القسم الأول
إطار تاريخي – أبعاد جيوسياسيّة – ثورة ونظام وتنظيم جهادي – البنية التحتيّة
-1-
الشرق الأوسط، هو مصطلح فُرض على القاموس السياسي بقوّة الحضور البريطاني في مطلع القرن العشرين، وهو بالمقابل وبالمعنى الواقعي المجال الذي ولد في إطار إرهاصات وفصول الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) وما تبعها من حراك سياسي دولي لتسوية “المسألة الشرقيّة” ووضع حدٍ نهائي لها، عبّر عنه بوضوح إعلان نهاية الامبراطوريّة العثمانيّة، وما رافق ذلك من تفاهمات واتفاقيات وصلت إلى خواتيمها في العام 1922، العام الذي يمكن اعتباره الباب الزمني الذي خرج منه الشرق الأوسط وارتسم على الخريطة الجيوسياسيّة العالميّة.
يمكن النظر إلى ولادة الشرق الأوسط، باعتبارها أصعب ولادة جيوسياسيّة في العصور الحديثة، وربما على مرّ التاريخ، فهي فضلاً عن وقتها الطويل الذي بدأ مع ظهور ما يُسمى بـ “المسألة الشرقيّة” في الربع الأخير من القرن الثامن عشر مع هزيمة الامبراطوريّة العثمانيّة أمام روسيا، أدت إلى ظهور (عالم جديد – دول وكيانات) في واحدة من أقدم منطقة حضارات في تاريخ الانسانيّة.
بريطانيا، هي القابلة الرئيسة التي استولدت الشرق الأوسط مع مساعداتها ومن فرض نفسه شريكاً معها، وبالأخصّ: فرنسا وروسيا (الاتحاد السوفيتي).
الولايات المتحدة الأميركيّة، كانت بعيدة ومُستبعدة وبالكاد تحاول الخروج من عالم مبادئ ويلسون الأربعة عشر في حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلى رحاب التدخل في مصير هذه الشعوب على نحو مباشر أسوة بالأم الكبرى: بريطانيا.
على مدى أكثر من قرن، تعاظم الحضور الأميركي في الشرق الأوسط على حساب بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي – روسيا، إلّا أنَّ هذا الشرق الأوسط ظلَّ قديماً ببطاقة ولادته الانكليزيّة، التي تشير إلى مجاله الأوسع الفضفاض الذي يبتدئ من مصر غرباً، والآن من المغرب، ويصل إلى حدود الجمهوريات السوفيتية شمالاً.
يبقى أن مركزه الذي شرّحته اتفاقيّة سايكس – بيكو 1916، هو الذي يعطيه معناه الأخير، كما أنَّ ما جرى فيه من أحداث وما يجري يحسم سحنته وهويته الجيوسياسيّة تماماً.
-2-
ثلاثة أحواض حضاريّة كبرى شكّلت العمق التاريخي لمركز الشرق الأوسط، الحوض الفارسي، الحوض المصري والحوض السّوري (سوريا الطبيعيّة)، وفيما ورثت كل من الدولة الإيرانيّة والمصرية حوضيهما، بدا الحوض السّوري ممزقاً ومسلوباً ومنهوباً.
باستثناء إيران ومصر، كل الدول والكيانات السياسيّة التي ولدت وشكّلت الشرق الأوسط، هي دول وكيانات جديدة على التاريخ. كتلة الجزيرة العربيّة بممالكها وإماراتها جديدة، تركيا جديدة وإن كانت الوارث لمركز الامبراطوريّة العثمانيّة، الأردن، العراق، الكويت، لبنان، قبرص، الشام (سورية الراهنة) كيانات جديدة. إسرائيل ليست جديدة وحسب، بل جسم تم تصنيعه وفق منطق الإحلال الأوروبي في العالم الجديد (أميركا).
كل أسماء الدول والكيانات المستولدة من اتفاقية سايكس – بيكو ليس لها عمق تاريخي بالمعنى الذي يمنحها قوة حضاريّة ذاتيّة خاصّة. كذلك أسماء دول وكيانات كتلة الجزيرة العربيّة. يبقى أنَّ اسم سوريا هو الوحيد الذي يعني حوضه الحضاري، بالأخصّ الجانب الغربي منه (بلاد الشام) منذ وروده عند المؤرخ اليوناني هيرودوت (أبو التاريخ) في القرن الخامس قبل الميلاد، وإلى الآن. النقطة التي ارتكز إليها بيكار سايكس – بيكو كانت دمشق. منها ابتدأ الرسم. الاتفاقية الفرنسيّة – الانكليزيّة، بهذا المعنى، كانت عملية تدمير جيو سياسي لحوض بدا أن دمشق مركزه. المؤتمر السوري العام الذي عُقد ومارس مهماته بدمشق ما بين 3 حزيران 1919 و24 تموز 1920، مع حكومته وقراره القاضي باستقلال سوريا في 8 آذار 1920، مع المطالب التي سلّمها للجنة الأميركيّة لاستفتاء السوريين حول مصيرهم والمعروفة باسم لجنة كينغ – كرين، هذا المؤتمر أكّد حقيقة التوافق ما بين الحوض الحضاري السّوري التاريخي والإرادة العامة للسوريين بعد قرون طويلة من غياب هذه الإرادة والوعي الوطني عموماً. أكّد هذه الحقيقة بتمسّكه باستقلال ووحدة سوريا – التي كانت تعني عنده بلاد الشام – مع اتحاد يضمها مع العراق، وهذه الحقيقة سيعود أنطون سعادة ليؤكد عليها ابتداءً من العام 1932 باعتباره هذا الحوض هو سوريا الطبيعيّة وفي تسمية فرعية أخرى سوراقيا، أي بلاد الشام والعراق.
ما حصل حينها، وابتداءً من مؤتمر الحلفاء في سان – ريمو في نيسان 1920، الذي اتخذ قراراً نهائيّاً بتوزيع منطقة سايكس – بيكو بين فرنسا وبريطانيا وفق مبدأ الانتداب الذي تنصّ عليه المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، أي بعد قرار المؤتمر السوري العام باستقلال ووحدة البلاد السّوريّة، وصولاً إلى مختلف القرارات والتفاهمات الدولية التي اختتمت بمؤتمر لوزان (تشرين ثاني 1922 – تموز 1923، أقترح الاطلاع على الفقرات المرتبطة بهذا البحث في مقررات ونصوص مؤتمر لوزان بفتح الرابط: قرنٌ على معاهدة لوزان)… ما حصل لم يكن سوى تمزيق الحوض الحضاري السّوري إلى كيانات ودول جديدة تائهة بالمعنى التاريخي، متنابذة ومتصادمة بفعل الجرح المزمن لولادتها والذي لازمها ولم يزل حتى هذا التاريخ.
على هذا النحو، خضع الحوض الحضاري السّوري لـ (نظام: سايكس – بيكو).
الدولة الناشئة، من اتحاد دويلات كان الجنرال غورو المندوب السامي الفرنسي، قد أقامها مع بداية الانتداب بعد معركة ميسلون في تموز 1920، هذه الدولة التي أعلن الجنرال ديغول استقلالها، اسميّاً، في 28 أيلول 1941، ومن ثم لتبدأ رحلة استقلالها الواقعي في العام 1943، الذي اكتمل تماماً بجلاء آخر جندي فرنسي عن أراضيها في 17 نيسان 1946، ورثت وحيدة اسم سوريا التاريخي، واستمر الاسم معها لوحده، بعد غيابه لسنوات ثلاث ونصف في حقبة الوحدة مع مصر (1958 – 1961) التي جاءت تحت مُسمّى الجمهوريّة العربيّة المتحدة، ومن ثم مسبوقاً ومعرّفاً بالعربيّة، ابتداءً من العام 1961 بعد الانفصال عن مصر، ومن ثم تطبيقاً لإيديولوجيا حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكمها منذ العام 1963 وحتى أواخر العام 2024. وبالرغم من ذلك بقي اسم سوريا حيّاً متداولاً ومحمّلاً بمضمونه الحضاري التاريخي، وإنْ كان في الواقع لا يطابق مرتسمه الجيوسياسي.
-3-
هذه الإحاطة التاريخيّة العامّة، لماذا؟
– توم بارّاك، المبعوث الأميركي الخاص لسورية، قال في 25 أيار 2025:
“منذ قرن من الزمان، فرض الغرب خرائط وحدوداً مرسومة ووصايات وحكماً أجنبيّاً، فقد قسّمت اتفاقية سايكس-بيكو سوريا والمنطقة الأوسع لتحقيق مصالح إمبريالية، لا من أجل السلام. وقد كلّف هذا الخطأ أجيالاً كاملة، ولن نسمح بتكراره مرة أخرى.
لقد انتهى عصر التدخلات الغربيّة. المستقبل يعود للحلول الإقليمية، المبنية على الشراكات والدبلوماسية القائمة على الاحترام.
مأساة سوريا وُلدت من الانقسام. أما ولادتها من جديد فلا بدَّ أن تكون من خلال الكرامة، والوحدة، والاستثمار في شعبها. ويبدأ ذلك بالحقيقة، والمساءلة، وبالعمل مع دول المنطقة، لا بتجاوزها.”
– توم بارّاك، أيضاً وبعد يومين، أي في 27 أيار 2025، خاطب أحمد الشرع قائلاً:
“أنت رئيس واحد لدولتين”.
– توم بارّاك، أيضاً وأيضاً، يعود في 11 تموز 2025، ليقول:
“في حال لم يتحرك لبنان، فإنه سيصبح مجدداً جزءاً من بلاد الشام”. كما قال إنَّ “لبنان يواجه خطر الوقوع في قبضة القوى الإقليميّة، ما لم تتحرك بيروت لحلّ مشكلة تسليم السلاح”. “لبنان بحاجة إلى حلّ هذه القضية، وإلّا فقد يواجه تهديداً وجودياً”.
ماذا تعني هذه الأقوال، وما هي ترجمتها السياسيّة؟
بوضوح شديد، تعني أنَّ رسّام خريطة “الشرق الأوسط الجديد” هو الولايات المتحدة الأميركيّة، التي كانت غائبة وبعيدة عن طاولة الرسم التي تحلّق حولها سايكس الانكليزي وبيكو الفرنسي، وبمشاركة لاحقة لـ سازانوف وزير الخارجيّة الروسي – القيصري، في خلال العامين 1915 – 1916، كما كانت بعيدة عن مائدة تسوية العام 1922 التي أرست المجسّم الأخير للشرق الأوسط. الولايات المتحدة “بما فيها إسرائيل” بعد أكثر من قرن تبدو متفرّدة في عملية ولادة الشرق الأوسط الجديد، وكأنها تثأر لاستبعادها من قبل بريطانيا وفرنسا، وها هي تشرع في عملية انتقام جيوسياسي في المكان نفسه. على أنَّ المسألة يجب ألّا تُفهم بأن الولايات المتحدة تصفّي حساباً تاريخيّاً مع أوروبا، بل بكونها إعلاناً عن نهاية “الرؤية الأوروبيّة” وتكريس الرؤية الأميركيّة، وتالياً الإسرائيليّة وقيادتها.
هل يعني ذلك كله، مع الانتباه خصوصاً إلى الصيغة التي استخدمها توم بارّاك ” لبنان سيصبح مجدداً جزءاً من بلاد الشام”، أنَّ العمليّة ستكون بمثابة انقلاب على نظام سايكس – بيكو، والعودة إلى ما قبله؟
بالتأكيد، ما يجري ليس انقلاباً على نظام سايكس – بيكو، يعيد البلاد إلى ما كانت عليه من حالة (الوحدة الجغرافيّة) عشيّة الحرب العالميّة الأولى، ويفسح في المجال لها مجدداً كي تعيد إنتاج نفسها على هيئة دولة واحدة موحدة على كامل هذه الجغرافيا.
دون أدنى شكّ، الشرق الأوسط الجديد، يعني فيما يعنيه، تجاوز نظام سايكس – بيكو، كواقع جيوسياسي، نحو واقع جديد يمكن عنونته الآن بـ (ما بعد سايكس – بيكو)، وهو عنوان مؤقت لواقع يُعيد إنتاج نفسه أو يُعاد إنتاجه وفق عملية لم تكتمل بعد.
لقراءة النص كاملاً، اضغط هنا: https://sergil.net/wp-content/uploads/2025/09/ما-بعد-سايكس-بيكو.pdf


