مسار جلجامش

أنطولوجيا الركام

المشرق الضعيف في مواجهة الصراع الأبدي

إذا ما استعرنا مقولة “الفكر الضعيف” للمفكر الإيطالي جياني فاتيمو كعدسة نقرأ بها واقعنا، فسنجد أن  هذا المشرق يصنع  – منذ عدة عقود على الأقل – تفكيكه الخاص؛ ليس عبر الحوار أو التآكل ‏السلمي للمعاني، بل عبر النسف المادي والرمزي لكل ما كان يشكّل أوطاناً.

لقد تصوّر فاتيمو الضعف بوصفه أفقاً للتحرر من استبداد الحقيقة ‏المطلقة ويقينيات الميتافيزيقا الكبرى، أفقاً يشبه ما تصوره نيتشه حين ميّز بين عدمية سلبية تُصاب بالشلل أمام موت المطلق، وعدمية فاعلة ‏تتخذ من هذا الموت نفسه منصة قفز نحو إرادة جديدة، خفيفة، ومتصالحة مع صيرورتها. غير أن المشرق يكشف لنا، عبر هذه العدسة المستعارة، ‏وجهه الآخر المعكوس تماماً: فالضعف هنا ليس عدمية فاعلة تتجاوز الأنقاض نحو أفق جديد، بل عجز قاتل، عدمية سلبية مُطلَقة، ناتجة عن ‏انفجار السرديات التي أطرت حياتنا لعقود، وسقطت لا لأنها اهتزت فكرياً فحسب، بل لأنها فُجِّرت مادياً في الجسد والحجر معاً‎، أيضاً. ‎

إننا في هذا المشرق المفتّت لا نعيش “ضعفاً” فلسفياً بالمعنى الانعتاقي الذاتي، بل نعيش عجزاً وجودياً تدميرياً، ناتجاً عن – وثمة عوامل أخرى كثيرة ‏لذلك – انفجار السرديات الأيديولوجية والسياسية التي أطرت حياتنا ومجتمعاتنا لعقود. وهنا يجدر التوقف عند مفارقة دقيقة: فالتفكيك عند ‏دريدا، ذلك المفهوم الذي بشّر بموت “المركز” و”الحضور” المطلق، ظل رغم جذريته فعلاً نصياً، ولعباً بالعلامات داخل النص، دون أن يصير عنفاً مادياً يطال الأجساد. أما هنا، في هذا الفضاء المشرقي، فقد خرج التفكيك من صفحته إلى الشارع، ومن الهامش النقدي إلى صدر البيت المهدوم؛ فلم ‏يعد “إرجاء المعنى” استراتيجية قراءة، بل أصبح إرجاء الحياة نفسها، تأجيلاً قسرياً للكينونة تحت سقوف منهارة.

إن الركام هنا ليس مجرد حطام إسمنتي نتج عن المعارك، بل هو التجلي العياني والمادي لتهدّم القيم السياسية ذاتها؛ فالمباني المنهارة في ‏بلدان المشرق هي الأجساد الميتة للأفكار الكبرى والوعود التأسيسية التي حنّطت المجتمع لعقود وعطّلت حركته التاريخية. كل كتلة إسمنت ‏متصدعة هي في الحقيقة شاهد قبر لفكرة كانت يوماً يقيناً جامعاً: الأمة، الدولة، الثورة، الوحدة، الحرية، العدالة، الخلاص الأيديولوجي، كلها ترقد الآن تحت الغبار ذاته ‏الذي ترقد تحته البيوت.

في الغرب، تآكلت الميتافيزيقا عبر رفاهية السجال الفلسفي، في قاعات الجامعات وصالونات الفكر، حيث كان بالإمكان إعلان “موت الإله” أو “نهاية ‏السرديات الكبرى” دون أن يسقط سقف واحد على رأس قائل ذلك. أما في فضاء المشرق، فقد انفجرت الميتافيزيقا حرفياً في وجوه قاطنيها، ليتحول ‏‏”تفكيك المعنى” إلى شظايا قاتلة، وتتحول الجغرافيا إلى مسرح مفتوح للعود الأبدي للموت والخراب؛ فما كان عند نيتشه “عوداً أبدياً” يُختبر بوصفه ‏معياراً أخلاقياً لحياة تستحق أن تُعاش مرة أخرى بكل تفاصيلها، صار هنا عوداً أبدياً لا يُختبر بل يُعاش قسراً، حلقة موت تتكرر بلا إرادة اختيار ولا ‏وعد بخلاص.

أولاً- موت “الحقيقة الكبرى” تحت الأنقاض

لقد انهارت السرديات التأسيسية الكبرى التي رُهن بها الإنسان المشرقي عموماً، من ميتافيزيقا “العروبة” و”الوحدة” و”الحرية” و”العدالة” و”الاشتراكية” المتخيلة والمسيّسة سلطوياً، إلى أوهام ‏‏”الدولة الوطنية” الجامعة التي تبدّت كأجهزة تسلطية محتكرة للريع والعنف، وصولاً إلى سرديات “التغيير والثورة” التي طحنتها رحى صراعات ‏الوكالة، لتتحول إلى نسخ مشوّهة تعيد إنتاج التسلط بصيغ ما قبل حديثة.

ولو استعرنا هنا صورة “ملاك التاريخ” التي رسمها فيلسوف ألماني (والتر بنيامين) تأمَّلَ الخراب في زمن مماثل من الانهيار الأوروبي، لوجدنا مطابقة مباغتة: ملاك ‏يُساق إلى المستقبل بظهره، بينما عيناه معلقتان على ماضٍ يراه سلسلة واحدة من الكوارث تتراكم ركاماً فوق ركام أمام قدميه، وريح عاتية تدفعه ‏إلى الأمام تمنعه من أن يوقظ الموتى أو يجمع ما تحطّم.

هذه هي بالضبط وضعية المشرقي أمام تاريخه: لا يتقدم بوصفه فاعلاً يختار، بل يُدفع ‏بظهره نحو مستقبل لا يراه، بينما بصره مسمّر على أنقاض “العروبة” و”الحرية” و”الدولة” و”الثورة” و”العدالة الاجتماعية”… وهي تتكدس أمامه طبقة فوق طبقة. والفارق الجوهري ‏أن ريح ذلك الملاك كانت استعارة لفكرة “التقدم” ذاتها، أما ريح المشرق فهي حرفية: غبار انفجار، وموجة نزوح، واقتصاد حرب يدفع الجسد قسراً ‏إلى الأمام دون أن يمنحه ولو وهم اتجاه.

اليوم، يخيّم على المشرق فراغ مرعب، إذ لم تعد هناك “قصة كبرى” تمنح المعنى للتاريخ أو تفتح أفقاً للمستقبل؛ بل ثمة هويات فرعية (طائفية، ‏عشائرية، إقليمية وجهوية) تعمل كـ “جهاز مناعة بدائي” ينكفئ إليه الأفراد، لكنه جهاز مناعة ينهش في الآن ذاته ما تبقى من الجسد المجتمعي ‏المشترك. وهذا الانكفاء ليس عودة إلى “أصل” حقيقي فُقد، بل هو – مثل كل رموز الركام المتناثرة حوله – شذرة، بقية مبتورة من كل تُهدّم، تُرفع إلى ‏مقام اليقين المطلق لأنها الوحيدة المتاحة، لا لأنها تستحق ذلك المقام.

