لطالما مارسَ العقل الجماعي السّياسيُّ، الملطَّخة جنباته بنزعات “الحقِّ والأفضليَّة”، سلوكَ المكابرة في مواجهة التّحولات التّاريخيَّة الكارثيَّة، دون أدنى قدرة على مراجعة الذّات بموضوعيَّةٍ، وهي على كلِّ حال نقيض لها (الذات/الموضوعية).
في كتابه “حرب الخليج.. أوهام القوّة والنّصر” الَّذي يتحدَّثُ بالتَّفصيل عن حرب “عاصفة الصَّحراء” لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991 وفي معرض تعليقه على رفض العراق للانسحاب من الكويت قبل وقوع الحرب، طرح المفكِّر السّياسيُّ العربيُّ الأبرز، محمد حسنين هيكل السّؤال التالي:
“إذن لماذا لا ينسحب العراق (من الكويت) وكل هذه الأهوال أصبحت من حوله!!”
ثم يجيب هيكل بنفسه على سؤاله، فيقول: “إنّ وجود القوات الأمريكيّة الآن في السّعوديّة على مقربة من مكّة والمدينة مسألة تجرح شعور المُسلم.. وفي هذه الظّروف تكون الرّموز أكثر قدرة على التّفجير من القذائف، إنّه لأمر مستبعد أن ينسحب العراق أمام التّهديدات الأمريكيّة.
إنّي أخشى أنّ التّصعيد الاستفزازي للتّكتيكات الأمريكيّة، ستجعل السّلوك غير العقلاني هو سيّد الموقف. ولنتذكر أنّ الشّعب في اللّحظات الفاصلة، يرحّب بالشّهادة، كمُمارسة للتّحدي”
إذا.. فهيكل يضرب هنا وترين بريشة واحدة.. الذّات المؤمنة من جهة، واستجابتها المُنفعِلة للاستفزاز من جهة ثانية مُتَمّمَة.
كانَ الرئيس العراقي الشّهيد صدام حسين، قد أجاب بنفسه على تقييم هيكل السّابق، وأكَّد صِحّتَه عندما خطب قُبيل الحرب متحدياً العالم، وَقال في خطابه ذلك بالحرف: “أمّا أساطيل أميركا وجيوشها.. فإنّها لن تزيدنا نحن ورفاقنا في القيادة وشعبنا في العراق العظيم، إلّا إيماناً بالطّريق الّذي اخترناه”
بعد ذلك دخل العراق العظيم في حربٍ شرسةٍ طويلةٍ، استمرّت من شباط 1991 حتّى نيسان عام 2003 تمّ خلالها تدمير العراق وتجويعه وقتل شعبه بدون رحمة (تعرَّض العراق لأكثر من 75 ألف غارة خلال الفترة بين 1991 و2003 تضمنت أيضاً عملية “ثعلب الصحراء” 1998 ما يدفعنا لاعتبارها حرباً واحدة طويلة) إلى أن دخل الجيش الأميركيّ في النّهاية مع الجيش البريطانيّ، لاحتلال وتدمير الدّولة والمجتمع العراقيين بصورة كارثيّة، يصعب تخيُّل استعادة بنائهما من جديد، لأنَّ التَّحولات الدّرامية القاسية على مستوى ذلك الكائن شديد الرّهافة (المجتمع) لا يمكن أن تكون عكوسة بحال من الأحوال، فالهدم هنا ليس من أجل البناء، ولكن من أجل المزيد منه (الهدم)، وهذا يحدث بطريقة علميّة منطقيّة، وعلى محورين، فاعلٌ مقصودٌ ومبرمجٌ من قبل المهاجم الهدّام، وَمنفعلٌ ذاتيٌّ لا إراديٌّ، ولكنَّه استجابة حقيقيَّة للتّكسير، تقوم فيه الشّعوب والمجتمعات عندما تُمارسة المزيد من التكسير بحقِّ نفسها، وتحديداً عندما تفتقر للعمق الاستراتيجيِّ والحيويِّ الدّاعم، الّذي يستطيع تدوير سير المعادلات باتّجاه التنمية، إذا أراد، كما حدث مع اليابان وأوروبا عقب انتهاء الحرب العالميَّة الثّانية، يوم قرّرت الولايات المتّحدة أن تستوعب كارثة الحرب فيهما لصناعة حديقة خلفيّة مريحة وَمُطَمئِنَةٍ لها، في مواجهة المعسكر الشّرقي الّذي كانت تتلمَّسُ تشكلَهُ تحت أنقاض أوروبا الشّرقية وآسيا.
خلال تلك السّنوات الاثنتا عشرة مارس العراق المزيد من التّشبّث بمواقفه، فيما يمكن وصفه بـ “التّعنّت” الذي بدا واضحاً أنّه لم يكن تعبيراً عن صلابة داخليّة تُذكر، بقدر ما كان استجابة وحيدة لخيار الاستفزاز والاستعداء الاستراتيجي الغربي، فالشّعوب والدّول والزّعماء، نادراً ما قرّروا الاستسلام ببساطة، خاصّة وأنّ مواقفهم كانت دائماً مدعومة بسلوك العدو الذي يخلق لها كلّ المبرّرات الوطنيّة والأخلاقيّة أيضاً، فتبدو المواجهة بالنّسبة لها كصراعٍ على الوجود، وهو أمر يكاد يكون حقيقة على كلّ حال، فما هو حال العراق بعد غزوه وتحطيمه، وما هو حال سورية مثلاً أو غزّة، إذا لم نقل فلسطين.. حيث يُمثّلُ أيضاً هذا الاستبدال المؤلم لاسم ولجغرافيا ولمجتمع فلسطين، بجزء صغير منها هو غزّة، كوريثة غير شرعيّة لصراع البقاء والوجود، الّذي بدأ يتَّخِذُ أشكاله النّهائيَّة، كأرض تكاد تخلو من أصحابها، أو من أدوارهم على أقل تقدير، بينما يتسابق أشقاؤهم الأقربون في دفع بعضهم البعض باتّجاه “السّلام”. يحدث كلّ ذلك أيضاً في أعقاب إصرار بعض هؤلاء الأصحاب (أصحاب الأرض) على المواجهة بالطّريقة الّتي يرغب فيها العدو، لا بل ويشتريها باستفزازاته الاستراتيجيّة.
لقد تمَّ بنفس الطّريقة الذّهاب بلبنان المقاوم (وهو لبنانين على كلّ حال) إلى خيار الانتحار الجماعيِّ على صخرة الاستدراج المعادي لحربٍ غيرِ متكافئة، ليس بالعقيدة والإرادة بأي حال من الأحوال، فالمقاومة اللّبنانيّة امتلكت أعلى درجات العقيدة وإرادة القتال تنظيميّاً وشعبيّاً أيضاً، حتّى أن ذلك استُخدِمَ بحدِّ ذاته كأداة للاستدراج القاتل. لنا أن نتخيّل المشهد فيما لو أنَّ المقاومة اللّبنانيّة استعاضت عن خيار “المساندة المفتوحة” بخيار الدّعم اللّوجستيّ، والتّأييد السّياسيّ، مع وتيرة مدروسة من الجهد المقاوم على جبهة مزارع شبعا وتلال كفر شوبا اللبنانيّتين، كما كان الحال قبل عام 2000.. تَخَيُّلٌ ليسَ صعباً، ولكِنَّ عدم امتلاك رؤيته كان هو الأشدُّ صعوبةً ودماراً.
إذا قمنا بحطِّ الرّحال الآن في سورية المكلومة بنفسها، سنجد أنّنا أمام مشهدٍ شديد القسوة في تطابقه مع المشاهد العربيّة الشّقيقة له حتّى في المصير، وأقصد العراق ولبنان وفلسطين، مع نهاية تبدو اليوم من الأكثر دماراً وضياعاً، بعد حرب هي الأطول والأشد شراسة خلال القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين، حيث استمرّت الحربان العالميتان مع بعضهما أقلَّ من 11 سنة، في حين أنَّ حرب الخليج الأولى والّتي تمَّ تصنيفها كأطول حربٍ إقليميَّةٍ في القرن الماضي استمرّت 8 سنوات.
لقد قاتل السّوريّون ببسالة جيشاً أميركيّاً كبيراً، مَثَّلَ بعضُ السّوريين والعرب والايغور والشّيشان.. الخ، فصيلاً ميدانيّاً انتحارياً مِنه، فيما كانت بقيّة قوّاته الجبارة تتوزّع على القوّة العسكريّة الحاسمة لإسرائيل، وعلى الجيش والدّولة التّركيَّين، وعلى كلّ ما أمكن حشده من ضغوطٍ وعقوباتٍ وحصارٍ، عبر المؤسّسات والمنظّمات (بما فيها الجامعة العربيّة) والوكلات الدّوليّة، ومن خلال كلّ الحكومات القريبة والبعيدة، وجيوشها الإعلاميّة والافتراضيّة… الخ، إضافة إلى ذلك الطّابور الخامس الوضيع الّذي كان متواجداً ومتواطئاً للقتال مع أميركا، من داخل المجتمع السّوريّ ومؤسّساته وجيشه وأجهزته الأمنيّة، بصورة مباشرة (العملاء) أو غير مباشرة (الفاسدون والأغبياء).
حربٌ صُمِّمَت لكي تنتهي برابح واحد، هو الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ولقد فعلت ذلك بالتّأكيد. اليوم يمكننا بمرارةٍ أن نقول عنها بأثرٍ رجعيٍّ.. ما نقول، من الشّجب والنّقض والتّفنيد وادّعاء امتلاك الرّؤية الأفضل فيما يَخصّها ويخصُّ القرارات الّتي اتّخِذَت فيها، بدءاً من قرار المواجهة والصّمود، وصولاً إلى التّحالفات ورفض التّنازلات وَتجنُّبِ المساومات، المبني على تصوّرٍ مُسبَقٍ بأنَّ الهزيمة هي مصيرها المحتوم.. وَلكِنَّ نابليون بونابارت وهو القائد الّذي تمكَّنَ بصورة أسطوريّةٍ، من قيادة شعبهِ لعددٍ كبيرٍ من المهالِكِ العسكريَّةِ والحروب المدمّرة، كان قد قال:
“إنَّ العِلم المُسبق بعدمِ إمكانيّة الانتصار في حربٍ، لا يُفقِدُها مشروعيّتَها”
يا لَهُ مِن تَبريرٍ مُقنعٍ مُؤلمٍ.. وَمُريب.


