في كتابه الشهير أسطوريات (Mythologies, 1957)، يقدم رولان بارت مفهوماً جديداً ومؤثراً للأسطورة. ليست الأسطورة عنده قصص الآلهة اليونانية أو الحكايات الشعبية القديمة، بل نوع خاص من الكلام (a type of speech) يستخدم في الحياة اليومية المعاصرة.
ما هي الأسطورة عند بارت؟
يقول بارت: “الأسطورة هي رسالة” (Myth is a message). لكنها ليست أي رسالة. إنها نظام دلالي ثانوي (second-order semiological system). أي أنها تأخذ علامة لغوية جاهزة (كلمة، صورة، إعلان، صورة فوتوغرافية، حتى رياضة أو وصفة طعام) وتستخدمها كـ”شكل” (form) فارغ تقريباً، ثم تملأ هذا الشكل بـ”مفهوم” (concept) أيديولوجي.
النتيجة الخطيرة والبارعة في آن واحد هي “التطبيع” (naturalization).
تحوّل الأسطورة ما هو تاريخي ومصطنع وعرضي — أي نتاج ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية معينة — إلى شيء يبدو طبيعياً، أبدياً، بريئاً، و”يذهب دون قول” كما يقول بارت. بهذه الطريقة، تُفرغ الأسطورة الواقع من تعقيده وتناقضاته وذاكرته التاريخية، وتعيد تقديمه لنا في صورة بسيطة وسعيدة وواضحة بحد ذاتها.
مثال : في مقالته الشهيرة عن غلاف مجلة Paris-Match، يرى بارت صورة جندي أسود يحيي العلم الفرنسي بابتسامة.
على المستوى الاول (علم العلامات الدرجة الاولى): صورة تدل على الوطنية والأخلاص.
على المستوى الأسطوري (علم العلامات الدرجة الثانية): تصبح الإمبريالية الفرنسية “طبيعية” و”إنسانية”.
فكرة أن “كل أبناء فرنسا، بغض النظر عن لونهم، يخدمون الوطن بفرح” تبدو أمرًا طبيعيًا، لا تاريخًا استعماريًا معقدًا وعنيفًا. وظيفة الأسطورة الأساسية الأسطورة، في معظم الحالات التي يحللها بارت، تخدم الأيديولوجيا البورجوازية في المجتمع الاستهلاكي. تجعل القيم والمصالح الطبقية تبدو كـ”جواهر” أبدية، وتخفي الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. هي، باختصار، آلية لتحويل التاريخ إلى طبيعة، والسياسة إلى “حس مشترك” (common sense).
هل كل أسطورة سيئة؟
لا يرى بارت الأمر بهذه البساطة. هو يعترف بإمكانية وجود “أسطورة على اليسار”،لكنه يلاحظ أنها عادة أضعف وأقل براعة من الأسطورة البورجوازية، لأن الخطاب الثوري الحقيقي يجب أن يبقى سياسيًا صراحة، لا يتنكر في ثوب الطبيعة.
لماذا ما زال بارت مهماً؟
في عصرنا الحالي، حيث تتكاثر الأساطير الرقمية (أسطورة الـ”self-made man”، أسطورة الإنتاجية المطلقة، أسطورة “الحياة المثالية” على إنستغرام)، يساعدنا بارت على فهم كيف تتحول أفكارنا اليومية إلى أدوات أيديولوجية دون أن نلاحظ. يعلمنا أن نقرأ العالم ليس فقط بما يقوله، بل بكيفية قوله. الأسطورة عند بارت ليست كذبة، بل طريقة في الكلام تجعلنا نصدق أن ما هو مصنوع من قبل البشر هو “طبيعة الأشياء”. ومهمة الناقد، كما يراها بارت، هي أن يعيد إلى الأشياء تاريخها وتعقيدها، حتى لو كان ذلك بوصف دقيق وهادئ وليس بخطاب مباشر.
_____________________
تنويه: مصدر المقال، صفحة الكاتبة على منصّة X تاريخ 24 نيسان 2026


