اطَّلع مُعظم السّوريين خلال الأيام الماضية على ما سُمِّيَ “إعلان تأسيس الكتلة الوطنيّة السّورية” إعلان لا يسعه أن يَمُرّ على أيّ سوريٍّ، يمتلك معرفةً مقبولةً بتاريخ سورية المعاصر، دون أن يغمِز له بتلك الذّكريات المشغولة، عن مرحلةِ العقود الثّلاثة، الثّالث والرّابع والخامس، من القرن الماضي، حيث وُلِدَت الكتلة الوطنيّة وقتها، ثمّ انقسمت على نفسها، وَبعد ذلك تشظَّت وَتشرذَمَت وغابت في غياهب تاريخٍ، لا يُمكن لمن يدرسه بتأنٍّ وعقلانيّةٍ وَسِعَةِ اطّلاعٍ، إلا أن يَضَعه في إطاره الموضوعيّ المُتمثّل في أفول سلطة الاحتلال العثمانيِّ، وَدخول الاحتلال الفرنسيِّ، وَالطّبقة “الارستقراطيّة” الّتي وُلِدت وَعاشت في كنف سُلطَتَي الاحتلال على اختلافِهما الجذريِّ في الشّكل وّالتّطوّر التّقنيِّ، وَتطابُقهما في جوهرِ التّسلُّطِ وَالسّلب وَالوحشيّة. بعضُ التّنوّع يعتري مَشهد تلك الطّبقة الصّغيرة جدّا من “النّخبة” السّورية، لجهة وجود بعض الوجوه المُحصَّنة بالوطنيّة والمبادئ، وبعض آخر لم يَكُن سوى فئة صَنعتها ديناميكيات التّعامل مع الاحتلال، وَالتّمتع بشرعيّة يُضفيها هو عليها، دون مواربة في قراءة المشهد التّاريخيِّ، خاصَّةً عندما تلجأ تِلك الأقليّة إلى التّناغم “العاقل” مع أوامر الاحتلال.
عِندما وجّه الجنرال الغازي غورو إنذارَه الشَّهير في 13 تموز 1920 إلى حكومة المملكة العربيَّة السّوريّة، الّتي كان يرأسُها هاشم الأتاسي، مُطالِبا إيّاها بالاستسلام، كان أن قرَّرت تلك “الحكومة الوطنيّة” بَعد 7 أيام في 20 تموز حلَّ الجيش السّوريِّ، إذعانا “واقعيّا” لِسلطة الاحتلال، حتّى قبل أن يحدُث.. حيث بدأت القوّات الغازية تحرُّكها من شاطئ بيروت باتّجاه دمشق صبيحة اليوم التالي 21 تموز، وكان أن أطبقت قبضتها على دمشق وَدخلتها في 25 تموز على جثامين وزير الدّفاع السّوريّ الأسطوريّ يوسف العظمة، وَثُلَّةٍ من ضبّاط وَعناصِرِ جيشِه البطل. العظمة الّذي رفض قرار الحكومة منفردا، بذل حياتَه بسخاءٍ رفضا لدخول المحتلّين إلى دمشق بالمجّان، فأعطى هو لِلمدينَة جُرعةً من الشّموخ في تاريخها الطّويل، بينما انتقل الأتاسي صاحب قرار الإذعان، برشاقَةٍ إلى معسكر “النُّخبة” السّياسيَّةِ السّورية القليلة، العابرة بين زَمَنَي الاحتلال، وَالّتي بقيَت “تُقارِعه” بالوسائل الدّيبلوماسيّة، وَتَنَقَّلَ مُمَثِّلوها بين فنادق باريس مُعتمرين “شابويات” الغرب، وَياقاتُهم معقودةٌ بِربطاتِ العُنق الأنيقة. في نفس الأثناء، كان المهاتما غاندي يَتَوزَّرُ ثوبَه البَسيط، وَيتقدَّمُ شعبهُ حافيا في “مسيرة الملح” للعصيان على الاحتلال البريطاني لِلهند.
إنَّ هذه العودة الخاطفة إلى هاتيك المرحلة من تاريخ سورية، وَخصوصاً فيما يخصُّ كُتلتها الوطنيَّة، جاءَت استِجابةً لِتلك المُحاولة الظّاهرة لِمغازلة حيِّزٍ ما من وعي شريحة من السُّوريين، لا بد أن من اختار اسم “الكتلة الوطنيَّة” اليوم، قد استهدفها. وكاتب هذا المقال يُدرك تماماً أنَّ هذه المحاولة للإغواء سوف تلاقي لها بعض الصَّدى في عقول بعض السّوريِّين، خاصَّةً في ظِلِّ السَّرديَّةِ الّتي تَمَّ الشُّغل عليها خلال العقود الماضية، عن “فترة الاستقلال وَالحكم الوطنيّ وَالدّيمقراطيّة” ضمن إطار السَّعي الحثيث لِمُقارعة سُلطة البعث، الّتي كانت تُمَثِّلُ نقيضاً للأرستقراطيّة الضَّيِّقة، فهوَ حزب العمال وَالفلاحين، وإن كان بدوره وَخِلال عقودٍ من وجوده في السُّلطة، قَد خلَقَ له “نخبةً” ما جديدة، كان لها ممارساتها السَّيِّئة، بِرغم أنَّه حزب يؤمن بالطَّليعة وَليس بِالنُّخب. وَلكِنَّه كان لِزاماً علينا أن نُميط اللِّثام عن وجهٍ من وجوه تلك الشَّخصيّات التّاريخيَّة الّتي قادت الكتلة وَقتها، وَكمثالٍ عنها، مؤسِّسُ “الكُتلة الوطنيّة” هاشم “بيك” الأتاسي.
بالعودة إلى شكل الكتلة الحاليَّة، لا يَستطيعُ باحثٌ موضوعيٌّ أن لا يقرأ فيها تنوُّعاً ملحوظاً لأعضائها، وَاتّسامَهُم بالعلمانيَّة وَالثَّقافة وَالأدوار المَعروفة في الحراك السّياسيِّ السُّوريِّ خلال العقدين الماضيين، حيث يبرز أيضاً اتّكاء المؤسسين على عناصرَ تبدو إيجابيَّةً، كالسّياسي وّالحقوقيِّ هيثم المنّاع، أو بعض قيادات الحزب السّوري القومي الاجتماعي مِثل الأستاذ طارق الأحمد. فهذه أسماء لها حيِّزٌ كبيرٌ من الاحترام وَالقبول لدى شريحةٍ واسعةٍ من السُّوريّين. وَلكِنَّ الأهم من كلِّ ذلك هو البحث في بعض الأفكار الّتي تَمَّ طرحُها على الإعلام منذ أيام.
كان أهمَّ ما لفتَ نظري هو منطق وَلغة المُبادرة سياسيّاً، منطقٌ سيطرَتْ عليه لُغةُ مَنْ يملك القرار أو صاحب التَّمثيل. فالأخوة أصحاب المبادرة قدّموا بياناً وَنقاطاً تَفصيليَّةً له، لا تَتَحدَّثُ عن السَّعي وَالنِّضال للوصول إلى أهدافٍ يعتَقِدً واضِعوها أنّها تَخدُم الشَّعب السّوريّ وَتحقِّق مَصالِحه، وَلكنَّها اتّسمت بالإقرار وَالتّوكيد وَكأنَّ ما يقولونه هو ما سيحدُث ببساطةٍ، فبدا المشهد وَكأنَّه قراءة للبيان الأول بعد استلام مجلسِ حُكمٍ انتقاليٍّ في سورية. ثم تابع الأخوة المحترومون حديثهم عن تصوُّرٍ مفرِطٍ في المثاليَّة، يتضمَّن إقراراً بمبادئ سامية لطالما تَغنَّت بها الأدبيات السِّياسيَّة، وَخاصّة الثَّوريّة مِنها أو الانتخابيّة. هي وبرغم أنّها لا تحمِلُ جديداً يُحسب لِمَن أعدَّها وَاشتغل عليها، فهي تسقط أيضاً في حفرة الانفصال عن أمرين، هما الاعتراف بالواقع وفهمه من جهةٍ، وَلزوم وضع تصوُّرٍ لبلوغ مثل هذه المبادئ وَالتّرتيبات، دون الوثوب فوق المستنقع السّوريّ الآسن، فما يحتاجه السّوريّون اليوم ليس ما يُطرِبُ مسامع بعضِهِم من كلامٍ جميلٍ موجودٍ في المراجع وَفي أدبيات الأحزاب السّياسيّة في اسكندنافيا، وَلكِنَّهم توّاقون لسماعِ مَهَرَةٍ وَمختصين وَقادةٍ، يَجترحون الأفكار من قلب الدّمار، فبلوغ القيم لا يَتِمُّ بالتَّغني بها وَالتوكيد عليها، ولكن بابتكار الأساليب المُناسبة لتحويلها إلى أهدافَ محقَّقَة، انطلاقاً من الواقع الخاص المُرتبط بالمكان وَالزَّمان الّذي تُعنى به.
في الحديث عن المبادئ فوق الدّستوريّة مرَّت جزئيّة “الانتخاب وفق النّسبيّة على دائرة واحدة لكل سورية” وهنا بدا الأساتذة وقد أخفقوا في التّمييز بين ما هو فوق وما هو تحت دستوريّ، فقوانين الانتخاب تَسنُّها المجالس التَّشريعيّة أو الهيئات التَّشريعية المؤقتة (في حالات التأسيس بعد الحروب ودمار الدّول والمؤسَّسات..الخ) وهي تحت دستوريّة، وَقابلة لِلتَّعديل وَالتّطوير بشكل دائم، وليست كمبدأ “حق تقرير المصير” مثلاً أو “حق الإنسان في التَّعبير وَالاعتناق” الّتي تُعتَبر مبادئ فوق دستوريّة، لا يمكن لِدستورٍ أن يُغفِلها أو يتنكَّر لها.
تحدثت المبادئ عن “حق التَّجمُّع وَالتّظاهر دون الحصول على إذن مسبق” وعن “هيئات المجتمع المدني الّتي لا تحتاج لترخيصٍ مسبق”!! وهنا يجنح واضع النّقاط مجدَّداً لِاستمالةٍ غير مشروعة للرأي العام، عندما يُغريهِ بحقِّهِ “في ممارسة ما يحلو له” دون العودة إلى النِّظام العام. ولا يلزمنا سوى لفت نظر القارئ بأنَّ حقّ التَّظاهر وَتأسيس مُنظَّمات غيرِ حكوميَّة في بريطانيا “قلعة الدّيمقراطيّة الحصينة” مضبوط وفق تراخيصٍ مُسبقة دقيقة وَصارِمة، حيث يَتحتَّم على مُنظّمي تَظاهُرةٍ ما، أن يتحصَّلوا على ترخيص مسبق، يُحدِّدون فيه عدد المشاركين، وسبب التَّجمُّع، ووقته ومدَّته، إضافة إلى مكان الإنطلاق وَنقطة النّهاية، إضافة للتَّعهُّد بِتحمُّل تكاليف أي أضرار بالمنشآت العامة والخاصَّة، الّتي قد تتأذى نتيجة اندلاع أعمال تخريب.
إنَّ الإعلان عن تأسيس الكتلة، وما تضمّنه من مبادئ وَمُحدِّدات، اشتكى أيضاً من إغفال أو تجاهل معظم الكوارث الجوهرية، في مشهدٍ لم يُعبِّر عن رزانةٍ وَموضوعيَّةٍ في التّعاطي مع الواقع المرير الذي تعيشه سورية، ولكنّه فضّل التّقرّب من رغبات بعض السّوريين الّذين يتّفقون في الطّرح مع الأعضاء المؤسّسين للكتلة، وهم كما وصفتُهُم في بداية هذه الإضاءة مُنفتحون وَعلمانيون. على سبيل المثال تجاهل الإعلان الكتلة الكبيرة من الطّائفيين المسيطرين على المشهد السّوريّ، وَتحدَّث وكأنَّ السّوريين كلّهم يشاطرونه الرّأي وّالنّزعة لبناء مجتمعٍ “تعدُّديٍّ عَلمانيّ” وهذا قفزٌ مُحبِطٌ عن الواقع. تماماً كما تجاهل البيان الحالة الانفصاليّة المُكرّسة سياسيّاً وجيوبولبتيكياً اليوم، وهي تحوز على رغباتٍ شعبيّةٍ وَتأييدٍ عارمٍ، وَيبدو عدم التَّعاطي معه من هذه الزاوية، وكأنّه لغة صالوناتٍ لا تستطيع لا بلوغ وجدان الجماهير، ولا محاكاة واقعهم أيضاً.
