مسار جلجامش

محمّد سليمان: ذعر الرّواية الحقيقيّة

    بعد منتصف ليلة (6-7 أيلول عام 2007) شَنَّت مقاتلات “إسرائيليّة” اعتداءً جويّاً على موقع (الكُبر) في محافظة دير الزّور شرق سورية. رجّحت أغلب المصادر وقتها، أنَّ مفاعلاً ذريّاً سوريّاً كان قيد الإنشاء، وتَمَّ تدميرُه بالكامل في تلك العمليّة.
كانت الحادثة مبهمةً، اتَّخذ التَّشكيك وعدم الوضوحِ الطَّابع الأبرز في التَّعليق عليها، ما دفع البعض للتَّقصّي بشكلٍ قاد إلى الرّجوع لثلاث سنواتٍ من أجلِ تشكيل فهمٍ أكثر وضوحا عنها، وتحديدا إلى يوم (22 نيسان 2004)  الذي تمَّ فيه تفجير قطار نقلٍ كان يُقِلُّ عدداً من الخبراء والتّقنيين السّوريين النوويين، في كوريا.
شكَّلت هاتيك العودة وقتها شبه يقينٍ بحقيقة العمل وهويَّة الفاعلين فيه، ولكِنَّهُ وبرغم ذلك، بقيَت الغشاوة تعكِّر صفو الرّؤية الواضحة لمشهد دولةٍ تسعى باجتهادٍ لبناء قدراتها العلميَّة والعسكريَّة، تزامنا مع تلك الاقتصاديَّة والاجتماعيّة، في مقابل عدوٍّ مُتربِّصٍ بها، ومستعدٍّ لتدمير كلِّ محاولاتِها المُستحقة تلك.. كانت الغشاوة مشغولةً بالكيد السّياسيِّ، وقِصَرِ النَّظر، اللَّذينِ دفعا بعضا من السُّوريين إلى تبنّي رواياتٍ ساذجةٍ عن حقيقة ما جرى، وعن قيمة الإنجاز السّوريِّ وقتها بعد أن تمَّ دفنه تحت ركام السّياسة الدّوليّة العرجاء، وذات الرّؤية المُلتوية.

  في مطلع أيلول الحالي (2026)  صدر عن دار يديعوت احرونوت كتاب  “أريزونا، كلنا” لرئيس وزراء إسرائيل السّابق إيهود أولمرت.. فأين تكمن المفارقة؟!

  المفارقة المُفجِعة هنا بدأت من اسم الكتاب “أريزونا كلّنا” وهو ما كشف المخطوط نفسه عنه، إذ قال أنَّه كان اسم العمليّة الّتي نفّذها الجيش الإسرائيليُّ لتدمير المفاعل النّوويِّ السّوريّ.
إذا فالمشروع الوطنيُّ كان حقيقةً، والكيان الصّهيونيُّ هو من قام بتدميره.
ولكنّ ذلك كلّه ليس مجمل الرّواية، لأنّ هناك فصولا أخرى كشفها أولمرت في إصداره، الّذي تأخّر حتّى رُفِعَت السّريّة عن محتوياته من قبل الرّقابة العسكريّة العِبريّة.

  منتصف صيف 2008 وتحديدا في مساء أوّل أيام شهر آب، وعلى شاطئ مدينة طرطوس السُّوريَّة، وبينما كان اللّواء السّوريُّ محمد سليمان، يتناول طعام العشاء مع بعض ضيوفه، على شرفة شاليه ضمن مجمَّع الرّمال الذّهبيّة، أُطلِقَت عليه ثلاث رصاصاتٍ من جهة البحر، أردته على الفور، في عمليَّةٍ أمنيَّةٍ بَدَت أنّها مُحكمةٌ لدرجةٍ دفعت بجميع الأطراف وقتَها لالتزام الصّمت حيالها. إلّا أنَّ “المُعارضة” السّوريّة حينها كانَ لها رأيٌ آخر، فلقد خرج علينا معظم شخوصها، ليجزموا بأنَّ الدّولة السُّوريّة هي من قامت بـ “تصفية سليمان لحساباتٍ سياسيّةٍ رخيصةٍ” ضمن رواية كالتي اعتادت ماكينة التّرويج الغربيّة نسجها، ودفع بقيّة أذرُعِها العربيّة لتكرارها وتبنيها، ودفعها إلى أنوف الجمهور.
هنا يأتي فصلٌ جديدٌ من الرّواية المُفجِعة، وعلى لسان أولمرت نفسه، وضمن الحيثيّات الّتي يكشِفها..

  “إسرائيل قامت باغتيال سليمان، أحد أبرز مستشاري الأسد، والمشرف على المفاعل السوري الذي دمره الجيش الإسرائيلي قبلها بسنوات”

فماذا بعد!!
يوم الاثنين السّابع من شهر أيلول الحالي 2026 صرَّح المدير العام للوكالة الدَّوليّة للطّاقة الذّريّة رافائيل جروسي بما يلي:
“المفاعل النّوويّ الّذي أوشكت سوريا على الانتهاء منه في عام 2007، قبل أن تدمره طائراتٌ إسرائيليّةٌ، كان من النَّوع الّذي يُمكنه إنتاج موادٍ انشطاريّةٍ قابلةٍ للاستخدام في الأسلحة النّوويّة بسرعةٍ، وكان “شبه مُكتملٍ”.

  للتَّعليق بتوازنٍ على كلِّ تِلك المعطيات، لم أجد ما هو أكثرُ دقَّةً من مقارَبةِ الباحث السّوريّ أسد بابل، عِندما طالعنا بأحد مقالاته المؤلمة قبل أشهرٍ، وهو يقول:

  “إنَّ أبشع كوابيس المجتمع الخائف أنّ الرّواية الّتي قدّمتها الدّولة المهزومة في أثناء حربِها ضدَّ المُنتصر حالياً يتبيَّن أنّها صَحيحةٌ ودقيقةٌ وواقعيّةٌ ومُحقَّةٌ، وربَّما أكثر جوانب هذه الرّواية قسوةً، سيكون عندما يُدرِك المنتصر أنّ المُجتمع وصل إلى قعر هذا الخوف”

  اليوم نعيش انكشاف فصلٍ جديدٍ من تراجيديا السَّرديّة الصّحيحة للبطل المهزوم، ولذهرِ الشّعب الأعزل من كلِّ أسلحتِه، الماديَّة والمعنويّة.

د. أحمد العربي

باحث سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق