[يُنظر إلى الدكتور كمال يوسف الحاج (1917 – 1976)، كفيلسوف لـ “القوميّة اللبنانيّة”، التي يشرحها في أطروحة خاصة اختار “اللبنانولوجيا” عنواناً لها، قائمة أساساً على إدغام “القوميّة اللبنانيّة” بـ “الفلسفة اللبنانيّة” بواسطة “لغة عربيّة” متجلّية في أقصى معانيها.
لسنا في معرض بحث أطروحة الحاج، التي بدأت تتبلور خصوصاً في ستينيات القرن العشرين، ولم يتمكن من إكمالها كما كان يريد حيث قضى اغتيالاً في العام 1976، بعيد اشتعال شرارة الحرب الأهليّة في لبنان. كما لسنا بصدد مقاربتها برؤية أنطون سعاده ومنهجيته، بل نشير إلى أطروحته بشكل مُكثّف لنستلفت الانتباه إلى هذه المفارقة المتمثّلة بأنَّ فيلسوف “القوميّة اللبنانيّة” ألقى محاضرتين مميزتين تناول فيهما أنطون سعاده وفلسفته، في مركز “بيت الطلبة” الذي كان ينظّم نشاطات ثقافيّة في الفترة (1957 – 1959). المحاضرة الأولى جاءت بعنوان “سعاده ذلك المجهول”، والمحاضرة الثانية بعنوان “سعاده الفيلسوف”، التي شاعت في الأدبيات الفلسفيّة والفكرية، وغالباً ما يتم الاستشهاد بعبارة مقتطعة منها هي: ” عندي أنَّ سعاده فيلسوف فيلسوف. ولأول مرة في هذه الرقعة من الأرض، تتسيس الفلسفة وتتفلسف السياسة”.
ننشر فيما يلي النصّ الكامل للمحاضرة بوصفه وثيقة فكريّة مهمّة في تاريخنا الفكري عموماً، ونشير إلى الطبيعة الخاصّة للنصّ من حيث التركيب اللغوي لعباراته، الناتجة أساساً من رؤية كمال الحاج إلى اللغة بوصفها التجلي الأعظم للوجدان الاجتماعي. ن سلّوم]
سعاده الفيلسوف
كمال يوسف الحاج
الإنسان العشريني إنسان إحاطة… إنسان لهيف العقل إلى الكليّة… إنسان غوّال لا يرضيه الجزيء. إنّه الكائن الأوحد التوّاق إلى المعرفة. ولا معرفة إلّا تلك التي تشمل، فتربط الخاص بالعام، غامرة هكذا كل ظواهر المادة ومظاهر النفس. المعرفة المعرفة هي دائماً معرفة شاملة.
الطاولة، هي في حد ذاتها، ليست معرفة. هي جزء من كل. هي فردية منكمشة. قد تكون، في حد ذاتها، وقد لا تكون، الذي ينبئني أنها كائنة – في حد ذاتها – أو غير كائنة، هو الحكم الصادر عليها من قبل الإنسان. حين تربط بالإنسان، فيحكم عليها بانها كائنة – في حد ذاتها – او غير كائنة (أي حين يربط خاص الطاولة بالإنسان الذي هو أشمل منها وأعم) حينذاك ينقلب واقعها حقيقة… وحينذاك فقط تصبح الطاولة معرفة، ولا معرفة خارج الغاية.
والإنسان، في حد ذاته، ليس معرفة. هو جزء من كل. هو فردية منكمشة. قد يكون، في حد ذاته، وقد لا يكون. الذي ينبئني أنّه كائن – في حد ذاته – أو غير كائن، هو الحكم الصادر عليه من قبل المجتمع المحيط به. حين يربط بالمجتمع، فيحكم عليه بأنّه كائن – في حد ذاته – أو غير كائن (أي حين يربط خاص الإنسان بالمجتمع، الذي هو أشمل منه وأعم) حينذاك ينقلب واقعه حقيقة… وحينذاك فقط يصبح الإنسان معرفة. إذ المجتمع هو غاية الإنسان، ولا معرفة خارج الغاية.
المعرفة المعرفة، إذن، هي التي تشمل. هي التي تغمر الوجود كله في ضمة واحدة. هي التي تتناول إبرتها السماء والأرض في قطبة واحدة. هي نظرة شاملة في الله، والإنسان، والطبيعة. هذه المعرفة الحقة لا تقبل بالجزئي. لا تقبل بالمكسر، هي نمط خاص كي يصير عاماً. هي وحدة زخم يحتضن كل شيء جملة واحدة. تلك هي الفلسفة الخالصة. يقولون نحن في زمن الاقتصاد. أجل، نحن في زمن الاقتصاد. ويقولون نحن في زمن الاجتماع. أجل، نحن في زمن الاجتماع. ويقولون نحن في زمن السياسة. أجل، نحن في زمن السياسة. ولكننا، قبل كل شيء، في زمن الفلسفة. إنَّ عصرنا هو عصر النظرة الشاملة في الأمور. هو عصر استعلاء الفكر بفكرة إلى الواحد الأحد، هو عصر العقيدة. الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة أبواب من المعرفة. أجل، نحن في كل منها، كباب من أبواب المعرفة. يبقى أنَّ المعرفة ذاتها ليست أبواباً مفكفكة… مخلّعة. يوم تُجزّأ المعرفة باباً باباً، فمن قبيل التيسير يقتضي التكسير. أما حقها الصافي، النقي، الخالص، فهو أنها كالحلقة التي من حيث جئتها قالت لك هنا ألفي ويائي معاً… إنَّ كلي هو في كل بداية وفي كل نهاية.
قد نصف الاقتصاد على أنّه باب من أبواب المعرفة. إذ ذاك يكون علماً. وقد نصف الاقتصاد على أنّه القاعدة الأساسية للمعرفة إذ ذاك يكون الفلسفة. وإذ ذاك فقط يصبح الاقتصاد كبيراً. كل علم صغير مطت حروفه، فشمل وجمع، يصبح فلسفة في الوجود وما الفلسفة إلّا ذلك الاطلال الجامع الشامل، على مربعات الوجود. الفلسفة رعدة باطنية تنتاب الوجدان، مرة خلال العمر، في هنيهة مكوكبة، فينفتح العقل بها على مصاريعه، ليدرك أنَّ العلوم البشرية المجزأة هي ذات مفتاح واحد.
أجل، كل شيء كبير هو الفلسفة. الأدب الكبير فلسفة. الفن الكبير فلسفة. السياسة الكبيرة فلسفة. تلك هي المعرفة المعرفة. والأمم الواعية هي الامم العارفة بكبر في الذات. هي الأمم المتفلسفة. هي الأمم التي تستشرف من على قضايا الوجود رمة. إنَّ أمة لا تتفلسف هي أمة تتقزم. هي أمة تتصعلك. هي أمة تقنع بالزهيد. إنها أمة مملوكة، لا يقبلها التاريخ الأكبر، في قدس أقداسه. إنها أمة مدعوسة.
ولقد عرفنا الفلسفة، نحن، في هذه الرقعة من الارض. عرفناها تحت سمائنا، يوم جاء سعاده، وكانت الأمة كلها ترتقب تلك الساعة الرائعة. عرفناها يوم نظر سعاده، وشمل، وعقد، فكانت النظرة الشاملة… كانت العقيدة. يومها كانت غاية عظمى، فعلت، فغيرت وجه التاريخ. يومها ولجنا أبواب عصر جديد، فكان عالم النور.
السياسة سياستان. واحدة عامودية هي الكبرى، وثانية أفقية هي الصغرى. سعاده ما جاء ليتسيّس أفقياً. لقد كان كبيراً وكبيراً في سياسته. لقد تسيّس عامودياً. مثله كمثل النسر الذي يحلّق في الجو الفسيح. النسر لا يتأرض. النسر يمرح في شاهق المجرّة. هكذا كان سعاده في سياسته. كان عملاقاً، وبطلاً، فشهيداً. كان ذا عقل فاهم، ونفس نيرة. لقد كان يغير من فوق، بل من فوق الفوق، على مساحب الزمان ومرابط المكان.
