إنْ أردنا تبسيط التعريف لقلنا ان العلمنة هي تيار يبتعد عن القيم التقليدية المتوارثة، ويرفض الترتيب التاريخي لدورة الحياة على أساس مسلّمات دينية مقدسّة أزلية. فلقد استُعملت كلمة علماني لتبيانها مع ما هو مقدّس أو إلهي، أو ماورائي، لذلك نجد ان تحديد العلمانية بالمذهب الدنيوي، والمجتمع الدنيوي، اذ ان التمايز في هذه الحالة يعود إلى ان الحضارات نُسبت سابقاً إلى أصول دينية ما ورائية. العلمنة اذاً تعني زوال المعنى الديني والقيم التي توارثتها المجتمعات عبر الدين والمؤسسات الدينية.
في البدء استُعملت كلمة “علمنة” بدافع عاطفي، وتمثلّت بنزعة ضد الاكليروس، وتدخله في شؤون الحكم عن طريق الأحزاب أو الحركات السياسية الدينية. الا انه سرعان ما اتخذت هذه الكلمة معانٍ أخرى، فعَنت تحرير العلوم الطبيعية من التفسير الديني، وتحرير العلوم الاجتماعية والفنون كالرسم والموسيقى من جذورها اللاهوتية، وكذلك عنت العلمنة اضمحلال تأثير الدين كعنصر أساسي لتفسير مسار المجتمعات الحديثة، وتم استبداله بالمعرفة الحسية واستنباط القوانين المنطقية التي تحرّك الظواهر الطبيعية والاجتماعية-السياسية.
العلمنة والرؤيا التاريخية
أهم العوامل التي أدّت إلى ترسيخ مفهوم العلمنة في الغرب، وانتشاره السريع، تمثّل في نشوء نهضة فكرية ترتكز على مقولة جديدة هي فكرة التطوّر. ففي القرون الوسطى كان الدين يحاول اقناع الناس بقدرهم، وتبرير ما يحدث لهم كالفقر أو الحرب من وجهة نظر دينية كعقاب على ممارسات معينة، ولم تنشأ فكرة فعالية التغيير، والرغبة في التغيير، الا في أواسط القرن الثامن عشر، حين لازمت الرغبة في التغيير فكرة أخرى هي “حتمية التغيير”.
فكرة التطوّر الاجتماعي – أي انه بإمكان الانسان، عبر عملية عقلانية، أن يحسّن وضعه ونظامه الاجتماعيين – هذه الفكرة شكلّت الحد الفاصل بين فكر القرون الوسطى والفكر الحديث. وكانت هذه الحركة بمثابة أيديولوجية جديدة، اذ انها رفضت بشكل قاطع الفكر التقليدي الذي دعمته الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى والقائل بأن الله قضى بأن يقبل الانسان بنصيبه وعذابه على هذه الأرض كي يكسب الآخرة. وفي الوقت نفسه، رفض دعاة التطوّر مقولة الكنيسة بأن النظام الاجتماعي صُمّم بإرادة الهية، وبالتالي لا تُنتهك حرمته، وان أي محاولة لتغيير الوضع الاجتماعي من الغاء للعبودية، أو خروج عن قيود الاقطاع، انما هي خطيئة مميتة ضد تصميم الله وخطته على هذه الأرض.
ومن الصعب اليوم ان نعطي هذه الحركة حق قدْرها لجذريتها آنذاك، وروحها المغامرة والمتفائلة بمستقبل الانسان. فلقد تصدّت لمجموع الاساطير والخرافات والقوانين والمحرمات الدينية، وانتهت إلى تدمير السلطة القائمة واستبدالها بمفهوم حديث للسلطة والدولة. وسادت فكرة ان الانسان يستطيع أن يطوّر ويحسّن مجتمعه، وهي الفكرة الرئيسية وراء كل الأيديولوجيات والبرامج التي تطمح إلى التغيير الاجتماعي عبر الإصلاح أو عبر الثورة. فالتراث الديني يستقي مثله العليا دائما من الماضي الغابر الذي تدنس وانحطّ عبر الأجيال، بينما ترعرعت فكرة ان المجتمعات تستطيع أن تتطوّر نحو الأفضل بفضل جهودنا. وهكذا تغيرت وجهة المسيرة الإنسانية، فبدلاً من النظر إلى الماضي “الذهبي”، انتقلت الرؤيا نحو المستقبل، والعمل على حاضر أفضل.
من المهم أن نستعيد الجو الذي كان سائداً في القرن الثامن عشر واحتدام الصراع بين الفكر الديني الذي يبني علومه ومعرفته على الكتب المنزلة والمقدسة كما وصلت إلينا منذ القدم، وبين الفكر الحديث الذي يبني على المجهود العقلي للإنسان لدراسة الظواهر الطبيعية والمجتمعات الانسانية.
هذه كانت حرب شعواء ولا تزال حتى اليوم بين تيارين أحدهما يؤمن بالتطور والآخر ينفيه.
مثال ذلك ان دانيال بليس وهو من مؤسسي الكلية السورية البروتستانتية، وتغير اسمها لاحقاً لتصبح الجامعة الاميركية في بيروت – حارب بشدة نظريات داروين العلمية ومنع تعليمها في الكلية منعاً باتاً، وهدد اي طالب يقرأ داروين بالطرد!
وكان جدي، الدكتور خليل سعادة من اوائل الذين التحقوا بالكلية وتخرج منها طبيباً جرّاحاً. وخلال دراسته مع استاذه الدكتور فان دايك، أعاره هذا الأخير، وبشكل سري، كتاب داروين حول نظرية التطور، فتبناها جدي كما تبناها زملاؤه شبلي الشميل وفرح أنطون وجرحي زيدان.
وكان هؤلاء يعدون من طليعة التيار العلماني الذي رفض التفسير الديني للظواهر الطبيعية.
ومن المثير للانتباه أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية لديها حتى اليوم ولايات تمنع دراسة داروين ونظرياته في التطور، وتفرض على الاساتذة تعليم الاطفال أنَّ العالم ولد خلال سبعة أيام كما يقول الكتاب المقدس تحت مسمى:
!The Creationist Doctrine
العلمنة والدين في تطور الغرب الاوروبي
لقد استطاع لوثر في القرن السادس عشر أن يحرر الفرد من سلطة الكنيسة الكاثوليكية بتأكيده أن الفرد يستطيع أن يحدّد ما هي مشيئة وإرادة الله، ولا يحتاج لكنيسة أو لإكليروس كي يفعل ذلك. هذا المفهوم أدّى إلى نشوء مناخ حر ساهم في إرساء قواعد علمانية أو دنيوية، بدلاً من القواعد الدينية الجامدة والقامعة للفرد والمجتمع. وكي يقاوم الكنيسة بنجاح، استند لوثر إلى الانجيل، وألغى كل القوانين التي نصتها الكنيسة في عهدها الطويل من حرمان أو بيع أراضٍ في الجنة، ومن محاكم الدين المجحفة. فالجديد في ثورة لوثر احتكامه إلى عقل الفرد؛ فكل انسان بمقدوره أن يفهم الاناجيل، وأن يقرر بنفسه دون الحاجة إلى وصي كي يفسر له أو يبرمج حياته. كذلك شددّت البروتستانتية على العمل اليومي والإنجازات الدنيوية، ولم يكن مثالها الأعلى التأمل والزهد والانقطاع عن الحياة الزوجية، بل على العكس من ذلك.
ومن نتائج تحرير الفرد من الكنيسة، تحرير العلوم الطبيعية والاجتماعية كذلك، إذ أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تستقطب العلماء والمثقفين الذين كانوا يقدمون النظريات العلمية والاجتماعية التي كانت تدعّم نظريات الكنيسة ومقولاتها الدينية. فكل طبيب كان يشرّح جسداً يُعتبر “هرطوقاً”(كافراً) جزاؤه الحرق؛ وكل من يقول إنَّ الأرض تدور حول الشمس، يُساق إلى المحكمة، ويُهدّد بالقتل، أي ان الاعتبارات العلمية لم تؤخذ كحقائق دامغة، بل يتم الحكم عليها من خلال النصوص الدينية!
انفصال البروتستانت عن الكنيسة الكاثوليكية “الجامعة” فتح الباب لبروز تيار علمي مؤمن بوجود الله لكنه مؤمن أيضاً بوجود حقائق علمية دنيوية خارج الدين. أخذ هذا التيار بدراسة الظواهر الطبيعية في محاولة لاكتشاف قوانينها واستنباط حركتها بمعزل عن ايمانهم، وبالنتيجة، يتحكّمون بمسار الطبيعة بعد معرفة قوانينها، بدلاً من الانصياع لما لا مفرّ منه حسب الأيديولوجية الدينية.
في تلك الفترة حصل الفصل التام بين دراسة الظواهر الطبيعية والنظريات الماورائية، فانحسر تدخّل الدين في العلوم، ما اعطى استقلالية جديدة للفكر كي ينمو دون ضغوط من رجال الدين، وسرعان ما ارتدّ ذلك في مضمار العلوم الاجتماعية ومنها دراسة أنظمة وطبيعة السلطة والحكم. وربما انفتاح العلوم الاجتماعية، ودراسة تطور المجتمعات هو السبب الأكبر في تلاشي قبضة رجال الدين على المفاهيم والقيم، اذ ان هذه الدراسات انتهت إلى الاخذ بطرق جديدة في التفكير لم تكن تخطر على بال انسان عاش في القرون الوسطى؛ ومنها، النظريات “النسبية”، وعدم وجود قيم مطلقة، بل هي محدودة بالزمان والمكان، وتغيّر القيم بتغيّر مسار المجتمعات وتطورها؛ بينما ينظر الدين إلى هذه القيم على أساس انها مطلقة ونهائية وصالحة لكل زمان ومكان.
العلمنة وتأسيس الدولة-الأمة
لقد ترافق تطوّر مفهوم العلمنة مع نشأة وترسيخ القوميات واندثار الامبراطوريات الدينية بدءاً من الغرب، ومن ثم سقوط كل الامبراطوريات الدينية في الشرق ايضاً من بوذية وكونفوشية وغيرها. نظرياً، طمحت الدولة العلمانية القومية إلى تأمين الرفاهية المادية والمعنوية لمواطنيها بمعزل عن دينهم أو طبقتهم الاجتماعية، اذ ان الجامع المشترك بين المواطنين لم يعد الانتماء الديني، بل الوطن بما أن العلمنة حيدّت الاختلافات الدينية.
مما لا شك فيه أن الدين لعب دوراً مهماً في الماضي في ترابط المجموعات البشرية عبر ترسيخ قيم مشتركة وايمان مشترك ومعتقدات واحدة، لكن نشأة القوميات ومفهوم الفصل بين الدين والدولة، جعل هذه الأخيرة في وضع من ينشد الترابط والتماسك ضمن المجتمع من خلال قيم أخرى تشدّد على دور المواطن في المجتمع، وماهية حقوقه وواجباته، اذ ان تشتت العلاقات والانتماءات ضمن المجتمع الواحد يؤدي إلى ضعف وانهيار الوطن والدولة معاً.
فمن الاستحالة أن نوفّق بين مفاهيم كالعدالة والمساواة بين المواطنين، وفي نفس الوقت نميز بينهم بناء على انتماءاتهم الدينية أو المذهبية، وحديثنا عن الديمقراطية، أي تمثيل الشعب في السلطة والحكم، دون وجود نظام علماني، تناقض فاضح في منطق العدالة والمساواة!
لذا تأسست الدولة العلمانية وفق الشروط الآتية:
أولاً، حرية المعتقد، أي ان المواطن له كامل الحرية في معتقداته، ومنها المعتقدات الدينية التي هي شأن خاص تمت إلى حياته الروحية ولا دخل للحكومة فيها طالما ان هذه المعتقدات لا تمسّ جوهر الوطن، وطالما أن تطوير المجتمع يقوم على قوانين اجتماعية علمية، وعلى إرادة المواطنين.
ثانياً، حلّت المواطنة محل الانتماء الديني، فهي تقع في المرتبة الأولى، لأن الانتماء الديني هو ايمان شخصي ليس له حدود جغرافية، فالفرد يستطيع أن يمارس شعائره الدينية حيث يشاء في العالم، بينما تقف حدود الانتماء القومي عند الحدود الجغرافية للوطن.
ثالثاً، الفصل النهائي ما بين الدين والدولة. فالعلمنة لا تعني الغاء الدين، بل وضعه في المرتبة الثانية، بينما يحتلّ الانتماء إلى الوطن المرتبة الأولى، أي ان الولاء للوطن وللمجتمع الوطني بمعزل عن اديان ومذاهب مواطنيه، له الأولوية المطلقة والا انقسم وتفتت الوطن.
حين تُطرح شعارات كالسيادة، والمساواة والديمقراطية، هدفُها جعل الشعب، بكل تياراته وفئاته مصدراً لقرار مصير الوطن واتجاهاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا يتطلّب تسامحاً من قبل المواطنين تجاه الأديان والتيارات السياسية المغايرة، طالما تصب في مصلحة الوطن، لا الدول العدوة. وهذا التسامح موجود في الديانتين المسيحية والإسلامية، فالذي توارثته هذه المنطقة عبر تجربتها التاريخية هو مجموعة من القيم الإنسانية التي تدعو إلى احترام الآخر وليس إلى قتله وتدميره.
في الختام، الدولة العلمانية الوطنية هي دولة تدعو نظرياً إلى الاخذ باتجاه متسامح ومنفتح تجاه الحياة، وترتكز في بحثها عن الحقيقة على دلائل حسية، لأنها تهتّم بالعالم المرئي والمحسوس، وتنأى عن خوض غمار البحث الماورائي؛ وتتبع الطريقة العلمية، وتغيّر القوانين بما يتناسب وأوضاع المجتمع وقيمه المتغيرة، لذلك قوانينها ليست جامدة وأزلية، بل متحرّكة؛ وتؤمن بأن السلطة والقرار النهائيين هما للشعب، أي ينبعان من الأرض لا من السماء، وترى ان الدولة أنشأها البشر في سبيل تنفيذ غايات إنسانية، وتحافظ الدولة العلمانية على الحريات الشخصية ضمن الدولة الوطنية التي لها أولوية في العالم الحديث ، لأن هذا العالم مبني اليوم على مفهوم الدولة-الامة في مواجهة الدول الأخرى، وبالتالي لا مناص للشعوب من أجل بقائها الا التموضع تحت مفهوم الدولة الوطنية الحديثة


