الشرع الأعلى

الفلسفة والهويّة

المشرق: سؤال الهويّة وأسئلة الحداثة

تُعدّ الهويّة القوميّة لأيّ أمّة حصيلة تاريخيّة وثقافيّة وسياسيّة، تعبّر عن شعور الانتماء الجمعيّ، وتُحدِّد علاقة الفرد بالدولة والمجتمع. وفي عالمنا المعاصر، غدت الهويّة إحدى ركائز الدولة الحديثة، وأداة أساسيّة لتعزيز الولاء العام، وضمان السلم الأهليّ، وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وكان الفكر الفلسفيّ طرح منذ قرون سؤال الهويّة بوصفه أحد أعقد الأسئلة التي واجهت الإنسان. وتتبدّى الهويّة هنا ليس فقط كإحساس بالانتماء الفرديّ أو الجماعيّ، بل كمعركة فكريّة وسياسيّة وثقافيّة تتجدّد مع كلّ عصر.

في هذه المقاربة، لا يمكن النظر إلى الهويّة السوريّة وكأنّها نتاج «اختراع استعماريّ» كما يروّج بعض الباحثين، بل لها جذور أصيلة في التاريخ السوريّ. ولهذا يجب أن تكون قراءاتنا مغايرة للسرديّة الاستعماريّة التي طالما افترضت أنّ وحدة السوريّين (سورية الطبيعيّة) كدين وفكر فلسفيّ لم تتبلور إلّا في الحقبة الاستعماريّة، رغم أنّ المؤرّخين السوريّين أو العرب أو الغربيّين لم يغيّبوا مصطلح «بلاد الشام» في كتاباتهم، بل بقي ماثلاً في كتاباتهم كوحدة جغرافيّة وديموغرافيّة.

في هذا الاتّجاه ارتكز مفهوم الهويّة على حقيقة أنّ ما يوحّد المجتمع لا يعني إنكار التعدّد، بل الاعتراف به ومن ثمّ استيعابه داخل إطار أكبر. هنا يظهر العمق الفلسفيّ في التجربة القوميّة كما طرحها المفكّر/ الفيلسوف أنطون سعاده، حيث يتمّ تجاوز الصراع بين الاختلاف والوحدة، لصالح جدليّة تؤكّد وحدة الحياة للنسيج المجتمعيّ السوريّ. هذه الرؤيّة لا تنعكس فقط على تاريخ الفكر القوميّ الاجتماعيّ، بل تحمل أيضاً بُعداً معاصراً يخصّ النقاشات حول الهويّة، سواء في سورية الطبيعيّة أو المشرق العربيّ أو في العالم.

في المشرق العربيّ، جاء سؤال الهويّة محمّلاً بثقل الاستعمار وتجارب الانحطاط والانبعاث، فصار همًاً مضاعفاً: كيف يحافظ الفكر على الذات الحضاريّة ويؤسّس هويّة قوميّة متماسكة، وفي الوقت نفسه يواجه ضغوط الحداثة الغربيّة وأسئلتها؟

نشوء الأمم

يعدّ مبحث «نشوء الأمم» للمفكّر/ الفيلسوف أنطون سعاده، مرجعاً مهمّاً لكلّ من يهتمّ بعلم الاجتماع ودراسات تكوّن المجتمعات والهويّة وتاريخ الأفكار في المشرق. أسلوبه يجمع بين الدقّة العلميّة واللغة المباشرة، يجعله مفيدًا للمتخصّصين وللقارئ المثقّف على حدّ سواء. كما أنّه يثري النقاش الفكريّ/ الفلسفيّ في المشرق حول مسألة التعدّديّة والوحدة، من خلال مثال تاريخيّ غنيّ يعكس تعقيد التجربة السوريّة.

ليست الهويّة لغة ولا ديناً، ولا تاريخاً وموروثاً، ولا حكماً ومؤسّسات اقتصاديّة وثقافيّة فقط، إنّما هي الإنسان والأرض، وكلّ ما سبق ذلك هي عوامل ناتجة من مجرى تفاعل الإنسان مع الأرض.. ونستطيع القول أيضاً إنّه لا اللغة (أو اللغات) ولا الدين ولا التاريخ أشياء جامدة لا تتحرّك، إنّما هي قوى ماديّة وروحيّة، وفلسفة تخضع لطبيعة حركة المجتمع وأفكاره التنويريّة.

