شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في عدد المسؤولين المنتخبين من خلفية مسلمة في الولايات المتحدة، خصوصاً في المستويات المحلية مثل مجالس المدن، المدارس، والبلديات، وصولاً إلى محطة فارقة مع انتخاب زهران ممداني كأول عمدة مسلم لمدينة نيويورك في نوفمبر 2025.
يأتي هذا التحوّل في سياق توسّعٍ أوسع في التمثيل السياسي للمسلمين والأقليات، إذ وثّق مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) بالتعاون مع منظمة JETPAC في تقريرهما لعام 2023 وجود 235 مسؤولاً مسلمًاً منتخباً على مختلف المستويات في الولايات المتحدة.
ومع انتخابات عام 2025، التي شهدت فوز عشرات المرشحين الجدد من خلفية مسلمة في مدن وولايات متعدّدة، يُرجَّح أن يكون هذا الرقم قد ارتفع بشكلٍ ملحوظ، ما يؤكد استمرار التوسّع في الحضور السياسي للمسلمين الأمريكيين وانتقالهم من الهامش إلى موقع التأثير الفعلي في المشهد المحلي.
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل تم انتخاب هؤلاء لأنهم مسلمون؟ أم لأنهم قدّموا برامج سياسية مقنعة؟
للإجابة، لا بدَّ من مقاربة علمية منهجية تتجاوز الخطاب الاحتفالي أو الخطاب المتخوف.
أولاً: إطار منهجي للتحليل
يمكن فهم الظاهرة من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
- العرض السياسي
خصائص المرشّحين المسلمين أنفسهم: الكفاءة، الخبرة، الخطاب، القدرة على بناء تحالفات، استخدام الهوية.
- الطلب الانتخابي
توجّهات الناخبين: التركيبة الديموغرافية، المواقف من الحرب على غزة، العدالة الاجتماعية، السياسات المحلية، صورة المسلمين في الوعي العام.
- البنية المؤسسية واللحظة السياسية
نظام الانتخابات المحلية، دور الحزبين، شبكات المجتمع المدني، صعود الحركات التقدمية، تآكل شرعية النخب التقليدية، وتحوّل الموقف من قضايا مثل فلسطين، الشرطة، العدالة العرقية.
منهجياً، يمكن اختبار الفرضيات عبر:
- تحليل وصفي لخرائط الفوز (مدن ذات حضور مسلم قوي مقابل مدن متنوّعة).
- دراسة برامج الحملات الانتخابية وخطابات المرشحين.
- مراجعة دراسات الرأي العام حول الموقف من المسلمين والمرشحين المسلمين، مثل أعمال Nazita Lajevardi حول الإسلاموفوبيا والتمثيل (Nazita Lajevardi+1)
- مقارنة نسب التصويت في الأحياء المسلمة وغير المسلمة.
- تتبّع التمويل، التحالفات، وأثر القضايا العامة (غزة، العدالة الاجتماعية، السكن، الخدمات).
هذا الإطار يسمح بالخروج من سؤال “هوية أم برنامج؟” نحو فهم تفاعلي: هوية + برنامج + لحظة تاريخية + بنية سياسية.
ثانياً: متى تصبح الهوية المسلمة عامل قوة انتخابية؟
في التسعينيات وإلى ما بعد 11 أيلول، كان الانتماء الإسلامي في الولايات المتحدة عبئاً انتخابياً في أغلب السياقات، كما توثّق أدبيات الإسلاموفوبيا والتمثيل السياسي. اليوم، في بعض المدن، تحوّل هذا الانتماء إلى:
- رمز تمثيل لمجتمعات مهمشة
في مدن ذات كثافة عربية/مسلمة (مثل ديربورن في ميشيغان)، أصبح المرشّح المسلم يُقرأ كصوت طبيعي لمجتمع له وزن ديموغرافي واقتصادي وتنظيمي، فيواجه الناخب سؤالاً بسيطًا: لماذا لا يكون ممثلنا منّا؟
- إشارة أخلاقية/قيميّة
لدى شريحة من الناخبين التقدميين، المرشّح المسلم، خصوصاً إذا كان واضحاً في مواقفه ضد الإسلاموفوبيا والعنصرية والحروب، يُرى كجزء من معسكر القيم التحررية والعدالة، لا بوصفه “غريباً”، بل كحليف طبيعي للأقليات، والسود، واللاتينيين، والفقراء.