مرَّ المؤسِّسون على عنوان “رفض التّأثير الخارجي” وَأكّدوا عليه في إطلالاتهم، وقال السَّيد المناع على هواء قناة الميادين يوم الإعلان “من يعوّل على الدّعم الخارجي لا يُفلِح” وهنا لنسال أنفسنا، كيف وصلت هيئة تحرير الشّام إلى السّلطة؟ وفي حال تمَّت إزاحتها اليوم، فبأي قوّةٍ وتحت أيِّ قرارٍ سيحدث ذلك؟ إنَّ الإجابة على السُّؤالين السّابقين، كما برهنت الوقائع، وَكما أجمع كلُّ المحللون وَالمفكّرون السّياسيون، هو من كلمتين.. “القرار الخارجي” فما معنى الحديث عن رفض هذا الدور؟! وبأي قوّةٍ سوف يَتِمُّ تطبيق كلّ الأفكار المُتوقَّعة وَالمنشودة، وما هي الأداة الغليظة الّتي تستطيع فرضها على وسط غارق بالفوضى، تعشعش الأحقاد والهواجس في الزّوايا ووراء كلِّ أكمةٍ في مشهدٍ مسبوغٍ بفصائل الإجرام. إنَّ الحديث عن سورية موحّدة، مع القفز أيضاً على الاحتلال الأميركيّ وَدورِه الرّئيس في كل ما جرى لسورية منذ عام 2011 .. هو تعمية وانفصالٌ مُحزنٌ، اذا لم نَقُل مُريبٌ عن الواقع. وَهنا فقط سنُذكّر بما صرّح به السّيد المناع في 2011 على قناة الجزيرة مِن أنَّ “هناك أطرافٌ خارجيّةٌ عرضت التَّسليح علينا” وأكد يومها أنّه هو، رفض ذلك التّسليح، وَتركنا وَالرّيبة تأكُلنا وَالقلق ينهش وَعينا، خشيةً على وطنٍ كان الخارج عازماً على تدميره بالسّلاح، وَفيما استقبل بعض أبنائه ذلك السلّاح وَبدؤوا باستخدامهِ، صَمَتَ آخرون عن كشف تلك الجهات الدَّوليَّةِ الّتي عَرضَته عليهِم، وَما زالوا صامتين حتّى اليوم على ما يبدو.
إذا أردنا التّغاضي عن بعض الأخطاء اللّغويّة أيضاً الّتي شابت النّصوص التي قرأها المؤسّسون، لا يُمكننا تجاهل أنَّ ما تضمنته هذه الرؤية من مثالياتٍ أو تصوّراتٍ منفصلةٍ عن الواقع بمعظمها، تحتاج حتّى في الواقعيِّ منها، للاعتراف بأنّها أهدافٌ بعيدةٌ تحتاج لِخططٍ واقعيّةٍ لإنضاج الوصول اليها كما تُزرعُ نبتَهٌ طريَّةٌ وَترعى على مدى سنواتٍ حتّى تنمو وَتكبُر وَتزهر ثُمَّ تثمر. فالعمل السّياسي ليس وضعاً لِلرُّؤية، وَلكِنّه إيجادٌ للطُّرق الواقعيّة الكفيلة بتحقيقها، وَهو ما اشتكت هذه المبادرة من ضنّها به، وبصورة مُحبِطة.


