الشرع الأعلى

المفكر والفكرة .. بين الاغتيال والاستمرار

مصير مشروع سعادة بين خصومه وأتباعه!؟

يُقال دائماً إن اغتيال المفكر لا يعني اغتيال فكرته. وهي عبارة تتردد كثيراً حتى كادت تتحول إلى حقيقة بديهية لا تحتاج إلى مراجعة. غير أن ما نتجاهله غالباً هو أن بقاء الفكرة بعد رحيل صاحبها ليس قدراً محتوماً، ولا نتيجة تلقائية لاستشهاده. فالفكرة قد تنجو من رصاص أعدائها، لكنها قد تعجز عن النجاة من جمود أتباعها، أو من عجزهم عن تحويلها إلى مشروع حي يتجدد، ويتطور، ويحقق الغاية التي وُجد من أجلها.

ولعل سعاده كان أكثر من أدرك هذه الحقيقة حين قال”: كل عقيدة عظيمة لا تضع على عاتق أتباعها المهمة الأساسية التي هي تحقيق غايتها، تزول ويتبدد أتباعها.” ففي هذه العبارة لا يحدد سعاده مسؤولية أبناء النهضة فحسب، بل يضع معياراً لبقاء أي عقيدة أو اندثارها؛ فالأفكار لا تستمر لأنها صحيحة أو عظيمة، بل لأنها تجد في كل جيل من يحملها من دائرة الإيمان إلى دائرة الفعل، ومن النصوص إلى التاريخ.

وهنا، وبعد سبعة وسبعين عاماً على استشهاد سعاده، يفرض السؤال نفسه من جديد. ليس: كيف استشهد؟ ولا حتى: لماذا استشهد؟ بل: ماذا فعلنا بالمشروع الذي استشهد من أجله؟

اليوم، لا تقف الأمة أمام ذكرى رجل أُعدم فحسب، بل أمام حصيلة عقود طويلة من الحروب، والانقسامات، والطائفية، والفئوية، والتبعية، والاحتلال، والتفكك الاجتماعي. من فلسطين التي ما تزال تدفع ثمن استعمار استيطاني لم يتوقف، إلى لبنان العالق في أزماته البنيوية، إلى الشام المثقلة بآثار الحروب، إلى العراق الذي ما زال يبحث عن دولة تتجاوز المحاصصة والانقسام، وصولًا إلى الأردن الذي يواجه تحديات سياسية واقتصادية متزايدة في قلب إقليم مضطرب؛ تبدو جغرافيا الأمة وكأنها تعيد إنتاج أزماتها بأسماء مختلفة، فيما تتبدل القوى الخارجية وتبقى هشاشة الداخل هي الثابت الأكيد.

من هنا، لا تصبح ذكرى الثامن من تموز مجرد مناسبة لاستعادة الماضي، بل لحظة لمساءلة الحاضر أيضاً. فهل أصاب سعاده في تشخيصه لأزمة الأمة إلى هذا الحد؟ أم أن المشكلة لم تكن في التشخيص، بل في عجز مشروع النهضة عن التحول إلى قوة تاريخية فاعلة؟ وهل يكمن الخلل في الفكرة ذاتها، أم في أولئك الذين حملوا مسؤولية تحويلها إلى واقع؟

ليست هذه المقالة رثاءً متأخراً لرجل أصبح جزءاً من تاريخ الأمة، ولا محاولة لتقديم إجابات نهائية. إنها دعوة لإعادة طرح السؤال الذي يبدو اليوم أكثر إلحاحاً مما كان عليه عام :1949 ماذا بقي من مشروع النهضة الذي أراده سعاده مشروع حياة، لا ذكرى تُستعاد مرة كل عام؟

لم يكن سعاده، حين أسس الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1932، يسعى إلى إنشاء حزب سياسي بالمعنى التقليدي، ولا إلى منافسة القوى القائمة على السلطة. كان يدرك أن أزمة الأمة أعمق من أن تُتُزل في تبديل الحكومات أو إنهاء احتلالٍ بعينه، وأن التحرر السياسي لا يكتمل ما لم يسبقه تحرر في الوعي، وإعادة بناء للمجتمع، وتعريف جديد لمعنى الإنسان والأمة والدولة.

في زمنٍ انشغلت فيه معظم الحركات الوطنية بمقاومة الانتداب والمطالبة بالاستقلال، ذهب سعاده إلى جذور الأزمة. فقد رأى أن الاحتلال ليس سبب الضعف بقدر ما هو نتيجة له، وأن الأمم لا تصبح عرضة للسيطرة الخارجية إلا بعد أن تتآكل مناعتها الداخلية، وتتفكك روابطها الاجتماعية، وتفقد وحدتها السياسية ورؤيتها المشتركة لذاتها. ومن هنا، لم يكن مشروعه موجهاً ضد قوة استعمارية محددة، بل كان مشروعاً لإعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة، انطلاقاً من قناعة بأن النهضة تبدأ من الداخل قبل أن تفرض نفسها في مواجهة الخارج.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، لم يطرح النهضة بوصفها شعاراً سياسياً، بل باعتبارها مشروعاً حضاريًا متكاملًا يعيد تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المواطن والدولة، ويؤسس لحياة عامة تقوم على المواطنة وسيادة القانون، لا على الطائفة أو المذهب أو العصبية. كما تناول، في وقت مبكر، قضايا مثل فصل الدين عن الدولة، والعدالة الاجتماعية، ووحدة المجتمع، وهي قضايا ما تزال، بعد ما يقارب قرنًا من الزمن، تشكل محوراً أساسياً للنقاش في معظم دول المشرق.

وهنا تكمن فرادة سعاده الحقيقية. فالقيمة التاريخية لأي مفكر لا تُقاس بعدد الأجوبة التي قدّمها، بل بقدرته على تشخيص أزمات عصره وصياغة الأسئلة التي تستمر الأجيال اللاحقة في البحث عن إجابات لها. وربما لهذا السبب ما تزال كثير من الإشكاليات التي انطلق منها -أزمة الدولة، والطائفية، والتجزئة، والتبعية، وضعف الهوية الجامعة- حاضرة في واقعنا اليوم، وكأن الزمن لم ينجح في تجاوزها بقدر ما زادها تعقيداً.

لكن إذا كان التشخيص قد أثبت، في جوانب كثيرة، قدرته على الصمود أمام اختبار الزمن، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا بقيت الأمة تدور في الدائرة نفسها؟ ولماذا لم يتحول هذا المشروع الفكري إلى نهضة تاريخية قادرة على تغيير مسارها؟

إذا كانت أفكار سعاده لا تزال تستدعي النقاش بعد ما يقارب قرنًا من الزمن، فلأن الواقع الذي انطلق منه لم يختفِ، بل ازداد تعقيداً. فما تشهده جغرافيا الأمة اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، وإنما أزمة حضارية وسياسية واحدة تتخذ وجوهاً متعددة، تتبدل فيها الأسماء والحدود، بينما يبقى جوهر المشكلة على حاله.

ورغم اختلاف هذه الوقائع، فإنها لا تعيش في عزلة عن بعضها. فالحدود التي قسمت الجغرافيا لم تستطع أن تفصل مصائرها. فما يحدث في غزة يترك أثره في عمّان، وما يجري في دمشق ينعكس على بيروت، وما تشهده بغداد يتردد صداه في المشرق كله. إنها ليست أزمات دول متجاورة، بل أزمة فضاء تاريخي واحد، ظل عاجزاً عن تحويل ترابط مصيره إلى وحدة في الرؤية والعمل.

ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن هذه الجغرافيا لم تكن تفتقر إلى الموارد، ولا إلى الموقع، ولا إلى الطاقات البشرية، بقدر ما افتقرت إلى مشروع نهضة جامع يحول هذه المقومات إلى قوة تاريخية. وبينما كانت أمم كثيرة تنشغل ببناء مؤسساتها، وتعزيز اقتصادها، وتطوير جامعاتها، وإنتاج المعرفة، استنزفت هذه الأمة قسماً كبيراً من طاقاتها في الصراعات الداخلية، والانقسامات، والحروب، والتدخلات الخارجية، حتى أصبح استنزاف الداخل أحد أكثر الثوابت حضوراً في تاريخها الحديث.

ومن هنا، يبز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: لو أن المشروع الذي طرحه سعاده بقي مشروعاً حياً، يتطور مع الزمن، ويجدد أدواته، ويخاطب كل جيل بلغته، هل كانت هذه الجغرافيا ستبلغ هذا القدر من التشظي؟ قد لا يملك أحد جوابًا حاسماً، لكن المؤكد أن الأمم التي تمتلك مشروعاً جامعاً تكون أقدر على مواجهة أزماتها من الأمم التي تترك نفسها نهباً للانقسامات ولإرادات الخارج.

إذا كان من السهل تحميل الظروف الخارجية مسؤولية ما آلت إليه الأمة، فإن من الصعب، في المقابل، إعفاء أصحاب أي مشروع نهضة من مسؤولية مراجعة تجربتهم. فالأفكار، مهما بلغت قوتها، لا تُتُب بسلامة منطلقاتها النظرية فحسب، وإنما بقدرتها على التحول إلى فعل تاريخي، وإلى مؤسسات، وثقافة، وسلوك، وإلى مشروع قادر على الاستمرار عب الأجيال.

ولا شك أن المشروع الذي حمله سعاده واجه ظروفاً استثنائية منذ لحظة ولادته؛ من ملاحقات سياسية، وسجون، واستشهاد مؤسسه، إلى الانقلابات العسكرية، والحروب، والتدخلات الخارجية، والانقسامات التي عصفت بالمنطقة طوال العقود اللاحقة. وكلها عوامل أسهمت في إضعاف أي مشروع يسعى إلى إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع والدولة.