مفهوم الهويّة ومعضلتها

ما تشهده الجماعات السوريّة من تراجع، يعود في الأساس إلى الأفكار التقليديّة وهيمنتها على أيّ عمل تنويريّ، لذا فهي تقتل أيّ فكرة تنويريّة من المنبع، لأنّ التنوير يحتاج إلى مساحة واسعة ينطلق فيها العقل، بعيداً عن محدوديّة الرؤيّة التي يعاني منها الخطاب الانعزاليّ الحاليّ. فالعقل السوريّ بحاجة إلى حالة من التنوير، خصوصاً في تلك اللحظة الملتبسة التي تتطلب سبراً معرفيّاً جامعاً، وهذا يحتاج إلى جهد مجتمعيّ لا «جماعاتيّ»، بحيث تعمل مراكز الثقافة المتعدّدة والمنتشرة في الوطن السوريّ، على تعميق فكرة الهويّة والخصوصيّة السوريّة، ولكن ليس بالانعزال عن العالم العربيّ بل من خلال القيام بدور فعّال في نهضته.

هناك حلّ وحيد، وهو تأكيد الدولة المدنيّة وأفكارها المنفتحة على الآخر، والعمل بمبدأ المواطنة، على أن يهيّئ المثقّف الراهن «جماعته» في هذه الفترة، بأن يكون مؤمناً بالمفهوم العصريّ للدولة، وهذا لن يتمّ من دون إيمان هذه «الجماعة» أو «الجماعات» بالهويّة الواحدة في المجتمع السوريّ الواحد.

من دون شكّ، تمرّ الجماعات في سوريّة الطبيعيّة بانتكاسة عقليّة، الخصومات بينها تتصاعد والحروب الطائفيّة والعرقيّة تأكل الأخضر واليابس داخل أيّ مدينة تمتاز بالتنوّع المذهبيّ أو الدينيّ أو الإثنيّ؛ ولعلّ مدينتَي كركوك والقامشلي وبيروت نماذج في هذا المضمار. لا توجد لغة للتفاهم والحوار، وكلّ طائفة أو إثنيّة منغلقة ومنعزلة على ذاتها، وهي تعتقد بأنّها تمسك بجمرة الحقيقة، أمّا الآخر فيمسك برماد الضلال.

الجماعات، إن بقيت على هذا الحال، فإنّ مصيرها الانهيار والموت والتشظّي ولا سبيل إلى إصلاحها إلّا بدفعها دفعاً قويّاً باللجوء إلى البحث عن الحقيقة النسبيّة والتخلّي عن العقل الانعزاليّ الذي يتماهى كلّ حين مع العقل المذهبيّ والإثنيّ.

إنّ «دروس الهويّة لم تهيّئنا إلّا إلى ثأر أخلاقيّ من كلّ أنواع الآخر، ربّما هو الأساس العميق لأيّ رغبة عدميّة في قتله»، كما يقول الباحث العراقيّ سعد محمّد رحيم في بحثه «مفهوم الهويّة ومعضلتها: الذات والآخر». وغالباً ما كانت الهويّة تُصمَّم كصناعة، أو يُوحَى بها مؤسّسيّاً سلطويّاً.. والسلطة هنا لا تعني سلطة الحكم السياسيّ، وإنّما كلّ سلطة جماعاتيّة، دينيّة وطائفيّة وعشائريّة لها هيمنة على تابعيها.

وفقًا لبحوث تمّت مراجعتها من جهات عديدة يتّضح أنّ انزلاق الجماعات الإثنيّة والمذهبيّة إلى الانعزال يتهيّأ لها أنّها تتحدّث اللغة التي لا تريدها، ولا تمتلكها، ولا تنتمي لها، ولا هي شكل من المكان أو رائحة الزمن. ومن هنا فإنّها تتحوّل مظهراً من مظاهر الاغتراب الداخليّ، وهنا تنشأ إشكاليّة الهويّة.

الهويّة والحداثة

في كتابه «الهويّة والحريّة: نحو أنوار جديدة» يُرجع الباحث فتحي المسكيني فكرة اختراع الهويّة إلى الحداثة التي اخترعت كذلك مقولات السيادة والوطن والعَلَم. ولكن هل يعني هذا الكلام أنّ حداثتنا مستعارة ومشوّهة ومهترئة وباتت الهويّة من خلالها معضلة وإشكاليّة، بدأت مع السلطة التي كرّست مفهوماً عروبيّاً عنصريّاً على حساب العروبة الواقعيّة العاقلة؟

ستبقى «هويّة» الجماعات في التباسات وعينا مصدر إعاقة أكثر من كونها دافعاً خلّاقاً للفعل في المجتمع القوميّ السوريّ، ولطالما كانت الهويّة «أحد الشروط الحقوقيّة للانتماء، كما ضبطتها فكرة الدولة (الحديثة)، وليس شكلاً وجوديّاً».

لقد اتّخذت حركة التنوير «شكل ثورة على التزمّت، والتركيز الإيجابيّ على استخدام العقل والأساليب التجريبيّة في الكشف عن الحقيقة وتأمين السعادة وإعادة تشكيل المؤسّسات على نحوٍ يكون أشدّ قدرة على توفير التقدّم الاجتماعيّ». وكان الفيلسوف عمانوئيل كانط قد عرّف التنوير بأنّه: «خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حقّ نفسه من خلال عدم استخدامه عقله إلّا بتوجيه من إنسان آخر».

في ضوء هذا الواقع، انطوى تاريخ الفكر على مفارقات عديدة، والانفراط، إذا ما استخدمنا عبارات عالم الاجتماع الفرنسي ألان تورين الذي حدث بين شذرات عصر التنوير والحداثة، حيث الحداثة امتداد لذلك العصر ووجهه الآخر، أدّى إلى دفع أثمان غاليّة من رصيد البشر وبيئتهم ومستقبلهم.. وتورين يلخّص تلك المفارقة في نهايّة كتابه «نقد الحداثة»، واجدًا لها الحلّ، بقوله: «إنّ الدعوة إلى الذات يمكن أن تتحوّل إلى العداء للعقلنة وتتراجع إلى هوس بالهويّة أو انغلاق في جماعة».

في سياقنا «السوري الطبيعي» تبقى إعادة بناء الدولة/ الأمّة العصريّة على مبادئ القانون والمواطنة والحرّيّة والعدالة الاجتماعيّة والتسامح وخلق المجتمع المدنيّ المنتج هي الرهان الأكبر في تقويض ثقافة العنف والإرهاب، وإنهاء صراع «الهويّات المتواجهة».

نطمح في أن تنتشر ثقافة التنوير بشكل جماعيّ، فالتعريف العلميّ للمثقّف هو الطليعة الروحيّة لشعبه، وهذا مفتقَد عندنا، فلدينا الكثير من الروائيين الشعراء والأدباء، ولكنّنا ما زلنا نفتقد كثيراً للمثقّف الحقيقيّ المجدِّد، بينما في الدول الغربيّة نجد أنّ للمثقّف دوره الفعّال.

جدل الهويّة في الغرب

عند النظر إلى الفلسفة الغربيّة نرى أنّ الهويّة ارتبطت منذ بداياتها الحديثة بتشكّل الدولة القوميّة. فقد كتب جان جاك روسو في «العقد الاجتماعيّ»: «يولد الإنسان حرّاً، ومع ذلك فهو في كلّ مكان مكبّل بالأغلال»؛ ويتابع قائلاً عن الهويّة الجماعيّة من هذا المنظور معتبرًا أنّ الفرد لا يحقّق ذاته إلّا في جماعة سياسيّة تجسّد إرادته العامّة وتمنحه معنى الحرّيّة المشتركة. هذا التصوّر يضع الحرّيّة الجماعيّة في قلب الهويّة السياسيّة الحديثة، حيث لا تتحقّق ذات الفرد إلّا من خلال انخراطه في الإرادة العامّة. ثمّ جاء هيغل ليؤكّد أنّ الهويّة لا تكتمل إلّا عبر الدولة، إذ قال في «محاضرات في فلسفة التاريخ»: «إنّ الدولة هي الواقع الفعليّ للفكرة الأخلاقيّة». ونقل هيغل النقاش إلى مستوًى أعمق، حين رأى أنّ الهويّة لا تكتمل في الفرد وحده، بل في الروح الجماعيّة للأمّة والدولة. والتاريخ عنده ليس سوى مسار جدليّ يتجلّى فيه العقل والحرّيّة عبر الشعوب التي تحمل في مرحلة معيّنة رسالة روح العالم. ومن هنا أصبحت الهويّة الوطنيّة تجسّد الفكرة العقلانيّة العليا في صورة الدولة الحديثة، حيث تتحقّق الحريّة وتتجسّد الإرادة العامّة في مؤسّساتها. ومن هنا صار الانتماء القوميّ تجسيداً لفكرة عقلانيّة عليا، لا مجرّد رابطة اجتماعيّة فقط.

نعم، لقد شغل سؤال الهويّة مفكّرين كباراً منذ القرن السابع عشر. فقد ربط جون لوك الهويّة بالوعي والذاكرة، فجعل الإنسان لا يكون هو نفسه إلّا بما يتذكّره عن نفسه، أي بما يحمله من خبرة متراكمة تشكّل خيط الاستمراريّة عبر الزمن. ثم جاء كانط ليعطي الهويّة بُعدًا أخلاقيّاً كونيّاً، إذ ربطها بقدرة العقل على وضع القوانين التي تضمن استقلاليّة الإنسان وكرامته، جاعلاً من الذات مشروعاً عقلانيّاً يتجاوز الخصوصيّات المحلّيّة.

لقد أسهم هذا التصوّر في ترسيخ الدولة القوميّة الأوروبيّة، لكنّه فتح أيضاً الباب أمام توتّرات حادّة حين تحوّلت الهويّة القوميّة إلى أداة صراع وصدام بين الأمم. فالحروب الكبرى التي عصفت بأوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين حملت في عمقها شحنة قوميّة جعلت الهويّة عامل تعبئة بقدر ما كانت عامل وحدة. ومع ذلك، يبقى إرث الفلسفة الحديثة أساسًا لفهم كيف ارتبطت الهويّة، منذ نشأتها الأولى في الفكر الغربي، بمفاهيم الحرّيّة والعقل والدولة، وكيف تحوّلت من شأن فرديّ وأخلاقيّ إلى رهان سياسيّ وحضاريّ يرسم ملامح التاريخ.

الخطاب الشعبويّ

مع منتصف القرن العشرين دخل سؤال الهويّة مرحلة جديدة مع بروز تيّارات ما بعد الحداثة التي شكّكت في استقرار الهويّة وتماسكها. لم يعد المفكّرون يرون الذات كجوهر ثابت أو كيان عقلانيّ متّصل عبر الزمن، بل اعتبروها بناءً لغويّاً وثقافيّاً يتشكّل باستمرار. وقد قاد ميشيل فوكو هذا التحوّل حين كشف كيف تُنتج السلطة المعرفة، وكيف تُصاغ الهويّة ضمن شبكات الخطاب التي تحدّد ما يمكن أن يُقال وما يجب أن يُحجب. وفي هذا السياق لم تعد الهويّة حقيقة موضوعيّة، بل نتيجة لعلاقات القوّة التي تفرض تعريفات بعينها وتقصي أخرى.

أمّا جاك دريدا فذهب أبعد من ذلك في مشروع التفكيك، إذ رأى أنّ الهويّة ليست سوى أثر لغويّ يتأرجح دائماً بين الحضور والغياب. فالذات لا تملك جوهراً خالصاً، بل تنبني في النصوص والرموز والعلامات، وهي في حالة انزياح دائم تجعلها عصيّة على التحديد النهائيّ. وجاء ستيوارت هول ليؤكّد هذا الطرح من زاوية الدراسات الثقافيّة، معتبرًا أنّ الهويّة لم تعد كيانًا صلباً، بل صارت متحرّكة ومتحوّلة بفعل العولمة والهجرات والتعدّديّة الثقافيّة، بحيث يعيش الفرد أكثر من هويّة واحدة في وقت واحد.

هذا الانقلاب في فهم الهويّة أحدث صدمة في الفكر الغربيّ، لأنّه ضرب الأسس التي قامت عليها الدولة القوميّة الحديثة. فالهجرة الواسعة، وصعود حركات الحقوق المدنيّة، وتوسّع الفضاء الرقميّ، كلّها عوامل جعلت الهويّة في الغرب في حالة سيولة أكثر منها صلابة. لم يعد الانتماء القوميّ وحده كافيًا لتعريف الفرد، بل برزت هويّات جندريّة وعرقيّة وثقافيّة تتقاطع وتتصارع أحياناً، في صورة تعكس انفجار مفهوم الهويّة بدل ثباته.

غير أنّ هذا التحوّل لم يخلُ من تناقض. فبينما احتفت ما بعد الحداثة بتعدّد الهويّات ونسبيّتها، عاد الخطاب الشعبويّ في العقود الأخيرة ليتمسّك بهويّات مغلقة، وليقاوم هذا التفكيك باعتباره تهديدًا للوحدة الوطنيّة. وهكذا ظلّ سؤال الهويّة في الغرب ساحة صراع بين من يراها بناءً مفتوحاً ومتغيّراً، ومن يريد استعادتها كجدار صلب يحمي الذات من الذوبان في عالم متشابك.

نظام مارديني

كاتب وصحفي سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق