قبل نقاش موضوع فكر أنطون سعادة وعلاقته بالفكر الأوروبي الشمولي، من المهم إرساء الإطار العام عبر بعض الملاحظات حول هذا الموضوع، فالأنظمة التوتاليتارية راجت في أوروبا مع بداية القرن العشرين، وتعود جذورها إلى بعض فلاسفة القرن التاسع عشر الأوروبيين. وقد تكون هذه الأنظمة قد تبنّت نظرة شاملة للكون كردة فعل لسلطة الكنيسة التي قدمت طوال القرون الوسطى أجوبة لكل مناحي الحياة، وأصدرت “فتاوى” فيما يجب أن يتقبله المؤمنون في العلوم الطبيعية، وما يجب رفضه. فسلطة الكنيسة الكاثوليكية مارست هيمنة مطلقة على الفكر، وأسّست نظاماً شمولياً أرغمت الجميع على اتباعه تحت طائلة الحرمان الكنسي.
هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم مع نهاية العرب العالمية الثانية أدّت بفريق كبير من المثقفين إلى الجزم بأن عصر الأيديولوجيات قد انتهى. وهذه المقولة الشائعة كانت خاطئة لأن “الأيديولوجية” ليست أكثر من منظومة فكرية وترابط للأفكار لا غنى عنه من أجل تحديد أهداف واضحة يمكن تحقيقها. قد ننتقد أيديولوجية ما من هذه الأيديولوجيات ولكن هذا لا يؤدي إلى المطالبة بإلغائها إلّا إنْ كان المطلوب إلغاء الفكر.
أما بالنسبة للفكر الشمولي فنستطيع تحديده على أنه نظام سياسي تمارس فيه الدولة سلطة كاملة – عبر الحزب الواحد – على حياة مواطنيها في الشأنين العام والخاص، وتفرض نظرتها للأمور وقيمها عبر مؤسساتها؛ وتتميز بأنها تسيطر على كل مناحي الحياة من اقتصادية وسياسية واجتماعية وإعلامية، فلا تسمح بفكر حر، أو نقد ايديولوجيتها.
من المؤسف أن نرى أن العديد من المثقفين الذين تهجموا على فكر أنطون سعادة ونعتوه بالفاشي والنازي لم يقرؤوه، إذ أنني حين كنت أسألهم على ماذا يبنون هذا الموقف، كانوا يعترفون بأنهم لم يقرؤوه، بل وجدوا أن الزوبعة التي هي شعار الحزب تطابق الرمز النازي للصليب المعكوف!
لقد دحض سعادة بنفسه هذا الادعاء مؤكداً أن الزوبعة ليست إلّا “الهلال والصليب مندمجين في حركة واحدة ترمز إلى إزالة الفوارق الدينية ضمن الشعب الواحد” (سعادة، الآثار الكاملة، جزء 12 صفحة 43). كما دحض سعادة الفكر الفاشي والنازي برمته حين قال:”زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي لم ينشئ حزبه للزحف شرقاً أو غرباً، ولا للقول بتفوق العِرق الآري، بل لإيجاد قومية في سورية توحّد شعبها، وتمكنه من الدفاع عن حدود أرضه، ولإيجاد نظام اجتماعي جديد يحرّر الجماعات السورية من طغيان الاقطاع وخوف الفاقة” (الآثار الكاملة، الجزء 2، صفحة 43؛ والجزء 8، صفحة 77-78؛ والجزء 13، صفحة 14).
وهو انتقد بشدة جورج بندقي الذي كان مسؤولاً عن إصدار جريدة الحزب الرسمية “سورية الجديدة” في البرازيل، حين كان سعادة مقيماً في الارجنتين بسبب ملاحقته من قبل السلطات الفرنسية في لبنان، في رسالة كتبها عام 1939 يقول فيها:
“لقد يئست من حالة الجريدة بعد انتهاجها خطة التطبيل لكل من هتلر وموسوليني، ونشر صورهما. وكان من وراء ذلك أن أظهرتَ َََالجريدة التي تمثّل الحركة القومية الاجتماعية كحركة تسير على التعاليم النازية والفاشية، وتسير وفقاً لسياسة هتلر وموسوليني، وليس لها سياسة خاصة!” (سعادة، الاعمال الكاملة، الجزء 9 صفحة 173).
وينهي رسالة أخرى: “إنَّ سياسة الحزب السوري القومي الاجتماعي هي سياسة سورية قومية اجتماعية مستقلة عن أي سياسة أجنبية. إنَّ سياسة الحزب السوري القومي الاجتماعي ليست فاشية. إنَّ سياسة الحزب السوري القومي الاجتماعي ليست نازية” (سعادة، الاعمال الكاملة، الجزء 9 صفحة 185).
هذا يظهر بشكل واضح موقف سعادة واختلافه مع العديد من القوميين الاجتماعيين الذين أخذوا يناصرون هتلر وموسوليني، وهو منهم ومن موقفهم براء.


