معظم التحولات التاريخية بطيئة وقد لا يشعر الناس بها إلا بعد فترة من وقوعها، كما أنهم قد لا يعوا تَبِعاتها إلا بعد فترة أبعد من ذلك. هذا الأمر ينطبق على انقسامات الحزب السوري القومي الاجتماعي.
انقسم الحزب إلى قسمين غير متكافئين عدديا سنة 1957. في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وفي العشرينيات من هذا القرن انقسم الفريق الأكبر ثم توحّد، ثم عاد فانقسم، ثم توحّد، ثم عاد وانقسم. ومؤخرا، ضرب الانقسام حتى القسم الأصغر. هذه حقائق. الحقيقة الأخرى المرافقة لهذه الظاهرة هي أن محاولات التوحيد الذاتية كانت دائما تفشل، ولم يتم توحيد الحزب إلا بضغط من عامل خارجي.
أما الحقيقة الأخطر فهي أن التنظيمات الأربعة التي تحمل اسم هذا الحزب ليست معنية بالغاية التي تأسس الحزب من أجلها وأن المنضوين تحت لواء هذه التنظيمات قد قبلوا بهذا الأمر واعتادوا عليه.
ربما يرغب بعض بمجادلة هاتين النقطتين. كل ما نقوله هو، “النيات بالأعمال وليس العكس”، أما الأعمال، فبالنتائج.
هذا كل ما لدينا لنقوله عن الانقسامات، فماذا عن المستقبل؟ بضع نقاط نضعها للتأمل.
أولًا: إن القضية التي من أجلها أسس سعاده حزبه لم تزل قائمة ووضعها يزداد حراجة.
ثانيًا: إن الحزب الذي أسسه سعاده يضمحل بينما فكره ينتشر— ذاتيًا — بين بعض الفئات المثقفة من مختلف المناطق.
ثالثًا: هناك من سيأخذ من إرث سعاده الفكري والتطبيقي، كله أو بعضه، ليبني منه وعليه أعمالا سياسية وثقافية جديدة.
رابعًا: إن هذه المحاولات سوف تواجه بموجات من الغضب والتخوين والاتهام بشقّ الحزب.
خامسًا: هذا الغضب هو رد فعل طبيعي لكنه متأخر. فالذي خرج لن يعود، والمؤمن بالقضية لن يتوقف عن العمل لها.
هل هذا يعني اننا سوف نرى تنظيمات مختلفة تزعم أنها تعمل للقضية التي أسسها سعاده. نعم. بعضها سيكون صادقًا، وبعضها الآخر سيكون نسخة عما هو أمامنا من التنظيمات الأربعة. حُكم التاريخ عليها سيكون بمقدار النتائج التي تحققها.
ربّ قائل: “ماذا لو توحد الحزب؟”
نستقرض من سعيد تقي الدين ونقول بتصرف: “هذه اللو الكافرة”. في جميع الأحوال تبقى: “النيات بالأعمال”، أما الأعمال فبالنتائج.