قال… القيمة الكبرى، هي في العقيدة، لا في العيش. إنَّ العيش لا قيمة له. وما أكثر العائشين، بيننا، بدون عقيدة. يومها عرفنا الفلسفة. يومها قلنا، وسعاده هو المعلم، نحن نفكر في المسائل الكبرى. نحن نفكر في أمور لا تخطر على بال المرشح النيابي. يومها وجدت الفلسفة عندنا. ومتى وجدت أمة فلسفة لها، فقد وجدت حقوقها. ووجدت السبيل إلى هذه الحقوق. لا معنى لأمة لا تتفلسف. إنها أمة تابعة، لا أمة متبوعة.
أجل، عرفنا الفلسفة يوم قال سعاده إنَّ في حركتنا قضية عظيمة مقدسة. ونحن نثبت في هذه القضية العظيمة المقدسة. ونحن ننمو من أجل هذه القضية العظيمة المقدسة. ونحن، من أجل هذه القضية العظيمة المقدسة نحارب بالفكر… نحارب بالعمل… نحارب بكل وسيلة. وهل للحياة قيمة بدون قضية عظيمة مقدسة؟ بدون مبدأ؟ وبدون عقيدة؟ هل للحياة قيمة بدون مثل منشود؟ يومها عرفنا الفلسفة. يومها قال سعاده: “ما قصدت كره الاجنبي”. إذ ليس من هنا ينبغي لنا أن نبدأ. البداية الكبرى ليست بغضاً او جريمة. البداية الكبرى هي في صهر العقائد المتنافرة… في سبكها نظرة واحدة تشمل كل فكرة… في صبها، ثم امتشاقها رؤية جامعة تغمر الوجود رمة. البداية الكبرى هي في الحرية البيضاء.. تلك هي المحبة. يومها وجدت الفلسفة عندنا. يومها ولدت، تحت سمائنا، وعاشت واستشهدت، وبذلك استخلدت. منذ تلك الساعة الرائعة، لم تعد المطامع الأجنبية قادرة على تفسيخ وحدتنا، وإضعاف قوانا.
يومها قلنا للأغيار، وبهدوء وشمم، إنَّ فينا سراً عظيماً. يومها تأنسنت قوميتنا.
يومها ارتفعنا مع سعاده، كالصاروخ المجنح، إلى حيث لا فوق فوق فوقه… إلى الخزان العام التي تتفجر منه السويقات. من ذلك الخزان العام، يستمد صفة العبقرية والبطولة، الموسيقى النابغة، والأديب النابغة، والمربي النابغة، والمصور النابغة، والشاعر النابغة… والسياسي النابغة.
كل شيء كبير يستجلب فوراً من ذلك الخزان الصافي. كل شيء كبير يتعدى صغائر الأمور إلى القضايا الأساسية، التي تواجهها النفس الانسانية الراقية، المركبة، بما فيها من أفكار، وشعور، ومطامح، وميول، ومثل… وإلى ما تتعرض له تلك النفس من الصراع العنيف، الخفي أو المعلن، بين الأجمل والأقبح. بين الأسمى والأسفل بين الأنبل والارذل.
من ذلك الخزان العام أغار سعاده ثانية على الحياة. لقد ارتفع إليه، واقتطع منه النظرة الفلسفية الجديدة إلى القضايا الكبرى، المادية منها والروحية. إلى القضايا الاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية، والسياسية. إنَّ كل نهوض سياسي لا يبنى على الفلسفة هو من عوامل التخريب لا التعمير. السياسة الكبرى تحتاج إلى حافز روحي. هذا الحافز الروحي لا يكون خارج الشعور بوجود الخزان العام الذي هو شعور بوجود الانسانية. بدون هذا الحافز الروحي، الذي هو شيء حقيقي لا وهمي، تغدو السياسة ألواناً تقليدية، استعارية، باهتة، لا نضارة لها، ولا رونق ولا شخصية. هنا، في الخزان العام… أعنى في النظرة الفلسفية الشاملة.. نقطة الابتداء لطلب سياسة كبيرة، وأشكال سياسية كبيرة.
أمّا فلسفة سعاده فبناء متماسك له سقف عال هو الجوهر (أو السماء) وقاعدة راسخة هي الوجود (أو الارض) وجدران أربعة هي القيم الانسانية الكبرى.. أعنى الحرية، الواجب، النظام، القوة. تلك هي الحقيقة.
السقف
السقف هو الجوهر. هو السماء. والسماء واحدة، لا سماوات، وإلّا ألغيت سماويتها. لا تعدد في الجوهر، من حيث هو، لأنه ذو اقنوم بسيط. والبسيط لا يتجزأ. ثمة جوهر واحد، في كل الناس، هو الانسانية. أجل، هناك إنسانية واحدة، لا إنسانيتان… إنسانية واحدة، هي ذاتها، في كل زمان وكل مكان. هي ذاتها عبر التاريخ. هذه الإنسانية هي، عينها، وحدة الطبيعة البشرية الكائنة، في جميع الشعوب، وإن تعددت الأمزجة. الحب، البغض، الرقة، القسوة، السرور، الحزن، الطرب، التأمل، اللهو، التفكير، الطموح، القناعة. جميع هذه الثورات، والانفعالات والتصورات، هي واحدة لدى الأمم كلها في الشرق والغرب لا فرق بين أمة وأمة إلّا بمقدار تنبه النفوس لذلك الخزان العام، وارتقائها إليه، شدة إحساسها به.. أو خمولها، وانحطاطها، وعدم شعورها بالمنبع الأول، بجوهر كائن، هو تلك الطبيعة البشرية الواحدة. والجوهر، لا يكون جوهرين، بل واحد. والسماء، لا تكون سمائين، بل واحدة. والعقيدة، لا تكون عقيدتين، بل واحدة. والزوبعة، لا تكون زوبعتين، بل واحدة.
القاعدة
ولكن السماء ليست في السماء فقط، وانما هي على الأرض، أيضاً، وإلّا ما كانت سماء. فمن أراد أن يدرك السماء، قبض على الأرض، وسخّرها لغاياته السماوية. لذا كانت الجواهر السماوية وجودات أرضية… أي كانت القيم الإنسانية تحقيقات قومية. الحق، والخير والجمال، قيم اجتماعية. الحق انتصار على الباطل في معركة إنسانية، وليس في معركة غيبية، أو إلهية، تجري وراء هذا العالم، ولا يشترك فيها الإنسان – المجتمع الإنساني. الحرية ليست حرية السماء حيال السماء. بل حرية الأرض التائقة إلى السماء. الحرية، لا تتحقق في السماء، بل في الأرض. من هنا خطأ الذين فصلوا الأرض عن السماء.. ذلك لأنَّ التسامي إلى الجوهر لا يكون إلّا ضمن الوجود. ولقد ضلّ من حسب التسامي وراء الوجود وحدة “روحية”… والتسامي ضمن الوجود “مادية”. بهذا الخطأ خسرنا الأرض، ولم نربح السماء. ذلك لأنَّ الوصول إلى السماء يقتضي ارتقاءً من الأرض لا انحطاطاً من السماء. والأرض أرضون، لا واحدة، وإلَّا أُلغيت أرضيتها. القوة تتجسم أفعالاً. الجوهر يتمظهر وجودات. الإنسانية تتجسد قوميات. لا إجماع حول السماء إلّا في عالم ينتفي منه تنوع النظر. ولكن عالمنا هو عالم مجتمعات. إذ لا جوهر للجوهر الواحد إلَّا في وجودات متعددة.
الجدار الاول
هذا الانتقال من الجوهر الواحد إلى وجودات متنوعة، هو انتقال حر. هو ابتداء حر. السماء لا تبتدئ من سواها. لا قبل قبل قبلها. لا فوق فوق فوقها. إنَّ كل سماء تنبثق من سماء أعلى هي ليست بسماء. من صفات السماء أن تكون البادئة من ذاتها.. أن تزاول سماويتها في بدء من ذات ذاتها. وهكذا الحرية. الحرية لا تبتدئ من حرية أسمى. تلك الحرية ليست حرة. الحرية الحرية هي التي تكون حرة، بذات حرة، وإلَّا اتت حريات الغير عاراً عليها. الحرية الحرية هي التي تعرف غايتها، وتقدر أن تسير إليها، وسارت بملء إرادتها ومشيئتها. هذه هي الحرية الجديرة بالحياة، والتي حياتها عز وجمال. ومن هنا كانت مشكلة الحرية لا تحل إلّا بالحرية. فبديهي إذن أن تكون الحياة حياتنا نحن، وأن تكون الإرادة إرادتنا نحن، وأن يكون الهدف هدفنا نحن، وأن يكون المثال مثالنا نحن، وإلَّا فنحن ندعي ما ليس لنا ولا لنا حق فيه. ونطلب أن نحصل على ما لا نريد أن نعمل له، وهو أمر غريب فيه من العجب ما فيه.
الجدار الثاني
متى انطلق الإنسان من تلك البداية الرائعة.. أي متى أدرك الجوهر الحر، ولا جوهر إلَّا وهو جوهر حر، إذ لا جوهر قبل الجوهر.. قلت متى بدأ الإنسان هكذا، رأى ذاته في سبيل الواجب أن يكون. الحرية الحرية واجبة الوجود. هي واجب. الحرية الحرية ليست حرة أن تكون أو أن لا تكون. الحرية يجب أن تكون. السماء يجب أن تتأرض. العدالة يجب أن تتحقق. الحب يجب أن يتبدن. القيم كلها حرة. وهي حرة لأنها واجبة. وعليه، لا قيمة لحرية سماوية غير واجبة على الأرض. إن سماء لا تتأرض، أي أن تصير معرفة، لتكون سماء. لا يمكننا أن نتصور سماء بدون أرض. . ولا جوهراً بدون وجود.. ولا حرية بدون واجب. الحرية تفرض ذاتها. لذا لا حياد إزاءها. لا مناص منها. تلك هي حتمية انتصارها، متى اندلعت نيرانها، في قلب الإنسان. هذا الإنسان، لو شاء أن يفر منها لما وجد له مفراً منها.
الجدار الثالث
الواجب يستلزم النظام. المصادفة ليست واجبة لأنها ليست نظاماً. النظام ربط سابق بلاحق. هذا النظام لا يقوم بذاته في سبيل ذاته. هذا النظام ليس بالغاية. إنه واسطة لقضية يخدمها، وإلّا لا يفيد شيئاً ذا قيمة.
في الحياة العامة والخاصة. والنظام المعني، هنا، ليس عبارة عن صفوف مجموعة في ساحة من الساحات، مبتهجة بألوان قمصانها وشارات رتبها. الذين يفهمون النظام، على هذا الضوء، يضلّون الطريق إلى الحياة. النظام النظام هو نظام أكبر. هو منطق الوجود العام. هو عقله الواضح، وميزانه العادل. هو أن لا تأتي الحاء قبل الجيم… أن لا يسقط الحجل إلّا فوق… أن لا تنقلب لوحة القيم، فيصبح الخير شراً، والشر خيراً. الحرية الواجبة ليست عشوائية، الحرية اللاواجبة هي التي تتسنسن كيفمكانياً. لقد كان بمقدور سعاده أن يفر من الموت، في سبيل إعادة الحرية إلى ذاته. لم يفعل ذلك حرصاً منه على النظام الأكبر في الوجود، وإلّا عدّ جباناً. جاء سعاده ليحدث رعدة في قومه، ويموت لأجله. ذلك هو النظام الذي فرضته عليه الحرية. تلك كانت رسالته، والنظام تأدية رسالة، وقد أتم رسالته، وختمها بدمه الشهيد.
الجدار الرابع
النظام قوة. ولذا كان سر النجاح ليس في النظام عينه، بل في القوة التي تحرك النظام، أجل، متى أدرك الانسان الحرية الصحيحة، شعر بواجب وجودها ومتى شعر بواجب وجودها، في كيانه، انتظم ضمن شبكة الكون الأكبر. ومتى انتظم هكذا. اضمحلت العقبات من أمامه. لقد اندمج بالناموس الأعظم، وتحرك كما تتحرك كهربائية هذا الناموس، فتحكم بالخطر. الخطر ليس في الخارج أو من الخارج. الخطر هو في الداخل أو من الداخل. هو عدم ثقة بالنفس. هو من الذات الباطنة الخالية، الفارغة، من أنغام الحرية.
الخطر، يقول سعاده، هو في اضطراب الأعصاب. وكذلك القوة. القوة ليست في الخارج. أو من الخارج. القوة هي جوانيات النفس البشرية. من هناك تنطلق الثقة بالنفس. لذا كانت فاعلة مندفعة. كانت، بطبيعة نشوئها، قوة مهاجمة، لا قوة مدافعة. كانت صراعاً لا نهاية له، لأن العظمة التي تصل إلى نقطة، وتقف، تعلن أنّها انتهت هي دون العظمة الحقيقية. العظمة الحقيقية لا يمكن أن تحد. العظمة الحقيقية لا تنتهي ابداً. تلك هي القوة الجبارة.
بفضله، ولأول مرة
هذا هو سعاده الفيلسوف. بفضله عرفنا الفلسفة، فعرفنا السياسة الكبرى. الذي أعلمه أنَّ سعاده لم يكن يرمي، إلى غرض سياسي صغير. لقد كان يرمي إلى ما هو أعظم شأناً، وأكثر فائدة، من الغرض السياسي الصغير. كان يرمي إلى خلق عقيدة في النفوس. لقد كان يرى أنَّ الفورة السياسية وحدها أمر تافه، إذا لم ترتكز على نفسية متينة تثبتها النظرة الفلسفية في قلب كل فرد، سواء كان رجلاً أم امرأة، شاباً أم شابة. النظرة الفلسفية هي التي توحّد العواطف. هي التي تجمعها حول مطلب أعلى. هي التي تجعلها ايماناً واحداً قائماً على المحبة، التي إذا وجدت في نفوس شعب بكامله، أوجدت في وسطه تعاوناً خالصاً وتعاطفاً جميلاً، يملآن الحياة آمالاً ونشاطاً. حينئذ يصبح الجهاد السياسي شيئاً قابلاً للإنتاج. وأمّا الوطنية القائمة على تقاليد رجعية رثة، فهي شيء عقيم، ولو أدّت إلى الحرية السياسيّة.
عندي أنَّ سعاده فيلسوف فيلسوف. ولأول مرة في هذه الرقعة من الأرض، تتسيس الفلسفة وتتفلسف السياسة. بفضله لم تعد السياسة من الأرض في سبيل الأرض. أصبحت من السماء في سبيل الأرض. وهذا هو الأصح والأعظم. أصبحت عقيدة من السماء، أولاً، فتحقيقاً على الأرض. أجل، هذا هو الأصح والأعظم. ذلك لأنَّ الذي يُـبتدأ من الأرض، يظل في الأرض. لأنه يبتدأ بدون عقيدة. .. يبتدأ مفككاً، مخلّعاً. الذي يبتدأ من السماء، ينطلق وحدة متراصة، ثم يعود إلى السماء عبر الأرض. ألا يجوز لنا القول بعد هذا، بأنَّ سعاده قد خلّف لقومه تركة فلسفية خالدة؟
_____________________
تنويه وحاشية:
تم نشر هذا النص أولاً في مجلة “المجلّة” التي أصدرها ورأس تحريرها وفاء نصر. العدد السنوي الممتاز (1957 – 1958). كما تم نشره لاحقاً في مجلة “الثقافة” العدد الخامس. السنة الثالثة اول ايار 1959. وقد اعتمدنا النسخة التي ننشرها هنا على وثائق ومحفوظات الأمين لبيب ناصيف، الذي أعاد نشرها على موقع شبكة المعلومات السّوريّة القوميّة الاجتماعيّة بتاريخ 12 – 1 – 2018.