  • المشرق كحقل ألغام دلالي

لم يعد هناك توافق أو إجماع على معنى الكيان والوطن، فقد تحولت البلدان/ الدول كذاكرة وهندسة جغرافية ‏إلى حقل ألغام من التفسيرات المتنازعة، حيث كل جماعة أهلية أو فصيل سياسي يروي “وطناً” نقيضاً للآخر، مما يحيل الذاكرة ‏المشتركة من فضاء للالتقاء إلى متفجر للاقتتال البيني. وهذه الروايات المتضاربة ليست، كما قد يُظن، أشكالاً من التعددية ‏الديمقراطية للمعنى؛ إذ تفترض التعددية أرضية مشتركة تختلف عليها التأويلات، بينما هنا تحوّلت الأرضية ذاتها – الجغرافيا، التاريخ، ‏حتى أسماء المدن والبلدات وشاخصات التعريف الطرقية – إلى موضوع نزاع مسلح‎.‎

  • تدمير الرموز ومحو الطبقات

الطمس العنيف لم يقف عند حدود السياسة، بل طال المشتركات القيمية والتاريخية المشرقية. فالمعالم ‏الأثرية والمقدسات في المنطقة لم تُدمّر بوصفها “آثاراً جانبية” طارئة للحرب، بل جرى استهدافها كفعل متعمد وممنهج لمحو الطبقات ‏التاريخية المتعددة التي لا تنتمي لسرديات الغلبة الحالية، رغبة من فواعل الحرب في صناعة تاريخ خطي يبدأ من لحظة هيمنتهم ‏الصرفة. وهذا التدمير هو، في جوهره، محاولة لإنتاج “أمثولة” مضادة: فحيث كان الأثر القديم يشهد على تعدد الطبقات وتراكم ‏الحضارات فوق بعضها بسلمية نسبية، يأتي التفجير ليكتب أمثولة جديدة عنوانها أن لا شيء يسبق اللحظة الراهنة، وأن التاريخ يبدأ ‏من الصفر كل مرة يُعاد فيها توزيع الغنيمة.

وهكذا فإن “موت الحقيقة الكبرى” في المشرق ليس حدثاً فكرياً وقع في لحظة ما، بل هو حالة تراكمية مستمرة، كل انفجار جديد فيها طبقة ‏إضافية فوق الركام السابق، وكل طبقة تمحو ما قبلها بقدر ما تُضاف إليه، حتى صار الركام نفسه – لا الحقيقة، ولا الوطن، ولا التاريخ – هو المعطى ‏الثابت الوحيد الذي يقف عليه المشرقي اليوم.

ثانياً- المشرقي الضعيف: كائن “بلا براءة” وبلا يقين

هذا “الإنسان المشرقي الضعيف” الذي نتحدث عنه ليس ضحية سلبية تماماً يقف خارج التاريخ؛ إنه كائن يعيش أزمة هوية متشظية في ذروتها ‏الوجودية. هو الضعيف الذي فقد يقينياته القديمة ولم يجد بديلاً سوى العيش في “اللا-انتماء”، ممزقاً بين داخل مقتحم من الخارج الدولي ‏والإقليمي، وخارج ممتد عبر شتات المنفى والجغرافيا الافتراضية.

وفقدان “البراءة” هنا لا يعني بأي حال من الأحوال التحلل الأخلاقي، أو التسوية الجائرة بين الضحية المستلبة والجلاد البنيوي؛ بل يعني سقوط ‏‏”الطهرانية السياسية الساذجة” وأوهام النقاء الأيديولوجي. المشرقي الضعيف اليوم “بلا براءة” لأنه أُقحم عنوة في شروط كينونة ملوّثة بكارثيتها، ‏حيث أجبرته غريزة البقاء الأداتية على التورط في اقتصاد الحرب الموازية، أو العيش تحت مظلة سلطات الغنيمة وأمراء الطوائف، أو الانكفاء نحو ‏العصبيات الفرعية كدفاع غريزي، ليفقد بذلك يقينه الأخلاقي القديم دون أن يمتلك ترف صياغة يقين بديل.