- رد فعل على الإسلاموفوبيا
الهجمات التحريضية على المرشحين المسلمين (اتهامات “التطرف” أو “معاداة السامية” أو “تهديد الأمن”) تتحول أحياناً إلى سلاح مرتد؛ إذ تدفع قطاعات من الناخبين إلى دعم المرشح المستهدف بوصفه ضحية لخطاب كراهية، كما رُصد في حالات عديدة محلية، ومع فوز ممداني رغم حملة اتهامات حادة ضده بحسب ما جاء في . AL-Monitor
لكن هذه العناصر لا تعمل في الفراغ؛ الهوية تصبح قوة فقط عندما تُربط بخطاب سياسي واضح وقابل للتصديق.
ثالثاً: متى يصبح البرنامج هو الحاسم؟
النظر في نماذج مثل:
- فوز مرشحين مسلمين في بلديات ومجالس مدن على أساس برامج الإسكان الميسّر، النقل العام، الأجور، الشرطة، التعليم.
- حملة زهران ممداني في نيويورك التي قامت على أجندة ديمقراطية اجتماعية راديكالية: تجميد الإيجارات، توسيع الخدمات العامة، ضرائب أعلى على الأثرياء، خطاب طبقي واضح، مع تحالف عريض من النقابات والحركات التقدمية والأقليات. AP News
تُظهر هذه الحالات أن:
- كثيراً من الناخبين صوّتوا برغم كون المرشّح مسلماً أو معرّضاً لهجوم بسبب فلسطين، لأن برنامجه لبّى حاجاتهم المعيشية المباشرة.
- المرشّح المسلم الذي لا يمتلك شبكة تنظيمية ولا برنامجاً ملموساً لا ينجح بالاعتماد على الهوية وحدها، حتى في الدوائر ذات الأغلبية المسلمة.
- في مدن متعدّدة الأعراق والأديان، لا يمكن الفوز بأصوات المسلمين فقط؛ ما يفرض على المرشّح المسلم خوض السياسة بمنطق تحالفات متقاطعة لا بمنطق طائفة مغلقة.
هنا يمكن الحديث عن نموذج “التمثيل المزدوج“:
- تمثيل مجتمعه المسلم والعربي.
- وتمثيل الطبقات العاملة والمهمشين أوسع من حدود الهوية الدينية.
رابعاً: تحليل سؤال الهوية مقابل البرنامج
- هل تم انتخابهم لأنهم مسلمون؟
جزئيًا، نعم، في المعاني التالية:
- الهوية المسلمة تقدم مؤشر ثقة لمجتمع يبحث عمَّن يمثله في مواجهة تهميش تاريخي.
- الهوية تمنح المرشّح قدرة على تعبئة شبكة المساجد، الجمعيات، العائلات الممتدة، ورواد الأعمال.
- في لحظة الحرب على غزة وتصاعد الوعي بفلسطين، مواقف المرشحين المسلمين تصبح نقطة جذب إضافية، لا سيما للناخبين الغاضبين من السياسة الخارجية الأمريكية.
لكن، هذه القوة مشروطة:
- تعمل في بيئات حضرية متنوّعة، ليبرالية غالباً، فيها قبول نسبي بالتعددية.
- تفشل أو تتحوّل إلى عبء في بيئات محافظة/ريفية عالية الإسلاموفوبيا، حيث تُستخدم الهوية سلباً ضد المرشح.
- أم بسبب برامجهم الانتخابية؟
في معظم الحالات الحاسمة، نعم، البرنامج هو نقطة الحسم:
- الناخب الأمريكي المحلي يهتم بشدة بقضايا الضرائب، الأمن، القمامة، المواصلات، السكن، المدارس.
- حين يقدّم المرشّح المسلم حلولاً عملية مدعومة بتاريخ من العمل المجتمعي (نشاط أهلي، مجالس تعليم، حملات سابقة)، يصبح “مسلماً ذي مصداقية”، لا “اسماً غريباً”.
- التحليل المقارن لبرامج الفائزين المسلمين يظهر أنهم لا يترشحون على أساس “أسلمة المدينة”، بل على أساس عدالة اجتماعية، شفافية، توسيع المشاركة، حماية الحريات المدنية؛ أي أجندة يمكن أن تجذب غير المسلمين أيضاً.
خامساً: ما الذي تقوله الدراسات والتجارب حتى الآن؟
الأبحاث حول تمثيل المسلمين في الولايات المتحدة تشير إلى ثلاث نقاط مهمة:
- الإسلاموفوبيا ما زالت حاضرة بقوة
أعمال مثل Outsiders at Home تؤكد أن المسلمين ما زالوا يواجهون تمييزاً من الناخبين، النخب، والإعلام، وأن الهوية المسلمة يمكن أن تخفض فرص المرشح في كثير من السياقات الوطنية. Nazita Lajevardi
- لكن المستوى المحلي أقل عداءً وأكثر براغماتية
في الانتخابات المحلية، عندما يعرف الناخبون المرشّح شخصياً أو من خلال سجله في المجتمع، تتراجع حدة الصور النمطية، ويعلو وزن الأداء والخدمة على الهوية المجردة.
- صعود تمثيل المسلمين يعكس “تطبيعاً تدريجياً” لا انقلاباً مفاجئاً
ازدياد أعداد المرشحين والمنتخبين المسلمين يتماشى مع:
- نمو الجيل الثاني والثالث من المسلمين الأمريكيين المنخرطين في التعليم العالي والمهن العامة.
- تراكم الخبرة التنظيمية بعد معارك الدفاع عن الحقوق المدنية ومناهضة الإسلاموفوبيا.
- تحولات داخل الحزب الديمقراطي وداخل الحركات التقدمية نحو قبول أوسع للأقليات، مع استمرار صراعات حادة حول فلسطين والسياسة الخارجية.
إذن، كيف نجيب بدقة على السؤال؟
- القول إنهم انتُخبوا “لأنهم مسلمون” فقط:
- تبسيط يختزل الناخبين في عصبية دينية ويتجاهل وزن البرنامج والتحالفات.
- يتجاهل أيضاً السياقات التي خسر فيها مسلمون رغم هويتهم أو بسبب استهدافها.
- القول إنَّ الهوية لا دور لها وأن الفوز “فنيّ وبرامجي محض”:
- يتجاهل أن كثيراً من الناخبين يرون في المرشح المسلم رمزاً للتصحيح التاريخي والعدالة التمثيلية.
- يغفل عن أن استحضار الهوية المسلمة (بوضوح أو بهدوء) جزء واعٍ من استراتيجية الحملات في بعض المدن، كما في زيارات المساجد، استخدام العربية أو الأردية أو البنغالية في الخطاب، والتأكيد على الدفاع عن فلسطين والحقوق المدنية.
وبهذا تكون الصيغة الأدق علمياً هي ما يلي:
المرشحون المسلمون في المدن الأمريكية يُنتخَبون عندما ينجحون في تحويل هويتهم من “علامة تهديد” إلى “علامة تمثيل وعدالة”، ضمن برنامج سياسي ملموس وتحالفات عابرة للهويات الضيقة. الهوية هنا ليست بديلًا عن البرنامج، بل رافعة له، ولا تنجح إلا في بيئة اجتماعية وسياسية تسمح بذلك.
هذا الفهم يفتح الباب أمام أسئلة بحثية تالية يمكن البناء عليها في دراسات أعمق لمن أراد، مثل:
- كيف تختلف ديناميات التصويت لمرشح مسلم في مدينة ذات أغلبية بيضاء ليبرالية عنها في مدينة ذات كثافة عربية/مسلمة؟
- ما أثر الحرب على غزة وتحوّل الرأي العام تجاه إسرائيل على حظوظ المرشحين المسلمين التقدميين؟
- كيف توظّف اللوبيات المؤيدة أو المعادية للمسلمين هويتهم في الحملات (تمويلًا، دعاية، تشويهًا)؟



شكراً لجهودكم في نشر الوعي