعتبرها مهمة مثل الساحل السوري. إذن، وإلى أن تنتهي موسكو من ترسيخ قدميها على حدودها الغربية، لا وقت لها ولا قدرة على المنافسة في مناطق أخرى أقل خطراً على وجودها من أوكرانيا”. كما أنني كنت قد قرأت لبعض المحللين أن أجواء التعاون بين موسكو وواشنطن إنما هي انعكاس للعلاقة “الخاصة” بين الرئيسين ترامب وبوتين، وقد لا تستمر بعد غياب أي منهما عن الساحة السياسية!
ربما؟
لكن التفاهمات التي ستُتخذ بالنسبة إلى الملفات التي ذكرنا بعضها أعلاه، تعطينا انطباعاً بأنها جزء من تسويات إقليمية تضع نصب أعينها إنشاء نظام إقليمي محلي يضبط الأمور ويرعى المصالح الدولية المتبادلة. وفي حال رسوخ مجموعة من الأنظمة الإقليمية، ستكون السبل مسهلة إما لإدارة تلك المنظومات أو إدماجها لاحقاً في نظام عالمي جديد! ونحن نعتقد بأن سياسات روسيا في هذه الفترة تشكل مساهمتها الهامة لإنشاء النظام الجديد للعالم الجديد…