وهنا يصبح من الضروري تجاوز مفردات “الاستبداد” و”القمع” التقليدية، لأنها لم تعد كافية لوصف ما يجري. فما يحكم أجزاء واسعة من المشرق ‏اليوم ليس سلطة تسعى إلى إخضاع الحياة وتنظيمها -كما كان الحال في الاستبداد الكلاسيكي والكلاسيكي المُحْدَث – بل سلطة تقرر من يعيش ومن يُترك ليموت، ومن ‏يستحق الحداد العلني ومن يُدفن في صمت لا يستدعي بياناً واحداً.

إن الجسد المشرقي هنا لم يعد موضوع انضباط بالمعنى القديم، بل صار موضوع ‏فرز: أي الأجساد تُحسب خسارة تستحق الذكر، وأيها مجرد رقم يذوب في الإحصاء العام للضحايا. وهذا التفاوت في “قابلية الحداد” – أن يُبكى موت ‏وأن يُتجاهل موت آخر بالوزن نفسه من الوحشية – هو ما يمنح للضعف المشرقي طابعه المزدوج: ضعف الجسد أمام السلاح، وضعف الاسم أمام ‏النسيان الذي يليه‎.‎

وهنا ينقسم هذا الضعف إلى مستويين متلازمين يعمقان المأساة:

  • الضعف الوجودي المادي (الداخل)

وهو العجز المشهود في فضاء الداخل، حيث تسحق شروط العيش والاضطرار اليومي وعي الذات، ‏وتتحول الهوية في عدد من بلدان المشرق إلى مجرد علامة استفهام مفتوحة ومؤلمة، بلا جواب في المدى المنظور، تحت وطأة الحاجة ‏البيولوجية العارية للأمان والخبز. إنه إنسان اختُزل إلى وظيفته الحيوية الصرفة: أن يبقى حياً يوماً إضافياً، بلا أفق يتجاوز عتبة ‏الاستمرار الفيزيائي، وبلا احتياط رمزي يعيد له معنى وجوده خارج هذه المعادلة القاسية.

  • الضعف الافتراضي والرمزي (الشتات)

وهو مأزق السوريين والعراقيين واللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم في المنافي والمهاجر؛ فحين تلاشى ‏الخط الفاصل بين “الداخل” و”الخارج” ودُمّرت السيادة جغرافياً، تحول الكائن المشرقي إلى كائن يعيش “على الحدود” دائماً. وفي فضاء ‏‏”بلدان افتراضية” خلف الشاشات، يعوّض الإنسان الضعيف عجزه المادي بفائض من الصراعات الرمزية المستعرة، والخطابات الهووية ‏الحادة، مشكّلاً استمراراً وهمياً لمعركة لا أفق لها، مما يعمق التذرر ويؤبد الانقسام.

وهذه “الأوطان” التي يُعاد بناؤها على الشاشات ليست ‏نسخاً باهتة عن أوطان حقيقية غائبة فحسب، بل صارت في كثير من الأحيان أشد حضوراً وفعالية عاطفية من الأوطان الفعلية ذاتها: صورة ‏الخريطة، والعلم، وأرشيف الصور القديمة، كلها تعمل كبدائل تحل محل المرجع الذي غاب، حتى يصبح الدفاع عن الصورة ‏أشرس أحياناً من الدفاع عن الأرض التي لم يعد المتنازعون يؤمنون بها فعلياً.

إن هذين المستويين – ضعف الجسد المحاصر في الداخل، وضعف الصورة المتضخمة في الخارج – ليسا مسارين منفصلين، بل وجهان لعملة واحدة: ‏كلاهما نتاج انهيار المرجع الواحد القادر على أن يجمع “الداخل” و”الخارج” في سردية واحدة قابلة للسكنى. فحين يغيب هذا المرجع، لا يبقى أمام ‏المشرقي الضعيف سوى أن يختار أي فقر يقيم فيه: فقر الجسد المسحوق بالحاجة، أو فقر الصورة المتضخمة بالغياب.

ثالثاً- اللا-جديد: العودة الكارثية للرهانات المدمِّرة

إن ما يُسوَّق له اليوم في بورصة السياسة الإقليمية والدولية كـ “مشاريع جديدة” أو بدائل واقعية للاستقرار في الشرق الأوسط، هو في حقيقته ‏استعادة كارثية لأكثر أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي بدائية ونكوصاً. نحن في هذا الفضاء المشرقي لا نخرج من الماضي عبر تجاوزه، بل نرتدّ ‏بنحو فاجع إلى أسوأ ما فيه، فيما يشبه تكراراً حرفياً لتلك اللحظة التي وصفها مفكر إيطالي (أنطونيو غرامشي) في زمن أزمة مماثلة: لحظة يموت فيها القديم دون أن ‏يقوى الجديد على الولادة، فلا يبقى بين الموت والميلاد سوى فراغ تنبت فيه أعراض مرضية شتى، لا كائنات سوية.

  • وهم البديل الحداثي

إن القوى الفاعلة والمهيمنة على الأرض لا تطرح مشاريع حداثية أو تنموية جامعة، بل تستدعي الولاءات الأولية (القبيلة، ‏والمذهب، والخوف المشترك) كبديل زبائني عن المواطنة ودولة الحق والعقلانية السياسية. وما يُقدَّم بوصفه “واقعية سياسية” حكيمة -‏ القبول بحكم الأمر الواقع، والمساومة على الحقوق الأساسية باسم “الاستقرار” – ليس سوى إعادة تدوير لمنطق الغنيمة بلغة معاصرة، ‏حيث يُستبدل عقد المواطنة بشبكة من الولاءات المشروطة، قابلة للفسخ في أي لحظة يقرر فيها صاحب القوة إعادة توزيع الحماية.

  • الفوضى المُدارة كآلية حكم

إن النظام السائد حالياً في عموم المنطقة هو “فوضى مُنظمة ومُدارة” بعناية، تخدم مصالح أمراء الصراع، وشبكات ‏الجريمة العابرة للحدود، والقوى الخارجية المهيمنة. وما يميز هذه الفوضى عن الاستبداد الكلاسيكي والكلاسيكي المُحْدَث هو أنها لم تعد استثناءً مؤقتاً يُعلَّق ‏بموجبه القانون تمهيداً لاستعادته، بل صارت هي القاعدة ذاتها: حالة استثناء دائمة لا تنتظر أن تنتهي، لأن انتهاءها يعني زوال الشرط ‏الذي يبرر بقاء من يديرونها في مواقعهم.

في هذا النموذج، يصبح “غياب المعنى المشترك” وتأليب الهويات القاتلة ضد بعضها بعضاً هو ‏‏”الشرط الوجودي الأول” لاستمرار سلطات الغنيمة والتسلط في مواقعها؛ فكلما بدا الانفجار وشيكاً، كلما تأكدت ضرورة بقاء “الناظر” ‏الذي يَعِدُ بمنع الانفجار، وإن كان هو نفسه من يغذي فتيله بحساب دقيق.

وهذه هي بالضبط مفارقة “اللا-جديد”: أن الفوضى، حين تُدار بمهارة، تكف عن أن تكون خللاً يهدد النظم القائمة، وتتحول إلى العمود الفقري ‏الذي تقوم عليه تلك النظم. فلا أحد من فواعل الهيمنة يريد فعلياً حسم الصراع لصالح استقرار حقيقي، لأن الاستقرار الحقيقي يعني نهاية ‏الحاجة إليهم بوصفهم “ضرورة” يومية.

وهكذا يُعاد إنتاج الأزمة بوصفها مورداً متجدداً، لا عائقاً يُراد تجاوزه؛ وهو ما يفسر لماذا تتكرر “المبادرات” ‏و”خطط السلام” و”مسارات الحل” دورة بعد دورة دون أن تفضي إلى شيء يشبه القطيعة مع الحلقة المفرغة ذاتها، إذ إن كل هذه المبادرات تُصاغ ‏أصلاً من داخل منطق الفوضى المُدارة، لا من خارجه.

رابعاً- ما بعد نهاية التاريخ المحلي

تمثل الحالة المشرقية المعاصرة النموذج الأكثر تطرفاً ودموية لما يمكن تسميته بـ “ما بعد الحداثة الكارثية”، حيث لم تنكشف هشاشة اليقينيات ‏وسقوط الميتافيزيقا عبر الترف الفكري أو الحوار الفلسفي الهادئ، بل عبر الانفجار البنيوي الداخلي العنيف الذي لم يترك خلفه سوى الخراب ‏المادي والروحي.

وثمة سخرية قاسية في أن يُختار عنوان “نهاية التاريخ” لوصف هذه اللحظة، ذلك العنوان الذي بُشِّر به يوماً بوصفه انتصاراً نهائياً ‏هادئاً لنموذج سياسي واحد يعمّم نفسه على العالم بلا مقاومة تُذكر؛ ففي المشرق، “ما بعد نهاية التاريخ” لا يعني اكتمال أي نموذج وانتصاره، بل ‏يعني بالضبط نقيض ذلك: عجزاً عن إنتاج أي نموذج، وانسداداً كاملاً أمام فكرة “الاتجاه” نفسها. لم ينتصر هنا نموذج على آخر؛ بل انهارت فكرة ‏النموذج ذاتها تحت الركام.

إن “‎المشرقي الضعيف” ليس إنساناً متحرراً من الأوهام الميتافيزيقية بملء إرادته الحرة ليعيش نضجاً إنسانياً، بل هو كائن “ما بعد الأسس” الذي يعيش ‏في فضاء مدمَّر للمعاني، حيث سُحقت قدرته على التخيل التاريخي تحت وطأة الحاجة الفيزيائية الصرفة للبقاء.

ويمكن تكثيف هذا الانسداد الأنطولوجي في أربعة تمظهرات بنيوية كبرى:

  • فقر البدائل الوجودية

لا يواجه الإنسان المشرقي اليوم مجرد انهيار النظم القديمة، بل يواجه عجزاً هيكلياً عن إنتاج أي أفق جديد، ‏محاصراً بين “سرديات ميتة” كانت تمنحه معنى زائفاً لكنه مستقر، وبين “بدائل مسخ” تعيد إنتاج الهويات البدائية وتشرعن التبعية ‏والاستلاب. وهذا الفقر ليس فقراً في الخيال وحده، بل فقر في شروط إمكان الخيال نفسه؛ فحين يُستهلك كل جهد يومي في تأمين الخبز ‏والأمان، لا يبقى فائض طاقة رمزية يُستثمر في تخيّل ما هو غير قائم بعد.

  • وهم “قوة الضعف”

على عكس ما يطرحه فاتيمو بتفاؤل ومثالية عن “الضعف” كبداية لإنسانية جديدة متواضعة ومتسامحة، فإن هذا ‏التحول في السياق المشرقي المأزوم يتطلب كعتبة أولى “اعترافاً شجاعاً بالضعف المشترك” بين المكونات؛ وهو أمر يبدو شبه مستحيل في ‏مناخ الاختطاف والصراع الحالي، حيث تعمد النخب المتسلطة وفواعل الهيمنة إلى استغلال هذه الهشاشة كأداة إضافية للسيطرة ‏والتفتيت، لا كمنطلق للالتقاء الوجودي.

وهنا يحضر سؤال أخلاقي حاد يشبه ذلك السؤال الذي طرحه مفكر ألماني آخر (تيودور أدورنو) بعد كارثة ‏أوروبية سابقة عن جدوى الفن بعد الفظاعة: هل يبقى للتصالح مع الضعف معنى بعد أن استُنزف كل رصيد الثقة الذي يجعل ‏الاعتراف بالضعف فعلاً آمناً؟ فالاعتراف بالهشاشة يفترض حداً أدنى من ضمانة ألا تُستغل تلك الهشاشة فوراً سلاحاً ضد صاحبها؛ وهي ‏ضمانة غائبة تماماً في مناخ يتحول فيه كل اعتراف علني بالضعف إلى نقطة تُستثمر عسكرياً أو سياسياً خلال أيام معدودة.

  • اللا-جديد كقدر (تفكيك الحتمية)

تكمن المأساة الحقيقية في المشرق أن “الجديد” المطروح ليس سوى إعادة تدوير كارثية لرهانات قديمة فشلت ‏تاريخياً وقادت إلى المحرقة، مما يجعل “استحالة تخيل مستقبل مشترك” هي الحقيقة العارية القائمة وسط الركام. بيد أن هذا “القدر” ‏ليس حتمية وجودية مغلقة أو طبيعة جينية ثابتة للمنطقة، بل هو انسداد تاريخي مشروط باستمرار آليات الاستثمار في الكارثة من ‏قبل كارتيلات الصراع.

إن “الاستحالة” هنا هي عتبة الوعي الحادة؛ فالاعتراف بالانسداد التام ليس استسلاماً عاجزاً، بل هو الخطوة ‏المعرفية/ الإبستمولوجية الأولى لتفكيك الرهانات المدمِّرة وسحب الشرعية عنها. عندما يدرك “المشرقي الضعيف” عمق قاع الانهزام الوجودي ‏الذي يقف عليه، متحرراً من الأوهام والمشاريع المسخ، فإن هذا الإدراك الذاتي العاري قد يغدو – من باب الأمل وربما اليوتوبيا – النواة ‏الصلبة الوحيدة لتأسيس فعل تاريخي ومستقبلي مغاير.

  • الانهزام الوجودي الشامل

‎إن ما يعيشه المشرق اليوم يتجاوز بكثير الانهيار المادي للمدن وحطام العمارة؛ إنه فقدان المرجع الأخلاقي، وتذرير الذاكرة ‏الجمعية، والتعايش الاضطراري مع “فوضى منظمة” تديرها فواعل وشبكات تقتات على الصراع، وتدمير السيادة، وغياب المعنى المشترك. وهو انهزامٌ لا يطال بنية الفكر وحدها، بل ينسرب إلى شرط الكينونة اليومي؛ حيث يتآكل الإحساس بالزمن والغاية، ويُسلب الإنسان قدرته على الامتداد في المكان أو امتلاك حق التسمية، ليغدو العيش نفسه مجرد استمرار محايد ومفرغ من أي إمكانية لبناء معنى.

في الختام

يحمل “الإنسان المشرقي” اليوم هويته كعلامة استفهام ثقيلة، ودامية، وغير مضمونة النتائج. ويعيش في عالم سقطت “قصصه ‏الكبرى” ولم تولد فيه “بدائله الصغرى” الآمنة، حيث يصبح “الضعف” هنا حصاراً لا خياراً، وعجزاً وجودياً لا انفتاحاً معرفياً. و”ملاك ‏التاريخ”، ذلك الذي بدأنا به هذا النص، ما زال معلقاً في مكانه فوق مدن وأرياف المشرق، عيناه على الركام المتراكم، وجناحاه عاجزان عن الطي أو الطيران، ‏لأن الريح التي تدفعه إلى الأمام ليست ريح “التقدم” التي تخيّلها من رسمه أول مرة، بل ريح أشد قسوة: ريح الصراع التي لا تعرف اتجاهاً سوى مزيد ‏من الركام. وبدون وعي حاد وشجاع بآليات هذا الشَّرَك البنيوي، سنظل جميعاً نراقب العود الأبدي للموت وسط ركام التاريخ، ونصفق لرقصة ‏العنف والموت المشرقي المستدام.

———————

تنويه: ننشر هذا النص بإذن خاص من الكاتب، وهو منشور في المركز الكردي للدراسات.

د. عقيل سعيد محفوض

أكاديمي سوري، أستاذ العلاقات الدوليّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق