مقدّمة
يحظى مفهوم «الإثم الكنعاني» بمكانة خاصة في البِناء الفِكري لكتاب نَشوء الأُمم، إذ يَرِد في خاتِمة الكتاب بوصفه التَّعبير الرّمزي الأَعلى عن الوِجدان القَوْمي واستقرار الأُمّة في الشُّعور الجَمْعي. فالمفهوم لا يَظهر كعبارة عابرة أو تَوصيف لُغوي منفصل، بل يَأتي تتويجاً لمسار نَظري كامل يَتناول نُشوء الجَماعات البَشريّة وتَطوّر الاجتِماع الإنساني وصولاً إلى الأُمّة بوصفها حَقيقة اجتماعيّة – نَفسيّة حيّة.
ومن هنا، يَنطلِق هذا البحث من فَرْضيّة أساسيّة مؤدّاها أنّ «الإثم الكنعاني» عند أنطون سعاده لا يُشير إلى مفهوم عِرقي أو ميثولوجي بالمعنى الضيّق، بل إلى تَعبير فَلسفي – اجتماعي عن الوِجدان القَوْمي، وعن العلاقة التّاريخيّة والنّفسيّة التي تَربط الأُمّة بأرضها ومصيرها المُشترك.
فسعاده لم يَستخدم كلمة «الإثم» بصورة أخلاقيّة أو دينيّة تقليديّة، بل بصورة رمزيّة تعبّر عن الرابطة القوميّة المتجذّرة في التاريخ السوري القديم والتي يَصفها بـ«الرّوحيّة الواحدة أو الشُّعور الواحد المنبثق من الأُمّة، من وحدة الحياة في مَجرى الزّمان»[1]. وهذه الرابطة الرّوحيّة هي يَقظة الأُمّة وعَصبيّتها، وهي شُعور حيّ يُولّد محبّة الوطن ويدفع أبناء المجتمع الواحد إلى التّعاون في سبيل تحسين حياتهم المُشتركة والدّفاع عن مصالحهم الجماعيّة. وقد رأى سعاده أنّ هذا الوجدان تجلّى بأوضح صوره في التجربة الكنعانية، التي عدّها من أقدم التجارب التاريخية التي جسّدت الارتباط العضوي بين الإنسان وأرضه.
أما الكنعانيون، الذين نسب إليهم سعاده هذا الوجدان، فهم تلك الجماعات السورية القديمة التي استقرّت بصورة أساسية على الساحل السوري وامتداداته الجنوبية، وأقامت مدناً بارزة مثل صور وصيدا وبيروت وجبيل وأوغاريت وأرواد، وبرزت بصورة خاصة في التجارة البحرية والملاحة ونقل الثقافة والأبجدية عبر البحر الأبيض المتوسط. وقد عُرف الكنعانيون ـ أو الفينيقيون في التسمية الإغريقية اللاحقة[2] ـ بقدرتهم على الجمع بين الانتشار التجاري الواسع والمحافظة على روابطهم بالمدن الأم، بحيث ظلّ انتشارهم يحمل طابعاً قومياً مرتبطاً بالأرض الأصلية ووحدة الحياة والمصالح، لا مجرد هجرات منفصلة أو تجمعات معزولة عن الوطن الأم.
ومن أبرز إسهاماتهم الحضارية ابتكار الأبجدية، التي عدّها سعاده نقطة تحوّل كبرى في تاريخ المعرفة الإنسانية.[3]
وفي مُحاولة لاستقصاء سبب نِسبة هذا الوِجدان إلى الكَنعانيين، يَغوص سعاده في التّاريخ والاجتماع وأحوالهم السياسية والثقافية، لِيَخلص إلى أنّ الكنعانيين كانوا من أوائل شعوب التاريخ القديم التي جَسّدت بصورة واضحة فكرة الوطن المُرتبط بالوِجدان الاجتماعي، ومارسوا الارتباط بالأرض بوصفه رابطة نَفسيّة – اجتماعيّة تتجاوز العَصبيّات السّلاليّة والدّينيّة الأوليّة.[4]

ويشير سعاده في نشوء الأمم إلى أنّ الكنعانيين قدّموا مثالاً مبكّراً لما يسمّيه «الدين الاجتماعي الخصوصي»[5]، أي ذلك الوجدان المرتبط بالأرض ووحدة الحياة والمصير، والذي تجلّى في تمسّكهم بمدنهم الأصلية وروابطهم القومية رغم انتشارهم الواسع عبر البحر المتوسط. ويذهب إلى أنّهم سبقوا غيرهم إلى:
- تأسيس الدولة المدنية التي أصبحت نموذجًا سار عليه الإغريق والرّومان،
- وبناء نشاط بحري وتجاري واسع بقي مرتبطاً بالأرض الأم[6]،
- والمحافظة على الروابط القوميّة رغم الانتشار الاستعماري،
- والتّضامن مع الوطن الأم في السّراء والضّراء،
- وإيجاد شكل مبكّر من أشكال الوعي القومي.
ويقول سعاده عنهم: “ومع ما نشأ عندهم من الدّول فإنهم لم يتحاربوا وظلّوا محافظين على صفة الشّعب الواحد المتضامن في الحياة.”[7]
وقد أُطلقت على هذا الوِجدان في بعض الأدبيّات تسميات مثل «الخديعة الكنعانيّة»، كما ورد في بعض الشّروح المرتبطة بـ “جمهورية أفلاطون”[8] (The Republic)، أو «الإثم الكنعاني» كما عند عالِم الاجتماع النّمساوي فريدريك هيرتز (Friedrich Otto Hertz)[9].
ويبدو أنّ هذا التّوصيف يرتبط، في جانب منه، بالموقف الأوروبي السّلالي المُعادي لفكرة القوميّة الحديثة. فبعض مُنظّري العِرق في أوروبا، وفي مُقدّمتهم آرثر كونت دو گوبينو(غوبينوArthur de Gobineau)، نظروا إلى فكرة الوطن القومي بوصفها خروجاً على النّظام السّلالي الأرستقراطي التّقليدي. ويُشير هيرتز، في عرضه لنظريّة غوبينو، إلى أنّ الأخير كان يُهاجم فكرة الوطن نفسها، مُعتبراً إيّاها «تَشوّهاً كنعانيّاً» فرضه السّاميون على الآريين [10](“Canaanite monstrosity”) .
ومن هنا يمكن فَهم الخلفيّة الفكريّة التي جعلت بعض الأدبيّات الأوروبيّة تَنظر إلى الوِجدان القومي بوصفه «خديعة كنعانيّة» أو «إثماً كنعانيّاً»، في مُقابل العقائد السّلاليّة التي كانت سائدة في أوروبا خلال القرن التّاسع عشر.
وتزداد أهمية هذا الفهم عندما نلاحظ أنّ سعاده يُعدّ من القلّة القليلة التي ربطت الكنعانيين (الفينيقيين) بابتكار الفكرة الوطنية بوصفها التعبير المبكر عن الارتباط العضوي بين الإنسان وأرضه. وفي هذا السياق، يلفت توفيق شومان إلى أنّ “ربما قِلّة من قارئي كتاب الجمهوريّة لأفلاطون ـ ومن بينهم أنطون سعاده ـ توقّفت عند قول أفلاطون إن الفكرة الوطنيّة من ابتكارات الفينيقيين.”[11]
وهو ما يَفتح الباب أمام قراءة «الإثم الكنعاني» بوصفه تَعبيراً عن الولادة المُبكّرة للوِجدان القومي في التّاريخ السّوري القديم.
في القراءات الحديثة للمفهوم
تنوّعت القراءات الحديثة لمفهوم «الإثم الكنعاني» بين اتّجاهات وجدانيّة وأخرى سياسيّة وفلسفيّة وتاريخيّة، فذهب بعضها إلى اعتباره تعبيرًا عن الروح القوميّة السّوريّة، فيما قرأته كتابات أخرى ضمن سياقات سياسيّة أو فلسفيّة أو تاريخيّة أوسع. غير أنّ جانبًا من هذه القراءات وقع أحيانًا في التوسّع الرمزي أو الإسقاط السياسي، أو في التّعامل مع المفهوم بوصفه صورة تفسيريّة عامّة أكثر منه عنصرًا في بناء نظري متكامل.[12]
أولاً: موقع «الإثم الكنعاني» في «نشوء الأمم»
لا يمكن فهم مفهوم «الإثم الكنعاني» بمعزل عن البِنية الكاملة لكتاب «نشوء الأمم». فسعاده لا يقدّم دراسة تاريخيّة عن الكنعانيين بقدر ما يسعى إلى تفسير نشوء الأمة وتعريفها بوصفها ظاهرة اجتماعيّة – نفسيّة مرتبطة بالبيئة والتاريخ والمصلحة المشتركة.
فالأمّة، عند سعاده، ليست نتاج وحدة عرقيّة أو دينيّة، بل ثمرة تفاعل طويل بين الجماعة البشريّة والبيئة ضمن وحدة حياة ومصالح ومصير، بحيث يُكسبها هذا التفاعل، عبر الزمن، خصائص ومزايا تميّزها عن غيرها من الجماعات[13].
ويصل الكتاب في فصوله الأخيرة إلى مفهوم «الوجدان القومي»، الذي يعتبره سعاده التّعبير الأعلى عن تطوّر الاجتماع الإنساني، إذ لم يعد الفرد يقتصر على الشّعور بذاته، بل أصبح يشعر بشخصيّة جماعته ومصيرها المشترك.
وفي مقدّمة «نشوء الأمم»، يعرّف سعاده الوجدان القومي بوصفه أعظم ظاهرة نفسيّة – اجتماعيّة في العصر الحديث، ويقدّمه كتجسيد أعلى للعصبيّة القوميّة التي تعني الشّعور الحي بشخصيّة الأمة والانتماء إليها، ووعي الفرد بحاجاته وحاجات مجتمعه وربط مصالحه بمصالح قومه.[14]
وهنا تتّضح العلاقة المباشرة بين الوجدان القومي وبين «الإثم الكنعاني»، إذ يبدو الأخير تعبيرًا رمزيًا عن رسوخ الأمة داخل الوعي الفردي والجمعي، بحيث تصبح الأمة حقيقة حيّة في النفس، لا مجرّد إطار سياسي أو إداري.
وليس من المصادفة أن يختم سعاده كتابه بفصل «الإثم الكنعاني». فبعد أن يتتبع نشوء الاجتماع البشري وتطوّر الجماعات وتحولها إلى أمم، يصل في النهاية إلى الوجدان القومي باعتباره التعبير الأعلى عن اكتمال الأمة بوصفها حقيقة نفسيّة ـ اجتماعيّة. ومن هنا يغدو «الإثم الكنعاني» تتويجًا للمسار النظري للكتاب كلّه، لأنه يعبّر عن اللحظة التي تصبح فيها الأمة مستقرة في الشّعور الجمعي، لا مجرّد إطار جغرافي أو سياسي.
ثانياً: معنى «الإثم» عند سعاده
إنّ استعمال سعاده لكلمة «الإثم» لا ينبغي فَهمه بالمعنى الأخلاقي أو الديني التّقليدي، بل بالمعنى الرّمزي ـ النّفسي. فالإثم هنا أقرب إلى:
- الشُّعور العميق الملازم للإنسان تجاه أمّته،
- أو ذلك الارتباط الوِجداني الذي يجعل الانفصال عن الأرض أو التّفريط بالمصلحة القوميّة أشبه بخيانة داخليّة للذّات الجماعيّة.
ويبدو أنّ سعاده استعاد بصورة جدليّة ما ورد في بعض الأدبيّات القديمة عن «الخديعة الكنعانيّة» أو «الدّهاء الفينيقي»، وهي أوصاف ارتبطت تاريخياً بالنشاط التجاري والسياسي للفينيقيين، ليعيد توظيفها إيجابيًا بوصفها دليلًا على الحيويّة الاجتماعيّة والقدرة على الحفاظ على الشّخصيّة القوميّة رغم الانتشار والاختلاط. ومن هنا يتحوّل «الإثم» من وصف سلبي إلى علامة على رسوخ الوجدان القومي واستمرار الرّابط بين الأمة وأرضها، وكأنّ سعاده يقول إنّ ما اعتبره الآخرون «إثماً» لم يكن سوى تمسك بالحياة القومية والحرية والسيادة. وكأنّ الارتباط بالأرض يتحوّل إلى رابطة وجدانية داخلية تجعل الابتعاد عنها أقرب إلى شعور بالنقص أو القطيعة مع الذات الجماعية.
ولهذا تحمل عبارة «الإثم الكنعاني» بُعدًا جدليًا واضحًا؛ فما اعتبره البعض «خديعة» أو «إثمًا» يصبح عند سعاده فضيلة تاريخيّة ودليلًا على الحيويّة القوميّة.
ويقول في خاتمة الفصل: “إنّ الإثم الكنعاني لا يزال فاعلًا فينا، وقد أصبح فاعلًا في العالم كلّه.”[15]
أي أنّ الوجدان القومي الذي ظهر بصورة مبكرة في التجربة الكنعانية ـ السورية تحوّل لاحقاً إلى ظاهرة عالمية مع صعود القوميات الحديثة.
وفي هذا السياق، يذكر حيدر حاج إسماعيل أنّ الوجدان القومي تجلّى عند السوريين القدماء في محبتهم لوطنهم الأم وارتباطهم الاجتماعي مهما بعد بهم الترحال في أعماق البحار، وفي شعورهم بوحدة الحياة والمصير بين مدنهم الأصلية، كصور وصيدا وجبيل، وبين مستعمراتهم المنتشرة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الذي حوّلوه لكثرة انتشارهم فيه إلى ما يمكن أن يسمى بالبحيرة السورية (مثل مدينة قرطاجة في شمالي افريقيا ومدن إسبانيا) كما تجلى الوجدان القومي في نظام الملكية الانتخابية حيث كان الملك ينتخب لمدى الحياة، وهو نظام ديمقراطي سبقوا به كل الشعوب القديمة.[16]

ثالثاً: الإثم الكنعاني والوجدان القومي
تُظهر نصوص سعاده أنّ القوميّة ليست مجرّد عصبيّة هوجاء أو نَعرة عنصريّة، بل عواطف حيّة وشعور صادق منبثق من الروابط الاجتماعيّة ووحدة الحياة والمصالح المشتركة داخل “المتحد الاجتماعي”.[17]
والمتحد، عند سعاده، هو واقع اجتماعي “ومجمع الحياة الاجتماعية. هو مقر الأحياء المتحدين في الحياة بكل مصالحها.”[18] بمعنى آخر، هو مكان الاشتراك في الحياة، أي جماعة من الناس تحيا حياة مشتركة في بقعة معيّنة ذات حدود واضحة. أمّا الأمة فهي “المتحد الاجتماعي الأتم”[19] الذي نشأ عبر التفاعل الطويل بين الجماعة البشريّة والبيئة.
فالأمة “تجد أساسها في وحدة أرضيّة معيّنة تتفاعل معها جماعة من الناس ضمن حياة مشتركة.”[20] فلا أمّة من دون أرض محدّدة تقوم عليها وحدة الحياة والمصالح والمصير. إن الاشتراك في الحياة الواحدة ضمن البيئة الواحدة يُولّد شعورًا مشتركًا هو ما نسميه الشعور القومي. هذا الشعور القومي (الذي درسه من اختصاص علم النفس الاجتماعي)، يقول حيدر حاج إسماعيل: “ينشأ نشوءاً طبيعيًا بعامل الحياة الاجتماعية المشتركة ويكون مرافقاً لنشوء الجماعة الواحدة في القطر.”[21] فماذا يعني هذا الشعور القومي الذي يسميه الوجدان القومي؟
إنّ الوجدان القومي لا يعني مجرّد الاعتزاز القومي، بل شعور الفرد بوجود الأمة داخله، وربط مصالحه بمصالح مجتمعه، وإدراكه أنّ حياته الفرديّة جزء من حياة جماعيّة أكبر. ومن هنا يتجاوز الوجدان القومي عند سعاده مجرّد الاعتزاز العاطفي بالأمة أو التفاخر بالماضي، ليصبح وعياً حيّاً باستمرار الشخصية القومية عبر التاريخ. ولذلك بدا سعاده شديد الاعتزاز بالكنعانيين ـ الفينيقيين، لا بوصفهم سلالة مغلقة أو عرقاً متفوّقاً، بل لأنّه رأى فيهم التعبير التاريخي المبكر عن الوطنية السورية وعن الارتباط العضوي بين الإنسان وأرضه.
ففي نظره، كان الكنعانيون من أوائل الشعوب التي حوّلت الوطن إلى رابطة وجدانية – اجتماعية حيّة، وجعلت من الأرض أساساً لوحدة الحياة والمصير. كما أنّ انتشارهم الواسع عبر المتوسط لم يؤدِّ إلى انقطاعهم عن مدنهم الأصلية، بل بقي مرتبطاً بالوطن الأم وبالشعور بوحدة الانتماء والمصلحة، الأمر الذي منح انتشارهم طابعاً قومياً متميزاً.
وترتبط هذه النظرة بما يسمّيه سعاده «الاستمرار الفلسفي»[22]، أي استمرار الشخصية السورية وتياراتها الفكرية والوجدانية عبر مراحل التاريخ المختلفة. ويتجلّى هذا المعنى بصورة واضحة في شرحه للمبدأ الأساسي السابع، حيث يدعو إلى النهوض القومي على أساس الاستقلال الفكري ـ الروحي، وفهم الذات السورية وبنيتها التاريخية، والاتصال بالتراث السوري والحضارة السورية بوصفهما تعبيراً عن نفسية الأمة وحقيقة تطورها التاريخي.
ومن هذه الزاوية، لا يعود الاعتزاز القومي تمجيداً للماضي بقدر ما يصبح وعياً باستمرار الأمة ووحدة شخصيتها التاريخية، وإدراكاً لوجود خيط حضاري ونفسي يربط السوري القديم بالسوري القومي الاجتماعي الجديد ضمن وحدة الحياة والمصير.
وقد عرّف سعاده الوجدان القومي بقوله: “يضيف إلى شعوره بشخصيّته شعوره بشخصيّة أمّته، ويزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه، ويربط مصالحه بمصالح قومه.”[23]
وفي هذه العبارات تتجلّى فلسفة اجتماعيّة كاملة، لأن الإنسان لا يعود يرى نفسه كائنًا معزولًا عن مجتمعه، بل يصبح جزءًا حيًّا من قضيّته الجماعيّة، يتألّم لألمها ويعمل لخيرها كما يعمل لخير نفسه.
وفي شروحات سعاده ورد أنّ: “الوجدان القومي ليس إلا وجود الأمة في العقل والشعور.”[24]

أي شعور الإنسان بوجود أمّته في وعيه وإحساسه ووجدانه وانتقالِه من دائرةِ الأنانيةِ الفرديةِ الضيّقةِ إلى رحابِ الشعورِ بالمصلحةِ العامةِ والخيرِ المشترك. وهنا يُطرح السؤال: ألا يعني ما يقوله سعاده في تعريفه لظاهرة الوجدان القومي: “أن يزيد الفرد على إحساسه، ويجمع إلى فهمه إحساسه بحاجات مجتمعه وفهمه لنفسية متحده الإجتماعي، غير أن يكون مجتمعه موجودا في إحساسه وعقله؟ ومن هنا اعتبر سعاده أنّ هذا الوجدان هو الشرط الأساسي لنهضة الأمة، لأن الأمم لا تقوم بالمصالح الفرديّة المتناحرة، بل بقيام شعور جامع يوحّد الإرادات والغايات والآمال.
ويمكن، من زاوية حديثة، مقارنة مفهوم الوجدان القومي عند سعاده بما يسمّيه المؤرخ البريطاني – الإيرلندي بندكت أندرسون (Benedict Anderson) «الجماعات المتخيّلة»، أي الجماعة التي يشعر أفرادها بانتمائهم إلى كيان واحد رغم عدم وجود روابط شخصيّة مباشرة بينهم.[25] غير أنّ سعاده لا يردّ الأمة إلى مجرّد تخيّل ثقافي، بل يربطها بوحدة الحياة والتاريخ والمصلحة ضمن المتحد الاجتماعي.
وإذا كانت «العصبيّة» عند ابن خلدون تمثّل القوّة النفسيّة والاجتماعيّة التي تؤسّس الدولة وتحفظ الجماعة[26]، فإنّ سعاده ينقل هذا المفهوم من نطاق القرابة العشائريّة إلى نطاق الأمة بوصفها متحدًا اجتماعيًا قائمًا على وحدة الحياة والمصالح والتاريخ.
ومن هنا يمكن النظر إلى «الإثم الكنعاني» بوصفه التعبير الرمزي الأعلى عن هذه العصبيّة القوميّة الحديثة، أي عن استقرار الأمة في الوعي والوجدان بوصفها حقيقة حيّة تتجاوز الروابط الأوليّة الضيّقة.
رابعاً: الجذور الفكرية والرمزية للمفهوم
من خلال كتاب” نشوء الأمم” يبدو واضحاً أنّ سعاده اطّلع وناقش عدداً من الأفكار الأوروبيّة الحديثة حول الأمة، والشخصيّة الجماعيّة، والعلاقة بين الإنسان والأرض. فقبل بعضها كما هي، وأضاف إلى بعضها الآخر آراءه الخاصة، لينتج مفاهيمه الخاصة ضمن بنائه الفكري والاجتماعي.
كما أنّ بعض الشّروح القوميّة الاجتماعيّة ربطت مفهوم «الإثم الكنعاني» بما ورد في كتاب جمهوريّة أفلاطون حول «القصة الفينيقيّة» أو «أبناء الأرض»[27]، حيث يُنظر إلى المواطنين بوصفهم مولودين من رحم الأرض نفسها، وبالتالي مرتبطين بها عضوياً، وعليهم أن يذودوا عنها كونها أمّهم ومربّيتهم، وأن يعملوا للخير العام، ويعتبروا بقيّة المواطنين إخوة خرجوا من بطن الأرض نفسها.[28] وقد ورد في النص المنسوب إلى أفلاطون: “فيجب أن يهتموا بالمنطقة التي هم فيها كأمٍّ ومرضع، فيصدُّون عنها الغُزاة، ويحسبون سكانها إخوتهم، أبناء الأرض.”[29]
وهذه الفكرة تلتقي بوضوح مع تصوّر سعاده للأمّة بوصفها: وحدة حياة، ووحدة مصير، ونتاجاً للتفاعل التاريخي بين جماعات الأمة الإثنية والسلالية، بعضها مع بعض، ومع البيئة الطبيعيّة المستقرة فيها. فالأمة عند سعاده ليست معطى بيولوجياً ثابتاً أو وهمًا عنصريًا، بل نتاج تفاعل تاريخي طويل بين الجماعة البشرية والبيئة. ومن هنا فإنّ «الإثم الكنعاني» لا يشير إلى رابطة دم أو سلالة، بل إلى تحوّل الجماعة البشريّة إلى حقيقة تاريخيّة حيّة تمتلك شعوراً بذاتها ووعياً بمصالحها ومصيرها.
كذلك يمكن ربط مفهوم «الإثم الكنعاني» بأفكار المؤرخ الفرنسي البارز فوستل دو كولانج (Fustel de Coulanges) في كتابه The Ancient City، حيث يرى أنّ الجماعات القديمة لم تقم في أصلها على التعاقد السياسي أو المصالح الماديّة وحدها، بل على رابطة روحيّة – تاريخيّة عميقة تربط الإنسان بأرضه وأسلافه وذاكرته الجماعيّة. فالمدينة القديمة، عند فوستل دو كولانج، كانت جماعة ذات طابع مقدّس، تتأسّس على وحدة العبادة والعادات واستمرار الحياة المشتركة عبر الأجيال.[30]
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «الإثم الكنعاني» بوصفه تعبيراً عن قداسة الرابطة القوميّة واستقرار الأمة في الوجدان التاريخي لأبنائها، بحيث تصبح الأرض جزءاً من الشخصيّة الجماعيّة لا مجرّد إطار جغرافي للحياة السياسيّة.
غير أنّ سعاده يفترق عن فوستل في نقطة أساسيّة، إذ إنّه لا يفسّر الأمة تفسيراً دينيّاً أو سلاليّاً، بل تفسيراً اجتماعيّاً – تاريخيّاً قائماً على التفاعل المستمر بين الجماعة البشريّة (ذات الأصول المشتركة) والبيئة عبر الزمن. ولذلك فإنّ «الإثم الكنعاني» لا يدلّ على قداسة دينيّة مغلقة، بل على رسوخ الأمة في الوعي التاريخي والاجتماعي لأبنائها.
خامساً: بين الفلسفة وعلم الاجتماع
أثار مفهوم «الإثم الكنعاني» سؤالاً أساسيّاً يتّصل بالطبيعة الفكريّة لكتاب نشوء الأمم: هل نحن أمام مفهوم علمي اجتماعي بالمعنى الدقيق، أم أمام تعبير فلسفي – رمزي يتجاوز حدود علم الاجتماع التقليدي؟
تكتسب هذه المسألة أهميّتها من كون سعاده قد قدّم كتابه بوصفه «كتاباً اجتماعيّاً علميّاً بحتاً»[31]، ساعياً فيه إلى دراسة نشوء الأمم على أساس التفاعل بين الإنسان والبيئة والمجتمع والتاريخ، بعيداً عن التفسيرات السلاليّة أو الميتافيزيقيّة التي كانت سائدة في الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
ولذلك فإنّ البنية العامّة للكتاب تقوم على تحليل الاجتماع البشري، والمتحد الاجتماعي، والبيئة، ووحدة الحياة، وتكوّن المصالح المشتركة، ونشوء الأمة بوصفها حقيقة اجتماعيّة – فيزيائيّة ونفسيّة – تاريخيّة.
غير أنّ القارئ يلاحظ أنّ الكتاب، في فصوله الأخيرة، ينتقل تدريجياً من التحليل الاجتماعي الموضوعي إلى مستوى آخر يتّصل بالشعور والوعي والوجدان، وصولاً إلى مفهوم «الإثم الكنعاني» الذي يبدو، بطبيعته الرمزيّة، أبعد من أن يكون مصطلحاً علميّاً تقنيّاً بالمعنى السوسيولوجي الصرف. ومن هنا نشأ السؤال: هل خرج سعاده هنا من علم الاجتماع إلى الفلسفة؟
تشير بعض الدراسات القوميّة الاجتماعيّة، ومنها دراسة حيدر حاج إسماعيل، إلى أنّ “نشوء الأمم” ليس كتاباً فلسفيّاً بالمعنى المباشر، بل كتاب اجتماعي – علمي بالدرجة الأولى، وأنّ سعاده حاول قدر الإمكان تجنّب الإنشاء الفلسفي المجرّد والتأويلات والاستنتاجات النظريّة. ولذلك يقول حاج إسماعيل: “إنه كتاب مادي. فليس يوجد فيه فلسفة مدرحية أو خلافها.”[32] ويؤكد:
“كتاب نشوء الأمم، بصورة عامّة، ليس محلاً لفلسفة سعاده، فإذا وقعنا فيه على كلام عن المادة أو الأساس المادي فهو كلام العالم لا الفيلسوف. وهذا واضح في مقدّمة الكتاب التي تصفه بأنه “كتاب اجتماعي علمي بحت.”[33]
إلا أنّ هذا التوصيف، على أهميّته، لا ينفي أنّ الكتاب يتضمّن في أعماقه إشارات فلسفيّة واضحة، تظهر خصوصاً عند حديث سعاده عن الوجدان القومي، والعصبيّة القوميّة، وعلاقة الأمة بنفسها، ووجود الأمة في الشعور.
ففي اللحظة التي ينتقل فيها سعاده من تعريف الأمة بوصفها «متحداً اجتماعيّاً» إلى الحديث عن «وجود الأمة في العقل والشعور»، نكون قد دخلنا مستوى يتجاوز الوصف الاجتماعي الخارجي إلى البعد الوجداني والوعي التاريخي.
ومن هنا يمكن القول إنّ «الإثم الكنعاني» يمثّل النقطة التي يلامس فيها نشوء الأمم حدوده العلميّة الصرفة، لينفتح على البعد الفلسفي – الوجداني للأمة.
وفي هذا السياق، تكتسب بعض القراءات الفلسفيّة الحديثة لفكر سعاده أهميّة خاصّة، وخصوصاً عند ميثم الجنابي، الذي يرى أنّ القوميّة عند سعاده ليست مجرّد رابطة سياسيّة أو ثقافيّة، بل ارتقاء الأمة إلى مستوى الوعي بذاتها بوصفها كياناً تاريخيّاً حيّاً. وعند هذه النقطة يصبح “الوجدان القومي” تعبيراً عن انتقال الأمة من مجرّد واقع اجتماعي إلى جماعة تدرك وحدة حياتها ومصيرها.
وفي هذا المعنى، يعبّر «الإثم الكنعاني» عن رسوخ الأمة في الوعي الجمعي، وعن تحوّل الانتماء القومي إلى شعور داخلي حيّ يتجاوز الروابط السياسيّة أو الإداريّة المجرّدة.
ومن هنا يثور نقاش حول العلاقة بين كتاب نشوء الأمم وفلسفة سعاده المدرحية. ففي حين يرى حيدر حاج إسماعيل، استناداً إلى تعريف سعاده لكتابه، أنّ نشوء الأمم مؤلَّف في علم الاجتماع القومي، غايته تفسير نشوء الأمم وتطورها تفسيراً علمياً، وليس عرضاً مباشراً لفلسفة المدرحية، يذهب شحادي الغاوي إلى قراءة مختلفة.[34] فهو يستند في ذلك إلى نص صريح لسعاده نفسه، ورد في مقال “من عهد زينون إلى عهد سعاده”، حيث كتب:
“إنّ من يتأمّل في فلسفة سعاده الممتلئة في خطبه وفي كتابه نشوء الأمم يدرك الرابط العظيم بين فكره وفكر فيلسوف الرواقية، خصوصاً في الناحية الإيجابية البانية التي تعبّر فيها الفلسفتان عن نفسية عميقة متأصلة في المجتمع السوري.”[35]

وانطلاقاً من هذا النص، يرى الغاوي أنّ كتاب نشوء الأمم، وإن كان كتاباً علمياً في علم الاجتماع القومي، فإنه يحمل في طياته الأسس الفلسفية التي ستتبلور لاحقاً في المدرحية، ولا سيما من خلال تأكيده على التفاعل بين بين العوامل المادية والروحية في تفسير الاجتماع الإنساني.
ويشير الغاوي:
“إنّ من يقرأ كتاب نشوء الأمم العلمي، يدرك كم كان سعاده حريصاً على إبراز جميع القوى والعوامل الماديّة والروحيّة الفاعلة والمؤثّرة والمحركة للحياة في كل مراحل التطوّر الاجتماعي.”[36]
وفي ضوء هذه القراءة، يبدو أنّ سعاده، وإن انطلق من تحليل اجتماعي علمي، لم يكن ينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً مادياً صرفاً، بل بوصفه كائناً اجتماعيّاً ـ نفسيّاً ـ وجدانيّاً، تتداخل في حياته المادة والروح، والمصلحة والشعور، والواقع والوعي.
ومن هذه الزاوية، يبدو «الإثم الكنعاني» أقرب إلى مفهوم يقع في منطقة وسطى بين علم الاجتماع القومي، والفلسفة التاريخية، وعلم النفس الاجتماعي. فهو لا يعبّر عن «إثم» بالمعنى الأخلاقي أو الديني، بل عن حضور الأمة في الوجدان، وعن تحوّل العلاقة بالأرض والتاريخ والمجتمع إلى جزء من التكوين النفسي للجماعة.
ولهذا فإنّ أهمية المفهوم لا تكمن فقط في قيمته الاصطلاحيّة، بل في كونه يكشف البعد الوجداني العميق لنظريّة سعاده في الأمة. فالأمة، في نهاية المطاف، ليست مجرّد تجمّع بشري يعيش على أرض واحدة، بل جماعة بلغت درجة من الوعي تجعلها تشعر بوحدة حياتها ومصيرها وتاريخها.
ومن هنا يمكن النظر إلى «الإثم الكنعاني» بوصفه اللحظة التي تتحوّل فيها الأمة من «حقيقة اجتماعيّة» إلى «حقيقة وجدانيّة حيّة»، أي إلى أمّة تمتلك شعوراً قوميّاً حيّاً يربط أبناءها بوحدة الحياة والمصلحة والمصير.
نتائج الدراسة
خلصت هذه الدراسة إلى عدد من النتائج الرئيسة، أبرزها:
- أنّ «الإثم الكنعاني» عند أنطون سعاده لا يُراد به مفهوم أخلاقي أو ديني أو عرقي، بل هو تعبير رمزي عن الوجدان القومي واستقرار الأمة في شعور أبنائها.
- أنّ موقع «الإثم الكنعاني» في خاتمة كتاب نشوء الأمم ليس عرضياً، بل يمثّل تتويجاً للبناء النظري الذي يبدأ بدراسة نشوء الاجتماع الإنساني وينتهي ببلوغ الأمة مرحلة الوعي بوحدة حياتها ومصيرها.
- أنّ اختيار سعاده للكنعانيين لم يكن قائماً على اعتبارات سلالية أو ميثولوجية، بل لأنّه رأى في تجربتهم التاريخية مثالاً مبكراً للارتباط العضوي بين الإنسان وأرضه، وللوجدان القومي الذي حافظ على وحدة الحياة والمصلحة رغم الانتشار الواسع.
- أنّ مفهوم «الإثم الكنعاني» يكشف البعد الوجداني في نظرية سعاده عن الأمة، ويُظهر أنّ الأمة لا تكتمل بمجرد وجودها الاجتماعي، بل بحضورها في الوعي والشعور القوميين.
- أنّ قراءة هذا المفهوم في سياق كتاب نشوء الأمم تكشف أنّ التحليل الاجتماعي العلمي عند سعاده لا ينفصل عن الأفق الفلسفي الذي تنفتح عليه نظريته في القومية، مع احتفاظ كتاب نشوء الأمم بطبيعته الأساسية بوصفه مؤلفًا في علم الاجتماع القومي.
خاتمة
يتبيّن من خلال هذه الدراسة أنّ مفهوم «الإثم الكنعاني» ليس مفهوماً عِرقيّاً أو ميثولوجيّاً بالمعنى الضيّق، بل تعبير رمزي عن الوجدان القومي كما فهمه سعاده في إطار نظريّته عن نشوء الأمم. فالمفهوم يرتبط أساساً: بوجود الأمة في الشعور، وبالعلاقة التاريخيّة بين الإنسان وأرضه، وبالتحوّل من الفرديّة إلى الوعي الجماعي القومي.
كما أنّ أهميّة المصطلح لا تكمن في دقّته التاريخيّة بقدر ما تكمن في وظيفته الفكريّة داخل البناء النظري لـ«نشوء الأمم»، حيث يشكّل الخاتمة الرمزيّة لفكرة الأمة بوصفها حقيقة اجتماعيّة – نفسيّة حيّة.
ومن هنا، فإنّ دراسة «الإثم الكنعاني» تفتح الباب أمام أبحاث أوسع تتناول:
الوجدان القومي،
وفلسفة الأمة عند سعاده،
والبعد النفسي والاجتماعي للقومية الحديثة،
والعلاقة بين القومية والعصبيّة،
وموقع فكر سعاده ضمن النظريات الحديثة لنشوء الأمم والهوية الجمعية.
_______________________
المراجع
أولاً: المراجع العربية
- ابن خلدون، المقدمة، بيروت: دار الفكر، 2004.
- أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2017
- أنطون سعاده، الآثار الكاملة 1 أدب، الصراع الفكري في الأدب السوري، طريق الفكر السوري، بيروت، 1960.
- أنطون سعاده، المحاضرات العشر، عمدة الثقافة، بيروت، 1973.
- أنطون سعاده، نشوء الأمم، عمدة الثقافة، بيروت، 1976.
- توفيق شومان، “هل اخترع الفينيقيون الوطن والوطنية؟”، منشور على منصة 180 درجة https://180post.com/archives/36025 تاريخ 01/03/2023.
- جهاد نصري العقل، “ظاهرة الوجدان القومي”، منشور على منصة مؤسسة سعاده للثقافة https://bit.ly/4e6X8NZ
- حيدر حاج إسماعيل، الفلسفة المادية – الروحية عند سعاده – سلسلة التعريف بفكر سعاده 4، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 2006.
- حيدر حاج إسماعيل، المناهج عند سعاده والقراءات الخمس، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 2004.
- شحادي الغاوي، الفلسفة المدرحية، الديمقراطية التعبيرية والعروبة الواقعية، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 2022.
- ماجد أحمد علي الحمداني، «الفينيقيون في شرق وغرب البحر المتوسط»، مجلة آداب المستنصرية، العدد 57، 2017.
- ميثم الجنابي، “أنطون سعاده وأيديولوجية الفكرة القومية الاجتماعية”، نشر في صحيفة المثقف بتاريخ 09/04/2021 http://bit.ly/4nQCVzt؛
- هنري لامنس، المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية، مؤسسة هنداوي، اعداد وتحرير رأفت علام، طبعة 2020.
ثانياً: المراجع الأجنبية
- Arthur de Gobineau, The Inequality of Human Races (Essai sur l’inégalité des races humaines), Paris, 1853–1855.
- Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism, London: Verso, 1983.
- Friedrich Otto Hertz, Race and Civilization, London: Kegan Paul, Trench, Trubner & Co., 1928.
- Fustel de Coulanges. The Ancient City: A Study on the Religion, Laws and Institutions of Greece and Rome. Translated by Willard Small. 4th ed. Boston: Lee and Shepard, 1882.
هوامش وإحالات
[1] أنطون سعاده، نشوء الأمم، عمدة الثقافة، بيروت، 1976، ص 167.
[2] الفينيقيين كلمة اغريقية معناها اللون الأحمر. وفينيقيا اسم مشتق من الكلمة اليونانية Phoinix، أي الأحمر الارجواني. وقد تعود هذه التسمية إلى شهرة الكنعانيين في صناعة الصبغ الأرجواني. وينسب بعض المؤرخين هذه التسمية إلى طائر الفينيق ذي اللون الأحمر، وهو بحسب الأسطورة طائر يحرق نفسه ثم يبعث حيّاً من رماده.
[3] وتبرز أهمية اختراع الأبجدية في هذا السياق، إذ اعتبر سعاده أنها قادت «العالم في طريق المعرفة والعلم وتفوّق القوى العقليّة على صعوبات الطبيعة، وأوجدت اتجاهاً ثقافياً جديداً انتهى إلى عصر الآلة الصناعية الذي هو عصر التمدن الحديث»[3]. وقد سبقه إلى الإشارة إلى هذا الأثر الحضاري الواسع المستشرق البلجيكي الأب هنري لامنس، الذي رأى أن اختراع الأبجدية “قد أجدى للبشر نفعاً، وقد خلف وراءه الاختراعات التي تتباهى بها أعصارنا. راجع هنري لامنس، المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية، مؤسسة هنداوي، اعداد وتحرير رأفت علام، طبعة 2020، ص 26.
[4] المرجع ذاته، ص 166.
[5] نشوء الأمم، 166.
[6] انتشر الفينيقيون من مدن الساحل السوري، ولا سيما صور وصيدا وجبيل وأرواد، في مختلف أنحاء البحر الأبيض المتوسط، فأسسوا مراكز تجارية ومستوطنات ومدناً عديدة في قبرص وصقلية وسردينيا وشمال أفريقيا وإسبانيا، وكانت قرطاجة أشهر هذه المستعمرات. غير أنّ هذا الانتشار لم يؤدِّ إلى انقطاع الصلة بالمدن الأم، إذ ظلّت المستعمرات الفينيقية تحتفظ بروابط دينية وثقافية وتجارية وثيقة مع مراكزها الأصلية، واستمرت حركة الملاحة والتبادل البشري والاقتصادي بينها وبين الوطن الأم قروناً طويلة، الأمر الذي جعل كثيراً من الباحثين ينظرون إلى التوسع الفينيقي بوصفه شبكة مترابطة من المدن والمراكز التجارية أكثر منه هجرات منفصلة أو كيانات مستقلة بالكامل. وهذا ما يفسّر اعتبار أنطون سعاده هذا الانتشار دليلاً على رسوخ الوجدان المرتبط بالأرض الأصلية ووحدة المصالح والحياة القومية رغم التوسع البحري الواسع. راجع ماجد أحمد علي الحمداني، «الفينيقيون في شرق وغرب البحر المتوسط»، مجلة آداب المستنصرية، العدد 57، 2017، ص 84–95.
[7] نشوء الأمم، ص 166-167.
[8] راجع كتاب “جمهورية أفلاطون” تأليف أفلاطون وترجمة حنا خباز، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2017، الفصل الثالث.
[9] Hertz, Friedrich D. Ec., Race and Civilization, translated by A. S. Levetus and W. Entz, New York: The MacMillan Co, 1928, P. 162.
[10] كاتب فرنسي ذو نزعة عنصرية ومناصراً دائماً لألمانيا. عاش بين 1816 و1882. وعرف بكتاباته العنصرية. كره بلاده فرنسا ومجّدَ الشعوب الآرية. كان يعتبر الشعوب اللاتينية المعاصرة، وعلى رأسها الـشـعب الـفرنسي – شعبه أصلاً – شعوباً دنيا بالمقارنة مع الجرمان أحفاد الفارسيين الآريين. وغوبينو هو صاحب كتاب «دراسة حول التفاوت بين أعراق البشر وفيه يعتبر ان المسألة العرقية هي صانعة التاريخ ورافعته الأولى، وغوبينو يعتبر السيد والملهم للإنكليزي الذي تحول الى ألماني، هاوستون ستيوارت تشامبرلن (1856-1927) الذي كان، في اتّباعه خطى غوبينو، المؤسس الحقيقي للفكر العنصري النازي.
[11] توفيق شومان، “هل اخترع الفينيقيون الوطن والوطنية؟”، منشور على منصة 180 درجة https://180post.com/archives/36025 تاريخ 01/03/2023.
[12] راجع الكتابات التالية: ميثم الجنابي، “أنطون سعاده وأيديولوجية الفكرة القومية الاجتماعية”، نشر في صحيفة المثقف بتاريخ 09/04/2021 http://bit.ly/4nQCVzt؛ ومقال توفيق شومان (مذكور أعلاه)؛ جهاد نصري العقل، “ظاهرة الوجدان القومي”، منشور على منصة مؤسسة سعاده للثقافة https://bit.ly/4e6X8NZ
[13] راجع نشوء الأمم، ص 165.
[14] المرجع ذاته، المقدمة، ص 13-14.
[15] المرجع ذاته، ص 170.
[16] حيدر حاج إسماعيل، المناهج عند سعاده والقراءات الخمس، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 2004، ص 116.
[17] نشوء الأمم، ص 167-168.
[18] المرجع ذاته، 143.
[19] المرجع ذاته، ص 164.
[20] المرجع ذاته، ص 155.
[21] حيدر حاج إسماعيل، الفلسفة المادية – الروحية عند سعاده – سلسلة التعريف بفكر سعاده 4، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 2006، ص 28.
[22] أنطون سعاده، الآثار الكاملة 1 أدب، الصراع الفكري في الأدب السوري، طريق الفكر السوري، بيروت، 1960، ص 60.
[23] نشوء الأمم، المقدمة، ص 13-14.
[24] راجع مقال جهاد نصري العقل، ظاهرة الوجدان القومي”.
[25] بندكت أندرسون (Benedict Anderson)، الجماعات المتخيّلة (Imagined Communities)، مفهوم الأمة بوصفها بناءً تخيّلياً اجتماعياً.
[26] ابن خلدون، المقدمة، مفهوم العصبية كأساس لقيام العمران والدولة.ّ
[27] المقصود هو المقطع المعروف في الدراسات الأفلاطونية بأسطورة أو “القصة الفينيقية”(Phoenician Tale) أو “الأسطورة النبيلة” (Noble Lie)، الذي يرد في الكتاب الثالث من الجمهورية.
[28] راجع مقال جهاد نصري العقل “ظاهرة الوجدان القومي”، أو جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، ص 117 – 121.
[29] جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، ص 119.
[30] Fustel de Coulanges, The Ancient City: A Study on the Religion, Laws and Institutions of Greece and Rome, trans. Willard Small, 4th ed. (Boston: Lee and Shepard, 1882), Book I, Chapters 1–6.
[31] نشوء الأمم، المقدمة، ص 15.
[32] حيدر حاج إسماعيل، الفلسفة المادية – الروحية عند سعاده، ص 188.
[33] المرجع ذاته، ص 134.
[34] شحادي الغاوي، الفلسفة المدرحية – الديمقراطية التعبيرية – العروبة الواقعية، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت، 2022.
[35] المرجع ذاته، ص 48؛ راجع مقاله بعنوان “من عهد زينون إلى عهد سعاده”، منشور في سورية الجديدة باسم نصوح الخطيب، سان باولو، العددان 54 & 55، 1/03/1940.
[36] المرجع ذاته. ص 48.
__________________
د. إدمون ملحم باحث في الفكر القومي الاجتماعي والدراسات الشرق أوسطية، حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ملبورن. من مؤلفاته: الفلسفة الرواقية، والاقتصاد القومي الاجتماعي، والمرأة السورية، إلى جانب عدد من الدراسات والبحوث في فكر أنطون سعاده والفلسفة المدرحية.