غير أن الاعتراف بثقل هذه الظروف لا يلغي ضرورة المراجعة. فالمشاريع الكبى لا تستمر لأنها تمتلك نصوصاً مؤسِّسة، بل لأنها تمتلك القدرة على إعادة قراءة نفسها باستمرار، وتجديد أدواتها، وإنتاج معرفة جديدة تستجيب لتحولات العصر. وكل فكرة تتوقف عند حدود لحظة تأسيسها، مهما بلغت عظمتها، تصبح مع الزمن أقل قدرة على التأثير في واقع يتغير بوتيرة متسارعة.

ولعل السؤال الأهم ليس إن كنا قد حافظنا على تراث سعاده، بل إن كنا قد حافظنا على الروح التي انطلق منها. فالرجل لم يكن يدعو إلى حفظ النصوص بقدر ما كان يدعو إلى صناعة النهضة، ولم يكن يواجه المسلمات السائدة ليؤسس مسلمات جديدة، بل ليجعل من التفكير النقدي منهجاً دائماً في فهم المجتمع وتغييره.

وهنا يكمن الفارق بين الوفاء للفكرة والوفاء للنص. فالوفاء للنص قد يكتفي بالتكرار والاستشهاد، أما الوفاء للفكرة فيقتضي الجرأة على تطويرها، واختبارها، وإغنائها، وربما حتى مراجعة بعض أدواتها بما ينسجم مع تحولات الزمن، من دون التفريط بالمبادئ التي قامت عليها.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع نهضة ليس هجوم خصومه عليه، بل أن يتحول، في نظر أبنائه، إلى حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى سؤال أو مراجعة. فالأمم التي تتوقف عن التفكير تتوقف عن التقدم، والمشاريع التي تتوقف عن التجدد تبدأ، ولو ببطء، في فقدان أثرها التاريخي.

إن قيمة سعاده لا تكمن في أنه قدّم للأمة مجموعة من الإجابات الجاهزة، بل في أنه امتلك الشجاعة لطرح الأسئلة التي عجز كثيرون عن طرحها في زمانه. وربما يكون الوفاء الحقيقي له اليوم هو أن نمارس الشجاعة نفسها، لا أن نكتفي بتكرار ما قاله قبل ما يقارب قرنًا من الزمن.

وبالعودة لما استهللنا به هذا المقال، فقد أثبتت العقود الماضية أن اغتيال المفكر لا يعني اغتيال فكرته، لكنه لا يضمن أيضاً استمرارها. فالأفكار لا تبقى حية لأنها تُحفظ في الكتب، أو تُردد في المناسبات، وإنما لأنها تظل قادرة على قراءة الواقع، ومساءلة نفسها، وإنتاج أجوبة جديدة لأسئلة كل عصر.

ولم يكن سعاده، في جوهر مشروعه، يدعو إلى تقديس النص، بل إلى نهضة دائمة، ولا إلى استنساخ الماضي، بل إلى صناعة المستقبل. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي له لا يكون بكثرة الاقتباس من مؤلفاته، ولا بإحياء ذكراه مرة كل عام، وإنما بالقدرة على حمل المسؤولية الفكرية نفسها التي حملها، والجرأة على طرح الأسئلة التي يفرضها واقعنا، كما طرح هو أسئلة عصره قبل ما يقارب قرنًا من الزمن.

لقد تغيّر العالم جذريًا منذ عام .1949 دخلت البشرية عصر الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد المعرفي، والصراع على التكنولوجيا والموارد، بينما ما تزال هذه الأمة، في أجزاء واسعة منها، تبحث عن أجوبة لأسئلة الدولة، والهوية، والسيادة، والوحدة المجتمعية. وليس في ذلك ما يدعو إلى اليأس بقدر ما يدعو إلى مراجعة عميقة؛ فالمشروعات الكبى لا تُقاس بعمر مؤسسيها، بل بقدرتها على التجدد، وعلى مخاطبة كل جيل بلغته وتحدياته.

ولهذا، فإن ذكرى الثامن من تموز لا ينبغي أن تكون وقفة عند لحظة استشهاد، بقدر ما ينبغي أن تكون وقفة أمام حصيلة سبعة وسبعين عاماً من تاريخ الأمة. سبعة وسبعون عاماً تكفي لنسأل أنفسنا، بصدق ومسؤولية، ليس ماذا قال سعاده، بل ماذا فعلنا نحن بما قاله.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا، لا في الثامن من تموز وحده، بل في كل يوم: لو بقي المشروع الذي طرحه سعاده مشروعاً حياً، يتطور مع الزمن، ويجدد أدواته، ويخاطب كل مرحلة بلغتها، فهل كانت جغرافيا الأمة ستعيش اليوم هذا القدر من الانقسام، والحروب، والاحتلال، والتبعية؟

ربما لا يملك أحد جوابًا يقينياً. لكن المؤكد أن أعظم ما تركه سعاده لم يكن مجموعة من الإجابات الجاهزة، بل الجرأة على طرح السؤال الصحيح. وما تزال هذه الأمة، بعد سبعة وسبعين عاماً، بحاجة إلى تلك الجرأة أكثر من أي وقت مضى.

حنان عابد

باحثة في شؤون المشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق