الشرع الأعلى

ما بين الدين والدولة في القومية الاجتماعية

إن البحث في المسائل الدينية هو من أصعب الموضوعات وأكثرها دقة وخطورة إذا كان يتناول المعتقدات والمقدسات لذاتها، ولكنه من أكثر الموضوعات فائدة، رغم صعوبته وخطورته، إذا كان يهدف إلى الحفاظ على المقدسات، وينظر إلى الظاهرة الدينية من وجهة تاريخية اجتماعية، بغية فهم مسبِّباتها والغاية منها.

وهذا ما فعله باحث النهضة السورية القومية الاجتماعية في دراسته للظاهرة الدينية، حيث لم يتعرض لحرية المعتقدات الدينية والممارسات الطقسية لأتباع أي دين أو مذهب ديني من أبناء الأمة السورية، لأنها كلها لا تتنافى مع وحدة الأمة ووحدة الشعب والمجتمع.

ولا بد لكل من يريد التعمّق في نظرة سعادة إلى طبيعة الدين، وطبيعة علاقته بالدولة، من الإطلاع على مبادئ النهضة القومية الاجتماعية، الأساسية منها والإصلاحية، ليتمكن من فهم مدى الترابط والتكامل بين المبادئ الإصلاحية والمبادئ الأساسية، التي تصدر كلها عن نظرة فلسفية جديدة، هي نظرة الإنسان المجتمع التي تؤيدها الأبحاث الاجتماعية المرتكزة على القواعد العلمية لنشوء الأمم.

كما لا بد للدارس أيضًا من الإطلاع على تاريخ الفكر في المجتمعات العربية المتأثر بالفكر في المجتمعات الأوروبية سلباً وإيجابأ، والوقوف على حقيقة الصراعات الفكرية والسياسية، في الزمن الذي ولد وعاش فيه سعادة. وذلك ليتمكن من قراءة التفاعلات التي حصلت في عقله ووجدانه، وأدت إلى بروز أفكاره النهضوية، وتكوين نظرته الجديدة إلى الحياة والكون والفن والدين والسياسة، وإلى كل شأن من شؤون الحياة.

1 ــ قد يكون مفيدًا قبل أن ندرس علاقة الدين بالدولة، أو بالسياسة، عند سعادة، أن نَعرِف ما هو مفهومه للدين؟ وبما كان يختلف عن سابقيه الذين بحثوا في موضوع الدين ودورِه في عملية التقدم أو التأخر في العالم العربي؟ من دون أن نقوم بدراسة شاملة للتيارات الفكرية في الغرب الأوروبي الحديث أو المعاصر، لأنه أمر يحتاج إلى بحث معمق لا يتسع المجال له الآن. يمكن القول إن سعادة لم ينطلق في نظرته إلى الدين من مبدأ المفاضلة بين الأديان، خاصة بين المسيحية والمحمدية اللتين اعتبرهما رسالتين في دين واحد. ولم ينطلق من مبدأ تطوّر الأديان التصاعدي، على خلاف ما ذهب اليه بعض الأئمة المحمديين، وفي طليعتهم الثنائي الشهير، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وغيرهما من رجال الدين أو السياسة.

كانت انطلاقة الأفغاني مرتكزة على أن للدين المحمدي ميزةً على سائر الديانات وعلى المسيحية بالذات، فالديانة المحمدية قد «وُضع أساسها على طلب الغلب والشوكة، والافتتاح، والعزة، ورفضِ كل قانون يخالف شريعتها، ونبذِ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية على تنفيذ أحكامها»(1).

ولم يخالف الإمامان محمد عبده ورشيد رضا رأي الأفغاني. لكنهما اعتمدا على نوع آخر من المفاضلة يرتكز على مبدأ وحدة الأديان وتطورها من الأدنى إلى الأعلى، فقالا: «إن البشرية مرت بطورين سابقين (على المحمدية) هما طور الطفولة للناشئ الحديث العهد بالوجود الذي تكفلت به اليهودية، وطور الوجدان والقلب الأكثر تقدمًا الذي استجابت له المسيحية قبل مجيء الإسلام»(2). وعندما جاء الإسلام «كان سن الاجتماع البشري قد بلغ رشده. فجاء الإسلام يخاطب العقل ويستصرخ الفهم واللب… وبرهن على أن دين الله في جميع الأجيال واحد»(3).

وسار في اتجاه وحدة الأديان، ولو بطريقة مختلفة، الإمام عبد الحميد الزهراوي فقال: إن «موسى جاء بدين وشريعة. ومعظم ما جاء به أحكام دنيوية. وأن عيسى جاء بدين فقط، وأقرَّ اليهودَ على شريعة موسى. وأن ما جاء به محمد جَمَعَ بين الأمرين»(4)، لكنه لم يقل بفكرة تطور الأديان، بل بتمايزها بسبب اختلاف الحاجات والبيئات الثقافية والاجتماعية للجماعات البشرية. فقد «ظهر الإسلام، برأيه، على حينِ حلكةٍ من ظلمات الظلم والفساد في العالم… وكان بدء الإسلام التنديد بعبادة الأصنام التي كان عليها قوم ذلك الرسول الكريم»(5).

أما فرح أنطون، الذي خاض غمار المناظرة الشهيرة مع الإمام محمد عبده، فقال بأن الأديان كلها واحدة لجهة حثها على الفضائل، ونهيها عن المنكر. ولجهة اعتمادها على العجائب والمعجزات في إثبات صحة الرسالة والنبوءات. فيوضح قائلاً: «ليس هنالك دين عقلي ودين آخر غير عقلي. فجميع الأديان هي أديان عجائب وغرائب»(6) بمعنى أنها تنفي السببية الطبيعية، كما فعل الغزالي لإثبات المعجزات.

أما أنطون سعادة فقد تفرد في نظرته إلى الدين عن كل هؤلاء الباحثين أو رجال الدين، وانتقد فكرة الأفغاني القائلة: بأن الدين الإسلامي لا يتم إلا بإعلائه على سائر الأديان الأخرى، وبيعِ المسلمين أنفسَهم حتى يتم انتصار الإسلام ويعم العالم. وتساءل «إلى أين يقودنا مثل هذا الاعتقاد؟ أإلى شيء آخر غير الانشقاق الداخلي، وإفناء التعاليم السامية في قتال لا نهاية له؟»(7).

إن مثل هذا الاعتقاد هو العقبة الكؤود في طريق نهضة الأمة السورية، إذ لا يمكن قيام نهضة أو وحدة قومية على مبدأ المفاضلة بين الأديان، أو على مبدأ تطورها التصاعدي في السياق الزمني، بحيث يبدو الدين السابق كأنه تمهيد للاحق الذي هو أفضل وأرقى منه، أو بحيث يبدو الدين السابق أفضل من اللاحق.

لذلك انطلق سعادة من مبدأ وحدة الغاية من الأديان، وإن اختلفت أساليبها باختلاف البيئات الطبيعية والثقافية التي أتت فيها. إن غاية الأديان واحدة هي: الاعتراف بوجود الله الواحد، والثواب والعقاب في اليوم الآخر، والحث على الفضائل. واستنادًا إلى النص القرآني القائل: «إن الدين عند الله الإسلام» (سورة آل عمران 3/9)، واستنادًا إلى المعنى اللغوي لكلمة مسلم الواردة في سورة النساء (4/125) في الآية «ومَنْ أحْسَنُ دِينًا ممَّن أسلَمَ وجهَه الله وهو مُحسن واتَّبَعَ مِلَّةَ ابراهيم حنيفًا». واستنادًا إلى ايمان النبي بأن الإسلام هو إسلامُ الأمرِ لله من قبله ومن بعده، كما جاء في سورة القصص (5/392): «الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يُتلى عليهم قالوا آمنّا به إنه الحقُّ من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين»؛ بناء على هذه الآيات القرآنية وغيرها، واعتقادًا من سعادة بأن الوحدة الروحية تجعل الوحدة القومية أقوى وأمتن، قرر أن الدين عند السوريين هو «الإسلام برسالتيه المسيحية والمحمدية». وأعلن «أن ليس من سوري إلا وهو مسلم لرب العالمين. منا من أسلم لله بالإنجيل، ومنا من أسلم لله بالقرآن، ومنا من أسلم لله بالحكمة. وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا ووطننا سوى اليهود»(8).

إن هذا الدين الواحد لا يتعارض مع الوحدة القومية الاجتماعية في الأمة السورية، بل يجعل الوحدة الروحية فيها أقوى وأمتن. أما المعتقدات اليهودية فلا تدخل ضمن هذه الوحدة الروحية، لأن اليهودية خرجت عن مبدأ الخير العام، حين جعلت الإله الواحد إلهًا لليهود فقط، جعلته إلهاً خاصاً بهم اختاروه واختارهم، فهم «شعب الله المختار» يحارب إلى جانبهم، ويطرد السوريين من أرضهم، ويجعلها أرضًا موعودة لليهود (أرض الميعاد). وبالتالي فلا يمكن للسوريين أن يؤمنوا بإله لا يعترف بحقهم في الحياة، بإله لا يعرف إلا الحقد والقتل واغتصاب الحقوق. إن غاية هذا الدين تختلف عن غاية الإسلام في رسالتيه: المسيحية والمحمدية. وليس صحيحاً أن الرسالة المحمدية تختلف عن المسيحية، لأنها دين ودولة. والقائلون بهذا الأمر لا ينظرون إلى الظروف التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها الرسالتان، ليتمكنوا من تبين الأسباب التي جعلت الدين يحتاج إلى الدولة في بداية الدعوة المحمدية، ثم يستغنى عنها في ما بعد، والأسباب التي جعلت المسيحية تستغنى أصلا عن الدولة.

لقد كان سعادة سبّاقًا، بل متفردًا في دراسته للظاهرة الدينية من زاوية تاريخية اجتماعية، وفي اعتبارها ظاهرة اجتماعية. فقد جاء في نشوء الأمم «أن الدين ظاهرة نفسية عظيمة الخطورة من ظواهر الاجتماع البشري»(9)، أي أنه ظاهرة ملازمة لطبيعة الاجتماع البشري قابلة للتطور، لكن تطورها بطيء، وهنا يكمن سر خطورتها. ولم تخلُ جماعة واحدة من الجماعات البشرية كما يبدو، أو حضارة واحدة، من العامل الديني أو الدين، بصوره المختلفة، أي بوصفه اعتقادات وممارسات. ومجموعة هذه الاعتقادات يجري اعتبارها حقائق ثابتة تجيب عن الأسئلة المقلقة لدى الإنسان. لذلك فإن الدين يأتي متوافقاً مع ثقافة المجتمع وحضارته ومعبرًا عن توقه إلى التقدم والرقي.

يؤكد هذه الفكرة ذاتها معظم علماء الاجتماع والحضارة، ومنهم صاحب كتاب «الأنتربولوجيا والدين» رانجي هيريوا، الذي قال: «إن الدين هو جزء حيوي في ثقافة كل شعب. فما خلقه الإنسان في العقل، أو عبده في الروح، هو حقيقي كما الأشياء المادية التى صنعها بيديه. فالإيمان بكائن مفارق، وبخلود النفس، يجب أن يُقبَلا كحقيقتين مع ما يتبعهما من ممارسات ونتائج»(10). الدين إذًا هو جزء حيوي في ثقافة أو حضارة كل شعب، ولا يشكل حضارة قائمة بذاتها مستقلة آتية من عالَم مُفارِقٍ أعلى. فالحضارة لا تأتي من الغيب، إنما من كل ما أنتجه أو ما ينتجه العقل البشري على الصعيدين الروحي والمادي. لذلك نقول إن ليس في سورية حضارتان: واحدة مسيحية وأخرى محمدية. إن في سورية حضارة واحدة هي الحضارة السورية التي يشكل الدين المسيحي جزءًا منها، وكذلك الدين المحمدي بعد أن تكيَّف مع البيئة الطبيعية والثقافية في سورية.

المجتمع هو الأساس، والاستعداد النفسي للبيئة الاجتماعية/ الطبيعية هو الذي يؤثر على الظاهرة الدينية، ويجعلها تكوّن النظرة الفلسفية إلى الحياة والكون، بالمعنى الاجتماعي الإقتصادي الروحي. فالدين الذي كان مسبًّبا من الوجهة الاجتماعية التاريخية، أي الذي كان واسطة لإبراز نظرة المجتمع إلى الحياة والكون، يتحول إلى سبب يؤثر في نظرة المجتمع إلى الحياة والكون بعد رسوخ العقيدة من الوجهة الوضعية. وهذا ما يقوله سعادة بنصّه الحرفي: «إن الدين من الوجهة التاريخية الاجتماعية، مسبِّب لا سبب، ولكنه يصير سببًا من الوجهة الوضعية بعد رسوخ العقيدة»(11).

فالعلاقة بين الدين ونظرة المجتمع إلى الحياة هي علاقة تفاعلية، أساسها وحدة الحياة القومية الاجتماعية التي يتم التفاعل في إطارها العام.

2 ـــ انطلاقاً من هذه النظرة الاجتماعية، ما هي علاقة الدين بالدولة؟ هل هي علاقة مفهومية أم علاقة تاريخية؟ وهل يشكل الدين جزءاً من الرسالة الدينية؟ وما هي الأسباب الداعية إلى ارتباط الدين بالدولة تاريخياً؟

إذا كان الدين ظاهرة من ظواهر الاجتماع، فإن قيام الدول غير مشروط بالضرورة بالدين، بدليل أن البشرية قد شهدت قيام وسقوط عدد من الدول العظيمة في التاريخ قبل مجيء الرسالات السماوية الراقية، ولم يكن الدين أساسًا لقيامها أو سقوطها، كما شهدت بعض الدول أو الأمم تبدل الدين مرات عدّة، دون أن تتبدّل الدولة أو الأمة، وليس من داع لضرورة التلازم بينهما.

لم يكن الهدف من الدين إقامة الدولة، لأن «الدين في أساسه وبعد ارتقائه هو عقيدةُ معرفةِ مصدرِ الإنسان ومَعاده ومصير الفرد الأخير، فهو من هذه الناحية لا يكون نظرة إلى الحياة بالمعنى الاجتماعي الإقتصادي الروحي»(12)، ولا يكوّن دولة سياسية أو دينية.

قيام الدولة ليس جزءًا من الرسالة الدينية، لا في الإسلام ولا في المسيحية. وإذا كانت الرسالة الدينية المحمدية قد احتاجت إلى الدولة لتأمين انتصار الدين، فإن العلاقة بينهما لا تتعدى العلاقة التاريخية.

وقد أوضح أنطون سعادة أن الدين الإسلامي «قد اضطر لأخذ طبيعة البيئة التي نشأ فيها بعين الإعتبار. وطبيعة البيئة اقتضت إيجاد الدولة لتكون وسيلة لإقامة الدين، ولما كان غرض الدولة إقامة الدين كان لا بد أن يكون أساسها، فهي وجدت بالدين لإقامة الدين، ومن هذه الضرورة الخاصة بالبيئة العربية نشأ هذا الارتباط الوثيق بين الدولة والدين في الإسلام»(13).

لكن هذا الارتباط الوثيق كان ظرفيًا عرضيًا. ولا يعنى أن الدولة تحتاج إلى الدين بحكم طبيعتها. ولا يعني أن الدولة هي الغاية التي يسعى إليها الدين. والفرق كبير بين أن تكون الدولة واسطة وبين أن تكون غاية. الواسطة تزول والغاية تبقى. يقول سعادة: «الدولة أنشئت لغرض الدين، وليس الدين هو الذي أنشئ لغرض الدولة»، لأن هدف النبي محمد هو إقامة الدين، وليس السياسة، أو فلسفة الاجتماع التي ترتقي بالعلوم الاجتماعية. بناء عليه «تكون الدولة الشيء الثانوي القابل للزوال عندما لا تبقى حاجة إليها شأن كل آلة أو واسطة أدت الغرض من وجودها»(14).

ويستنتج مما تقدم أن علاقة الدين بالدولة هي علاقة تاريخية مرتبطة بظروف البيئة الطبيعية والاجتماعية والثقافية للرسالة المحمدية. وقد أوضح سعادة استنادًا إلى دراسة النصوص القرآنية «أن حقيقة الدين وأساس الدعوة المحمدية هو ما اشتمل عليه الطور المكّي الذي هو الطور الروحي المنزَّه عن شؤون العالم الدنيوي، المتجه نحو مقر النفس الأخير في ما وراء المادة، وأن الاتجاه الدنيوي الذي سلكه الطور المدني ليس سوى الواسطة أو الطريقة للقضاء على عبادة الأصنام وإقامة الفكرة الدينية لإتمام الغرض الديني الأخير الذي اكتمل في المدّة المكية»(15).

وهكذا يكون سعادة قد ميز بين ما هو جوهري في الدين وما هو عرضي. الجوهري هو الأصول الدينية أو العقيدة التي استنزلت في الطورالمكّي، والتي لا تختلف عن الرسالة المسيحية، بل تتوافق معها، لأنها ترمي إلى:

«ثلاثة أغراض:

1 ــ إحلال الاعتقاد بالله الواحد محل عبادة الأصنام.

2 ــ فرض عمل الخير وتجنب الشر.

3 ــ تقرير خلود النفس والثواب والعقاب».

وأما ما تبقى من الأمور فليست سوى وسائل لبلوغ هذه الأغراض. وهذ الوسائل مهمة، لكن أهميتها نسبية من الوجهة الدينية البحت(16).

بناء عليه، فإن فصل الأمور الدينية عن الأمور الدنيوية لا يشكل إساءة للدين، بل يجعله منزها عن السياسة. أما الذين لم يفصلوا السياسة عن الدين، كصاحبي «العروة الوثقى» الإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، فقد حوّلا الإسلام إلى «جنسية دينية»، وقالا بأن «لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم»، وأعلن الأفغاني بكل وضوح أنه يسعى لإحلال «الجنسية الدينية» محل«الجنسية الوطنية». وقال إن «المتدين بالدين الإسلامي متى رسخ فيه اعتقاده، يلهو عن جنسه وشعبه، ويلتفت عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة، وهي علاقة المعتقد»(17).

وقد أضاف الأفغاني أمراً آخر أكد فيه على ضرورة الجمع بين السلطتين الزمنية والروحية في الإسلام، مستندًا إلى مبدأ التفاضل بين الأديان على أساس أن أصول الدين الإسلامي ليست كسائر الأديان، فهي «ليست قاصرة على دعوة الخلق إلى الحق، وملاحظة أحوال النفوس من جهة كونها روحانية مطلوبة من هذا العالم الأدنى إلى عالم أعلى، بل كما كانت كافلة لهذا جاءت وافية بوضع حدود المعاملات بين العباد، وبيان الحقوق كليّها وجزئيها»(18).

بناء على نظرة الأفغاني، لا سلطة إلا من الله. فالخليفة هو الحاكم الديني والسياسي، له السلطة الروحية على كل مسلمي الأرض، وله السلطة السياسية على «الجامعة الإسلامية» التي تضم مختلف الشعوب والقوميات، وتحاول القفز فوق خصائصها ومميزاتها، وفي ذلك تكمن خطورة أية جامعة دينية سياسية. أما الجامعة الدينية البحتة فلا خوف منها. لهذا السبب قال سعادة: «إن فكرة الجامعة الدينية/ السياسية منافية للقومية عمومًا، وللقومية السورية خصوصًا، فتمسك السوريين المسيحيين بالجامعة الدينية يجعل منهم مجموعًا ذا مصلحة متضاربة مع مصالح مجاميع دينية أخرى ضمن الوطن… وكذلك تشبث السوريين المحمديين بالجامعة الدينية يعرّض مصالحهم للتضارب مع مصالح أبناء وطنهم الذين هم من غير دينهم… وليس من نتيجة (لذلك) سوى تفكك الوحدة القومية والإنخذال في ميدان الوحدة القومية»(19).

لقد رفض سعادة فكرة الدولة الدينية لأنها منافية للدولة القومية، ومسيئة إلى الدين أيضًا، لأنها تحاول استغلال الدين لتحقيق المآرب السياسية، وتحاول التركيز على الجانب الدنيوي: السياسى والإداري للدين، وتستخدمه وسيلة لإلغاء هويات الشعوب والأمم، وذلك باعتبار المؤمنين بالدين الواحد مجتمعًا واحداً يجب أن يعود أمره إلى المؤسسة الدينية، وإلى شخص الحاكم الفرد الذي يدّعي أن سلطته من الله، وليس من الشعب. وكل ذلك مناف للوحدة القومية والحرية والديمقراطية وإرادة الشعب وسلطة الأمّة، ولا يضيف إلى الدين إلا ما ليس منه وليس له.

أما سعادة، فقد حرص في كل ما كتب على إبعاد السياسة عن الدين، كما حرص على الحفاظ على الدين وعلى إبراز وحدة الدين الإسلامي بنصيه المكي والمدني، وشدّد على ضرورة النظر إلى الوحدة الكامنة في الرسالة الإسلامية بالرغم من ثنائية النص القرآني. فالثنائية «ليس معناها أنه يوجد للرسالة الإسلامية خطتان متباينتان مستقلتان الواحدة عن الأخرى استقلالاً كلياً بحيث يجوز للمؤمن أن يختار إحداهما مرة والأخرى مرة أخرى كما يروق له أو يوافق مصالحه أو مطامعه، بل معناها أن هناك وحدة كامنة بين نوعي النص الإسلامي»(20).

وهذه الوحدة لم تمنع سعادة من التمييز بين جوهر الرسالة وبين متمماتها، أي بين الأمور الدينية البحتة، وبين الأمور السياسية الدنيوية. وبالرغم من هذه الوحدة، فإن سعادة يرى «أن النصوص القرآنية على نوعين، ويجب أن تدرس من وجهتي الدين والدولة، وبهذه الطريقة فقط يمكن فهم الإسلام فهمًا صحيحًا من الوجهة التاريخية، وبهذه الطريقة فقط يمكن الإستفادة من مرونة الإسلام لمنع جموده وتحجره كما تحجرت اليهودية»(21).

إن فهم الإسلام بهذه الطريقة، أي دراسته من وجهتي الدين والدولة، لا يسيء إلى الدين، وليس بدعة أو كفرًا، فقد قال بهذه الفكرة حتى أكثر الإسلاميين تشددًا؛ قال بها الإمام رشيد رضا، الذي قسّم الدين إلى: عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأجاز استحداث إضافات في باب المعاملات. حتى مبدأ الفصل بين الدين والدولة فقد قال به أحد الأئمة المسلمين الكبار، هو الشيخ علي عبد الرازق، الذي أصدر في مصر عام 1925 كتابأ بعنوان «الإسلام وأصول الحكم»، أكد فيه استنادًا إلى دراسة فقهية معمّقة للنص القرآني أن النبي محمد «لم يكن إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين. لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة دولة، وأنه لم يكن للنبي ملك ولا حكومة، وأنه لم يقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها. ما كان إلا رسولاً كإخوانه الخالين من الرسل، وما كان ملكًا ولا مؤسس دولة، ولا داعيًا إلى ملك»(22).

لم يُشر النبي محمد (ص) طوال حياته إلى شيء يسمى دولة إسلامية أو دولة عربية. ولو أنه أراد ذلك لكان وضع لها كل ما يلزم من الأنظمة والقوانين. ومثلما أتم قواعد الدين كان يجب أن يتم قواعد السياسة. لم يسمِّ الرسول أحدًا يخلفه. وليست الخلافة من الخطط الدينية في شيء، وكل ما له علاقة بالتتظيم السياسي للشعوب ليس من الخطط الدينية أيضًا. وكل ما له علاقة «بالقضاء ووظائف الحكم ومراكز الدولة كلها خطط سياسية لا شأن للدين بها… فقد تركها (الشارع) لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم وقواعد السياسة»(23).

وبذلك يكون عبد الرازق قد دعا إلى الفصل بين الدين والدولة فصلاً يستند إلى فهم جديد للدين الإسلامى مخالف للفهم الذي كان سائدًا طيلة أحقاب طويلة.

هذا في مصر، أما في سورية فقد دعا الإمام عبد الرحمن الكواكبي إلى ضرورة الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، في كتابه «أم القرى»، وجعل غاية المؤتمر الإسلامي البحث في السياسة الدينية، أي في كيفية شرح العقيدة الدينية، والتركيز على مكارم الأخلاق والفضائل، وكيفية إرشاد المسلمين إلى ربهم. وهذا المؤتمر لا «يتداخل في الشؤون السياسة مطلقًا» وأما السلطة السياسة فيجب أن يكون مركزها منفصلاً عن مركز السلطة الروحية، ولا «تتداخل مطلقًا بالأمور الدينية»(24).

لقد ميّز الكواكبي بين غاية الدولة وغاية الدين. وقال إن «الغرض المقصود من الدولة، والغاية التي تسعى الدولة إليها، في زماننا هذا، هي غاية دنيوية محضة، وأعني بها تأمين الناس على أرواحهم وأموالهم وسن القوانين العادلة لهم وإنفاذها فيهم. وأما الدين فالغاية المقصودة منه واحدة على اختلاف الزمان والمكان، وهي صلاح في هذه الدنيا حتى يدخلوا جنّات النعيم في الآخرة»(25). ولهذا السبب يرى الكواكبي ضرورة الفصل بين الدين والدولة، وتفادي الخطأ الذي يقع فيه عامة الناس الذين «يعتقدون أن الدين لا يقوم إلا بالدولة، والدولة لا تقوم إلا بالدين، وإنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر. فهذا خطأ مبين»(26).

وأما سبب الوقوع في هذا الخطأ فيعود إلى بداية الدعوة المحمدية يوم كانت السلطة السياسية والدينية بيد الرسول، فأنشأ دولة كان هو قائدها السياسي والديني. لكن بعد ذلك تحوّلت الخلافة إلى ملك، وأصبح من الضروري الفصل بين إدارة الدين وإدارة الملك. «لأن الدين شيء والملك شيء آخر»(27)، فالدين والدولة غير متلازمين، لأن وظيفة كل منهما مستقلة عن الأخرى، وغاية الواحد تختلف عن غاية الآخر.

كان سعادة على اطلاع تام على كل ما كتب في تلك الفترة، وقد أعجب بأفكار الكواكبي وانتقد فكرة الجامعة الدينية السياسية التي دعا إليها الأفغاني وعبده. فكتب يقول: «لا يظنن أحد أن جميع مفكري المحمديين هم من نوع الشيخ محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني، فهذان المفكران الرجعيان غير السوريين لا يمكنهما ادعاء احتكار التفكير المحمدي العصري. وقد قلنا (أضاف سعادة) أن مفكرًا سوريًا محمديًا هو السيد الفراتي عبد الرحمن الكواكبي لم يذهب صيته ذهاب صيت إمامي الرجعة المذكورين مع أنه أحق بهداية النفوس منهما، إذ نظر إلى الحياة الاجتماعية والسياسية من جهة التفكير السوري المترقي»(28).

لقد أيد سعادة أفكار الكواكبي الداعية إلى الفصل بين الدين والدولة، لأنها دعوة إلى «الوفاق الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي»، وصرخة في وجه الأجانب أن «دعونا يا هؤلاء ندبِّر حياتنا الدنيا بعقولنا، ونجعل الأديان تحكم بالأخرى فقط، دعونا نجتمع على كلمة سواء، ألا وهي فلتحي الأمة، فليحي الوطن، فلنحي طلقاء أعزاء»(29).

وقد علق سعادة على هذا الكلام بقوله: «هذا قول تتبنّاه الحركة السورية القوميه بحرفيته، وتخلّد به ذكرى الإمام الكواكبي الذي نظر في مقتضيات الدين والدنيا فقال فيها هذا القول الفصل»(30).

لم يكن عبد الرحمن الكواكبي وحيدًا في دعوته إلى إبعاد السياسة عن الدين، بل شاركه في هذا الاتجاه، وعلى مستوى آخر، مواطنه السوري الإمام عبد الحميد الزهراوي، الذي لم يجعل رابطة الدين الرابطة الأساسية في توحيد الجماعات البشرية في أمة واحدة، وكان يهزأ من الداعين إلى قيام «جامعة إسلامية» بين «قوم مختلفين منذ ثلاثة عشر قرناً، اختلافاً سياسيًا واختلافًا دينيًا، يقتل بعضهم بعضًا، ويستعين بعضهم على بعض بأهل الملل المخالفة في الأساس»(31)، ويرى أن هذه الجامعة لم تنفع المسلمين في رد هجمات هولاكو، ولا في رد هجمات الصليبيين، فهي لم تؤد إلى اتحادهم، على الأقل في مواجمة الأخطار، إنها اسم بلا مضمون، أو هي ظل لا يصير شبحاً. و«هذه الجامعة لا تنفع حتى يقوم العلم الصحيح عندهم (عند المسلمين) مقام التقاليد، وتكون الجامعة يومئذ جامعة قومية»(32).

وبالرغم من أن الزهراوي لم يعلن صراحة هويته القومية السورية، التي ظلت ملتبسة بالقومية العربية، نظرًا لما للغة العربية من أهمية في تمييز العرب عن الأتراك، فإنه كان يعلن دائمًا ضرورة إبعاد الدين عن القومية، فهو عندما دعا إلى «القومية العربية» أرادها أن تضم المسلمين وغير المسلمين من أبناء وطنه السوري، ومن كل الناطقين باللغة العربية.

وعندما كان يدافع عن «الوطنية العثمانية» كان يرغب في أن تقوم على أساس الاتحاد المدني بين كل العثمانيين «الذين يقولون نحن مدنيون». وهو حين يقول نحن أبناء «وطن عثماني واحد»، إنما يرغب في إبعاد عامل الدين عن أي وحدة تقوم بين المواطنين. ويقول: «نحن مسلمون، ولكننا لا نريد اتحادًا يكون خارجه أبناء وطننا من غير المسلمين». ونحن عثمانيون، ولكن لا نريد اتحاداً يكون خارجه كل أبناء الوطن من غير الترك»(33). فالاتحاد يجب أن يتم على أساس وطني عثماني، وليس على أساس دينى إسلامي.

هذه النظرة إلى «الوطنية العثمانية» كانت مرشحة للتطور السريع نحو التفكير «بقومية» غير قائمة على أساس الدين. وبالفعل فقد كان الزهراوي مهيئًا ليرأس المؤتمر السوري الذي دُعي بالمؤتمر العربي الأول، الذي تداعى إلى إقامته عدد من المثقفين السوريين في باريس، ولم يتردد هذا المؤتمر في المطالبة باللامركزية الإدارية. وباعتبار اللغة العربية لغة رسمية، لم يتردد الزهراوي في أن يدفع حياته ثمنًا لقوميته السورية، وأن يستحق عن جدارة لقب شهيد الحرية والاستقلال.

لم يتميز الزهراوي عن أئمة محمديين كبار فقط بدعوته إلى وطنية غير قائمة على أساس الدين، بل تميّز عنهم في قوله بوحدة الأديان بطريقة مخالفة لفكرة تطور الأديان، وقال إن الدين واحد مهما تعددت الوسائل والأساليب: «دين الرسل كلهم واحد في الحقيقة، وإنما تختلف أشكال نشأة الأديان، وفروع تعاليمها، وسرعة نشرها، ومنهاج إقامتها باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص. ولذلك ترى الذين سلمتْ فهومُهم من غوائل التقليد لا يفرقون بين أحد من رسل الحق» استنادأ إلى ما جاء في سورة البقرة(34).

وينبه الزهراوي إلى أن الذين يحسبون الوسائل من روح الدين يخطئون، لأن الوسائل تتغير، وأما لبّ الدين فيبقى واحدًا. وهذا الدين الواحد هو الإسلام استنادًا إلى المعنى اللغوي للكلمة، وللمعنى الذي استخدمه القرآن في السور القرآنية، وبخاصة في سورة النساء(4/125) التي جاء فيها: «ومن أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسنٌ واتبع ملة ابراهيم حنيفًا»(35).

لم يرفض الزهراوي الوسائل، ولكنه لم يعتبرها من صلب الدين. وقد ميز بين ما هو جوهري في الدين، وما هو عرضي. أو بتعبير آخر ميز بين الدين والشريعة، كما يميز كتاب العصر: «ويعنون بالدين الاعتقاد والعبادات والفضائل، أي ما يراد به إصلاح الأرواح وإعدادها لسعادة الآخرة أولاً وبالذات، وإن كان يفيد في سعادة الدنيا أيضًا. ويعنون بالشريعة ما يسوس به الحكام الناس ويفصلون به بينهم في الخصومات، أي ما يراد به إصلاح أحوال الاجتماع السياسية والمدنية والجنائية»(36).

وقد رد الزهراوي على ادعاءات الأجانب قائلا: «ليس صحيحاً ما يعتقده الإفرنج من أن المسلمين لا يفرقون بين الدين (الآداب والعقيدة) والشريعة (قوانين واجتماع)(37) لأن كلاً منهما إلهي عندهم» بل على العكس. «فلما كانت الأمور الدنيوية تختلف باختلاف الزمان والمكان، كان من المحال (حتمًا) أن توضع لها شريعة تامة توافق مصلحة الناس في كل زمان ومكان. وهذه المسألة لا يختلف فيها عاقلان»(38).

لم يعتبر الزهراوي أن الشريعة الإسلامية هي شريعة تامة توافق مصلحة الناس في كل زمان ومكان. وإذا كانت العبادات وهي «أعمال خاصة أُمرنا أن نفعلها كما كان يفعلها النبي وأصحابه الذين تعلموا منه.»(39) ولا تحتاج إلى أي إضافة أو تعديل، فإن باب المعاملات قد حصل فيه الكثير من الاجتهادات والإضافات لكي تصبح أحكام المعاملات موافقة لمصلحة الناس. لكن ما كتبوه ليس مقدسًا، وليس مستمدًا من الدين، وليس صالحًا لكل زمان ومكان. «لأن أزمنتهم غير زماننا»(40) فقد كتب هؤلاء المجتهدون الكتب بأيديهم، وادعوا أنها من عند الله لا يجوز المساس بها.

ثم أن دور العقل عند الزهراوي لا يتوقف على فهم الشرع وتطبيق نصوصه كما وردت، بل هو قادر على وضع التشريعات لتنظيم حياة البشرية في المجتمعات قبل ورود الشرع وكتابة الكتب المنزلة. وفي هذا يقول: «إن الأمم التي ليس عندها هذه الكتب قد أغناها الله بفضل عقولها، في تدبير التجارة والبيوع، وعقد الشركات وإمضاء المعاهدات، وإدارة المنافع العامة، وترتيب العقوبات، وجباية الأموال، وتتظيم الجيوش، وإعداد ما يحفظ المجد، ويعلي الشأن في السلم والحرب»(41).

والنتيجة التي يخلص إليها الزهراوي هي أن العقل البشري قادر على وضع القوانين المدنية للدولة دونما حاجة إلى الشرع الإلهي. وهذا يعني أن الدولة لا تحتاج إلى الدين في تنظيم حياة الجماعة وفي وضع القوانين، وإن عملية الفصل بين الدولة والدين لا تسيء إطلاقًاً إلى الدين.

3 ـــ  بين العلمانية وفصل الدين عن الدولة

العِلمانية أو العَلمانية مصطلح جديد لا نعرف بالضبط كيف دخل إلى اللغة العربية. وقد حدده منير البعلبكي في موسوعة المورد على أنه «نزوع إلى الإهتمام بشؤون الحياة الدنيا… أو نزع الصفة الدينية أو سلطان رجال الدين عن نشاط من النشاطات أو مؤسسة من المؤسسات».

وأوضح عادل ضاهر أن العَلمانية (بفتح العين) مرتبطة باشتقاقها اللغوي من(العالم). فتصبح «معنيّة بدور الإنسان في العالم، وبتأكيد استقلالية العقل وقدرته» (باستقلال عن الدين) على اكتشاف الغايات التي يجدر به تحقيقها في هذا العالم. (أما العِلمانية) كما حددها ناصيف نصّار فإنها «تتخذ من المعرفة العلمية الوضعية، كما هي ممثلة في العلوم الطبيعية بخاصة نموذجًا لكل أنواع المعرفة»(42).

فقد أصر نصار على ربط العلمانية (بكسر العين) بالعلم، واعتبر أن العلمانية بدون العلم تبقى ناقصة «فالصفة العلمية مكملة للصفة العلمانية وأساس لها»، وأكد أن «الاتجاه القومي الاجتماعي يركز مفهومه للمجتمع على وحدة المجتمع القومية، مؤكدًا أن السبيل إلى إزالة الطائفية السياسية إنما هو انتصار للكل على الولاء للجزء، أي تحقيق وحدة الأمة»(43).

هذه بعض النماذج على الاختلاف في المعنى الذي يمكن أن يحمله هذا المصطلح. ولو أن سعادة أراد استخدامه لكان أقدم على تحديد معناه تمامًا، ولم يترك أي مجال لسوء الفهم أو التأويل، لكنه آثر التركيز على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، أو الفصل بين الشرع الإلهي والقوانين المدنية التي تضعها العقول البشرية، باعتبار أن تحديث القوانين كان من أهم المشكلات التي شغلت عددًا من المفكرين ورجال السياسة والدين، قبل سعادة، وجعلتهم يبحثون عن مصدر آخر للتشريع غير القرآن، والحديث والسنة، فاتجه بعضهم، وخاصة المجددين منهم، نحو أوروبا التي خطت خطوات حاسمة باتجاه الفصل بين الدولة والدين، ليأخذ عنها بعض التنظيمات السياسية والثسريعات القانونية المستندة إلى أحكام العقل دون أن تتعارض مع أحكام الشرع، مما دفع ببعض السلفيين من رجال الدين إلى اتهامهم «بالتغريب» و«الخروج من الدائرة العربية الإسلامية»، والتبني الكامل للقيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية للمدنية الغربية»(44)، وأطلق عليهم رشيد رضا لقب «الملاحدة المتفرنجين»، أو العلمانيين الذين يريدون هدم الدين، وقد اكتسبت، جراء ذلك كلمة «علمنة» في العالم العربي، كما يرى مجيد خدوري، «معنى تقويض دعائم الدين، منذ قام النظام الكمالي في تركيا بفصل الدين عن الدولة، لذلك رفض العالم الإسلامي أي اقتراح علماني لإصلاح أي مؤسسة إسلامية، بحجّة أن مثل هذا الاقتراح يرمى إلى «علمنة الإسلام»(45).

وبالفعل، فإن تجربة مصطفى كمال العلمانية في تركيا كانت تجربة قاسية بالنسبة للعالم العربي، بحيث «ألغى منصب الخلافة نهائيًا… وألغى (الكتاب) الذي كان يدرس فيه القرآن، واسم (مدرسة) العربي… وألغى التقويم الهجري، وجعل الأحد يوم العطلة الأسبوعية، كما ألغى الوقف الإسلامي، وضم أملاكه إلى الدولة، وأصدر مجموعة قوانين أوروبية وطبقها بدل القوانين المستمدة من القرآن والسنة، وكان أهم تدابيره التي تشكل قطعًا مع الماضي اعتماد الحرف اللاتيني»(46).

كان أنطون سعادة على اطلاع تام على كل هذه التطورات التي حدثت، وكان يعرف مدى خطورة استخدام مصطلح ملتبس لا يترك شعورًا بالارتياح لدى المؤمنين. وبما أنه لم يكن يرغب بالإساءة إلى الدين أو المتدينين، وبما أنه لم يشأ أن يقلد «الثورة الكمالية» أو التجربة الأوروبية تقليدًا لا يدل على أصالة دعوته وتلاؤمها مع نفسية وخلقية مجتمعه السوري، لذلك لم يستخدم مصطلح العلمانية، حتى لا يساء فهم مقصده، ويتهم بالتفرنج والتغريب، أو الكفر والإلحاد، بل أكثر من ذلك حتى تكون هذه الدعوة مقبولة من شعبه من جهة، ومن جهة أخرى لأن العلمانية ليست سوى بديل جزئي عن الطائفية إذا لم تكن صادرة عن عقيدة كلية أو فلسفة قومية اجتماعية، أساسها وحدة الأمة والوطن والشعب. لذلك آثر اعتماد مبدأ الفصل بين الدين والدولة كسبيل لتأمين الوحدة القومية التي لا تسيء إلى الدين، وحاول تعيين مقصده بمبدأ آخر، هو مَنْعُ رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميَّين. وهذا المنع لا يعني استلاب رجال الدين حقهم في أن يكونوا مواطنين متساوين مع غيرهم في الحقوق والواجبات، إنما يعني منعهم من استغلال الدين والسلطة الدينية التي ادعوها لأنفسهم أو ادعوا أنها أعطيت لهم، من أجل مآربهم الخاصة، أو من أجل إحداث التفرقة الطائفية بين أبناء الوطن الواحد. ويتضح الأمر أكثر مع المبدأ الثالث القائل بضرورة إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب لأجل تأمين الوحدة القومية.

بهذه المبادئ الإصلاحية الثلاثة المتكاملة استطاع أنطون سعادة أن يعين بالضبط ما يعنيه مبدأ الفصل بين الدين والدولة، وأوضح في أكثر من مقال ومكان أنه لا يحارب الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية المتعلقة بأسرار النفس والخلود والخالق وما وراء المادة، وقال بكل وضوح أنه لا خطر من الجامعة الدينية الروحية، ولا خوف منها أو عليها، إنما الخوف والخطر من الجامعة الدينية السياسية التي تحاول إلغاء قوميات الشعوب. وليس بخاف على أحد أن سعادة قد ترك في مبادئه حرية الإعتقاد الفردي الدينى لكل عضو فيه، ولكل عضو في الدولة القومية الاجتماعية، انطلاقًا من قناعته الراسخة بأن الدين هو علاقة بين الفرد وخالقه، وليس بين الفرد وحاكمه. يتضح من هذا الكلام أن فصل الدين عن الدولة لا يحمل أي معنى من معاني الكفر أو الإلحاد، التي يمكن أن يحملها مصطلح «العلمانية». وبذلك تنتفي الحجة التي يتذرع بها بعض السياسيين، من أننا في لبنان دولة مؤمنة لا يمكنها أن تكون علمانية، كما جاء على لسان أحد رؤساء المجلس النيابي السابقين الأستاذ حسين الحسيني، أو غيره من الرافضين لفكرة «العلمنة في الإسلام». كما تنتفى الحجة التي يتذرع بها بعض رجال السياسة أو الدين من المسيحيين الذين يطالبون «بالعلمانية الكاملة»، وهم لا يريدونها، لعلمهم المسبق بأنها مرفوضة من قبل مواطنيهم المحمديين. ولكي يتم الخروج من دائرة التجاذب، يجب اعتماد مبدأ واضح وضوح الشمس، مبدأ لا لبس فيه ولا إبهام ولا يحتاج إلى تأويل، هو مبدأ الفصل بين الدين والدولة.

وإن كان لا بد من استخدام مصطلح العلمانية، فإنه من الضروري التمييز بين العلمانية التى أحدثها أتاتورك في تركيا، أو العلمانية التي يقصد بها رفض المبادئ الدينية، وبين العلمانية التي يقول بها سعادة ولا تعني أكثر من فصل الدين عن الدولة تأمينًا للوحدة القومية. وإذا كان الأمر يحتاج إلى بعض الإيضاحات، فيمكن الإفادة في هذا المجال من بعض الدراسات الفلسفية الهامة التي قام بها بعض الباحثين المعاصرين، والتي لا تخرج في إطارها العام عن «علمانية سعادة»، أو مبدأ الفصل بين الدين والدولة. وفي طليعتها محاولة عادل ضاهر في كتابه: «الأسس الفلسفية للعلمانية»، ومحاولة الدكتور ناصيف نصار في كتابه «منطق السلطة: مدخل إلى فلسفة الأمر». فقد أوضح عادل ضاهر «أن العلمانية تقوم، في المقام الأول، على مبدأ أسبقية العقل على النص… وعلى موقف شامل متماسك من طبيعة الدين وطبيعة العقل وطبيعة القيم وطبيعة السياسة»(47). وأضاف مؤكدًا على تميز «علمانية سعادة» عن غيرها عندما قال: «لا نجد أي مفكر قومي، باستثناء أنطون سعادة من بين مفكرينا القوميين في المنتصف الأول من هذا القرن، يذهب إلى حد النظر إلى العلمانية على أنها موقف من طبيعة الدين والقيم، والعقل الإنساني وعلاقته بالله»(48).

أما ناصيف نصار فقد استخدم مقولة «التمييز» بين الدين والدولة على أساس أن «الفصل» يحمل معنى القطع التام. لكن الباحث المدقق في استخدام سعادة لمبدأ فصل الدين عن الدولة لم يقصد به الفصل التام بين ما هو روحي وما هو مادي في شخصية الانسان وهو القائل بالمدرحية وفي أي حال، فإن نصار يؤيد سعادة في مبدأ الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية، بل يؤكد أن السلطة السياسية مصدرها الشعب لا الله حين يقول «الإطار العام للتفاعل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، يتأسس على مقولة الدنيوية. فالسلطة السياسية سلطة دنيوية من ألفها إلى يائها دنيوية المصدر ودنيوية الغاية، إذ أن مصدرها لا يتعدى طبيعة الوجود الاجتماعى، وغايتها لا تتعدّى الشرط الاجتماعي لسعادة الإنسان في هذه الدنيا»(49).

4 ـــ  إذا كان ما قدمناه كافيًا لإيضاح الأسباب الدينية والفلسفية التي جعلت سعادة يعتمد مبدأ فصل الدين عن الدولة عوضًا عن أي مبدأ أو مصطلح آخر. فما هي الأسباب السياسية والقومية الداعية إلى مثل هذا الفصل؟ وما هي الفوائد التي يجنيها الوطن منه؟

لعل من أهم الأسباب الداعية إلى الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية هو أن السطة الدينية غير قادرة على التساهل، لأنها «تعتقد اعتقادًا ما وراءه ريب أن الحقيقة في يدها، وأن تعاليمها هي الحق الأبدي الذي لا يداخله أقل شك، وما عداه فكفر وضلال»(50)، وأنه من الخطأ أن ترعى هذه السلطة الدينية، خاصة إذا كانت تملك السلطة السياسية أيضًا، قوماً لا يعتقدون نفس اعتقاداتها الدينية، لأنها سوف تمارس الضغط عليهم لتدخلهم في دينها.

ثم إن السلطة الدينية لا تقدرعلى إطلاق حرية الفكر الإنساني والسماح للفرد في أن يعتقد ويؤمن بأي مذهب أو دين. وذلك عكس الدولة المدنية فإنها تحمي الحرية ولا تطلب إلا الخضوع للقوانين التي يسنها البشر بأنفسهم.

أما الهدف الأساسي أو الفائدة القصوى من فصل الدين عن الدولة فهو استبدال العصبية القومية بالتعصب الديني، أي قيام العصبية القومية بدلاً من التعصب الديني وتأمين الوحدة القومية للشعب السوري التي بدونها لا يمكن تحقيق أي نهضة أو إحداث أي تقدم، وهذه الوحدة لا تتم إلأ بتأمين العدالة الاجتماعية في الأمة الواحدة بصرف النظر عن معتقدات أبنائها الدينية وانتماءاتهم الطائفية أو المذهبية.

وهذه العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إذا كانت «السلطة السياسية» في الدولة، تابعة «للسلطة الدينية» لأتباع دين معين لهم وحدهم الحق في رئاسة الدولة، وتَسلُّم الوظائف الهامة، كما يحصل في بعض الدول حين ينص الدستور على تعيين دين رئيس الدولة. ألا يؤدي هذا إلى شعور فئة أخرى من الشعب تدين بدين آخر، أو مذهب آخر، أنها لا تتمع بكامل حقوقها المدنية؟ ألا يؤدي ذلك إلى ضعف الأمة وقيام الفتن الداخلية. ويفتح الباب أمام التدخلات الخارحية؟ ثم أليس ذلك إهانة للإنسانية التى خلقها الله عزيزة كريمة، وانتقاصًا من الحق الأبدي في الحرية والعدالة الاجتماعية؟ أليس ذلك انتقاصًا من الحق الوطني في المشاركة الفعلية في حكم البلاد؟

إن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق عن طريق المساواة بين الطوائف، لأنها تجعل المواطن إبناً للطائفة وليس ابناً للوطن. وعندما يلجأ كل فرد إلى طائفته لتأمين حقوقه في الوظائف والخدمات العامة، فإنه يُقدِّم في المقابل ولاءه وطاعته لها، ويقوم بواجباته نحوها. وهكذا يحتدم الصراع بين الطوائف لاكتساب المغانم ولو على حساب وحدة الوطن وتقدمه وازدهاره، وبدل أن تكون مصلحة الأمة فوق كل مصلحة، تصبح مصلحة كل طائفة فوق كل مصلحة، وتنعدم الوحدة الوطنية ويعم الدمار والخراب. و«الويل لأمة كثرت طوائفها وقل فيها الدين. الويل لأمة تحسب كل طائفة فيها أنها أمة» (جبران).

وأما إلغاء الطائفية السياسية فلا يلغي الطائفية من النفوس، حتى ولو ألغيت من النصوص، لأنه بكل بساطة عمل مبتور منقوص لا يمكنه أن يؤدي الغاية المطلوبة منه دون أن يترافق مع استبدال التربية الوطنية بالتربية الدينية الطائفية والمذهبية في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا، ومع استبدال المحاكم المدنية بالمحاكم المذهبية، ومع إخضاع جميع المواطنين للقوانين المدنية التي تنظم كل العلاقات والمعاملات الدنيوية باستقلال عن الأمور الدينية. فهل إلغاء الطائفية السياسية قادر أن يفعل كل ذلك؟ بالطبع لا. لذلك نقول إن الاكتفاء بإلغاء الطائفية السياسية هو إصلاح مبتور منقوص يؤدي إلى عكس الغاية المطلوبة منه، ولا يمكن القبول به بحجة أن اتفاق الطائف قد نص على ذلك، أو بحجة وجود معارضة برلمانية كبيرة، أو حتى معارضة شارعية طائفية من هنا أو هناك. وهل يمكن أن نتوقع من المستفيدين من الحالة الطوائفية أن يتنازلوا عن مكاسبهم بملء إرادتهم؟ هل ننتظر حتى يصبح مبدأ فصل الدين عن الدولة مقبولاً حتى نطالب به ونعمل على تحقيقه؟

ترى هل توفرت لأنطون سعادة أكثرية نيابية أو شارعية استند إليها عندما قال بمبدأ فصل الدين عن الدولة؟

كان سعادة يرى ضرورة أن يكون الإصلاح شاملاً، وأن يكون قائمًا على أسس صحيحة، وإلا فلا معنى ولا قيمة له. لا يجوز «أن يقتصر الإصلاح على الوجهة السياسية فحسب (بل) أن يتناول الوجهة الحقوقية القضائية أيضًا. إن الأحوال القومية المدنية والحقوق العامة، لا يمكن أن تستقيم حيث القضاء متعدد أو متضارب ومقسم على المذاهب الدينية، الأمر الذي يمنع وحدة الشرائع الضرورية لوحدة النظام»(51) لا قيمة لأي قانون لا يرتكز على مبدأ الوحدة القومية والوحدة الروحية، «فكل أمة تريد أن تحيا حياة حرة مستقلة تبلغ فيها مثلها العليا يجب أن تكون ذات وحدة روحية متينة. والوحدة الروحية المتينة لا يمكن أن تنشأ في حال انعزال كل جماعة من جماعات الأمة الدينية ضمن نطاق اجتماعي حقوقي خاص بها »(52). من هنا كانت أهمية المبدأ الإصلاحي الثالث الذي وضعه سعادة والقائل بضرورة إزالة الحواجز بين مختلف الطواف والمذاهب. ومن هنا كانت أهمية وحدة الشرائع المدنية في الدولة القومية.

في إطار وحدة الشرائع، وفي إطار السعي إلى توحيد القضاء المتضارب والمقسم يجب إدراج مشروع قانون الزواج المدني الإختياري الذي يشكل خطوة يجب أن يتبعها خطوات على صعيد إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، لأننا لا نريد غير قواعد واحدة للزواج في سورية، ولا نريد غير محاكم واحدة للفصل في كل أنواع المنازعات بين السوريين في أحوالهم الشخصية أو في معاملاتهم الأخرى جميعًا. نريد قانوناً موحدًا للأحوال الشخصية لكل السوريين، قانونًا يزيل كل الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب. ويسمح بالتزاوج والإمتزاج بين مختلف الأسر المسيحية والمحمدية والدرزية. ويكسر الطوق الذي طوقت به التقاليد الدينية أعناقنا وأقامت العراقيل أمام وحدتنا القومية.

وأما على صعيد التربية الدينية التي يدور الجدال حول تعليمها في المدارس، أو تركها حرة للبيت والشارع أو الكنيسة والجامع، فإن الباحثين بهذا الأمر لم يدركوا أهمية إلزامية تعليم الأجيال حقيقة الديانات وغاياتها، ولا قدرة لهم على معرفة أسباب التباين بينها. وإنّا نتساءل في هذا المجال لماذا لا يعتمد تدريس كتاب «الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية»، أو أي كتاب آخر مستوحى من روحية وتوجيه هذا الكتاب، في مدارسنا وجامعاتنا، وفي كل كيانات أمتنا السورية؟ أو لماذا لا يُدرَّس تاريخ الأديان الحية في الثانويات والجامعات من قبل أساتذة الفلسفة بصورة موضوعية كما يُدرَّس تاريخ الفلسفة أو تاريخ الآداب؟

الجهل داء يعمي البصيرة والبصر. جهل المواطن ديانة مواطنه الآخر، يجعله يحسب أن ديانته أفضل من ديانة مواطنه، وأن الحقيقة الكليّة عنده ولا حقيقة في ديانة الآخر. الجهل داء عوارضه التعصب الديني الذميم، ولا سبيل للقضاء عليه إلا بالتربية والتعليم، ليحل محله الإخاء والتسامح والتديّن ومحبة الوطن.

أليس هذا ما فعله المعلم بطرس البستاني منذ ما يربو على مئة وأربعين سنة عندما أنشأ المدرسة الوطنية وعلم فيها فضائل الأديان، وقال لطلابه إن الديانة التي لا تأمر المعروف ولا تنهى عن المنكر ليست بديانة؟

لا شك عندي أن سعادة قد أعجب به وبمدرسته الوطنية وبدعوته المبكرة إلى الألفة والمحبة والوحدة الوطنية بين أبناء الوطن السوري الواحد، وبدعوته إلى فصل الرياسة عن السياسة. كما أعجب بأفكار والده العلامة الدكتور خليل سعادة، وبتيار الشعور القومي الصحيح الذي كهرب النفوس وأثار فيها الحمية، وأكد منذ أول مقال له أن التعصب المذهبي هو السبب في تأخر البلاد. وقد حاول في كل كتاباته التي صدرت في الأرجنتين والبرازيل أن يعالج هذا المرض الذي وصفه بالسرطاني والدمّل الخبيث، وأنه يحتاج إلى مبضع الطبيب لاستئصاله من جذوره بعدما «أكل التعصب الديني الذميم قلب الشرق وهرّأ بنيته، وافسد أنسجته، وسمم دمه وصرعه كما تصرع المكروبات السامة جباراً عظيماً»(53).

لقد أكل التعصب الطائفي والمذهبي قلب لبنان والشام في أحداث الستين، وهرّأ بنية الكيان اللبناني منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين، ولا يزال مارد الطائفية والمذهبية يستعد للخروج من القمقم الذي أعدناه إليه مؤقتًا، وعندما يخرج لا يعود، كما في كل مرة إلا وأرضنا خراب وبيوتنا دمار ودماؤنا هدر.

لا سبيل لنا للارتقاء إلا بالتخلص من عصبياتنا الطائفية المدمرة، وفهم الدين على أنه وسيلة لتشريف الحياة والسمو بها من مرتبتها الحيوانية إلى مرتبة روحانية تطهر الأخلاق وتهدم الفواصل غير الطبيعية القائمة بين المواطن وأخيه في الوطنية والبشرية.

ولا سبيل إلى النهوض والتقدم إلا باعتماد مبدأ الوحدة القومية الاجتماعية التي تزيل الحزبيات الدينية وآثارها السيئة، وتزيل الأحقاد وتحل المحبة والتسامح القوميين محلها، وتجعل محبة الوطن ومصلحة الوطن والأمة فوق كل مصلحة، وتجعل السوريين لا يدينون في هيكل الوطن إلا بدين الوطنية المقدس. وفي هذا المعنى، يمكن فهم الخطاب الوجداني العقلاني العميق الذي أعلن فيه سعادة أن البشرية «قد شهدت في هذه البلاد أديانًا تهبط من السماء إلى الأرض، أما اليوم فيرى دينًا جديدًا يصعد من الأرض رافعًا النفوس بزوبعة حمراء إلى السماء»(54)

هوامش البحث

(1) الأفغانى وعبده: العروة الوتقى، دار الكتاب العربي، ط 2، بيروت 1980، ص 65.

(2) رشيد رضا في مقدمته لكتاب الإسلام والنصرانية لمحمد عبده. القاهرة 1902، ص 2.

(3) محمد عبده: الأعمال الكاملة ج 3، رسالة التوحيد، ص 448 450.

(4) عبد الحميد الزهراوي: مجلة المنار، 3 10 صفحة 226.

(5) عبد الحميد الزهراوي: الأعمال الكاملة، ج 3ـ مقالات الحضارة، دمشق 1996 (قضايا وحوارات النهضة، 20) ص 219.

(6) فرح أنطون: ابن رشد وفلسفته، مع نصوص المناظرة بين محمد عبده وفرح أنطون، قدم لها أدونيس العكره، دار الطليعة، ط1، بيروت 1981، ص 159.

(7) أنطون سعادة: جنون الخلود، سلسلة النظام الجديد، 7، بيروت 1978، ص 163.

(8) أنطون سعادة: مراحل المسألة الفلسطينية، ط2. دار الركن، بيروت 1997، ص175. وردت ايضًا في مقدمة كتاب الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية، ط5، دار الركن، بيروت1995، ص12.

(9) أنطون سعادة: نشوء الأمم، دمشق 1951 ص 174.

(10) رانجي هيريوا: الأنتربولوجيا والدين، عام 1940 (نقلاً عن الفلسفة والحضارات المركز التربوي للبحوث، بيروت 1999ـ ص 22).

(11) أنطون سعادة: جنون الخلود م.س. ص 211.

(12) أنطون سعادة: جنون الخلود، م.س.ص 211

(13) أنطون سعادة: جنون الخلود، م.س. ص 201.

(14) أنطون سعادة: جنون الخلود، م.س. ص 235.

(15) أنطون سعادة: جنون الخلود، م.س. ص 218.

(16) أنطون سعادة: جنون الخلود، م.س. ص 164.

(17) جمال الدين الأفغاني: الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، ج2، الكتابات السياسية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979 – 1981، ص 35.

(18) جمال الدين الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص 35.

(19) أنطون سعادة: الدليل إلى العقيدة السورية القومية الاجتماعية، دار الركن، بيروت ص. 166ـ167.

(20) أنطون سعادة: جنون الخلود، م.س. ص 206.

(21) أنطون سعادة: جنون الخلود، م.س. ص 166.

(22) على عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم، نقد وتعليق ممدوح حقي، دار مكتبة الحياة، بيروت 1978، ص 39. لقد أورد عبد الرازق خمساً وأربعين آية تؤيد كلها فكرة أن النبي لم يكن إلا رسولاً، ومنها: وما أرسلناك عليهم وكيلاً» (سورة الإسراء).

«فإن أعرضوا أرسلناك عليهم حفيظًا، إن عليك إلا البلاغ» (سورة الشورى). «فذكِّر إنما انت مُذكرٌ لست عليهم بمسيطر إلا من تولّى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر» (سورة الغاشية). «إنما أنت منذرٌ، ولكل قوم هادِ» (سورة الرعد). «ما على الرسول إلا البلاغ، والله يعلمُ ما تبدون وما تكتمون» (سورة المائدة). «إنّاأرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا» (سورة الفاتحة).

(23) على عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم (م.س)، ص 201.

(24) عبد الرحمن الكواكبى: الأعمال، الكاملة ام القرى، تحقيق ودراسة محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1975، ص 341.

(25) الكواكبي: المقطم – القاهرة العدد 26 آب 1899 نقلها أيضًا جان دايه في كتابه: الإمام الكواكبي، فصل الدين عن الدولة، دار سوراقيا، ط.1، 1988، ص140 141.

(26) الكواكبي: المقطم المصدر السابق ص 140.

(27) عبد الرحمن الكواكبي: الأعمال الكاملة، مصدر سابق، ص 361.

(28) أنطون سعادة: الآثار الكاملة، (1940 1942) ص 288.

(29) الكواكبي: الأعمال الكاملة، مصدر سابق ص 207 208.

(30) أنطون سعادة: الآثار الكاملة، (1940 1942) ص 289.

(31) عبد الحميد الزهراوي: الأعمال الكاملة، ج 2 تحقيق عبدالله بنهان، وزارة الثقافة، دمشق 1995 (قضايا وحوارات النهضة، 20) ص 417 418.

(32) عبد الحميد الزهراوي: المنار، المجلد العاشر، الجزء الثامن، سنة 1907 ص 586.

(33) عبد الحميد الزهراوي: الأعمال الكاملة، ج3، مقالات الحضارة، دمشق، (قضايا وحوارات النهضة، 20) 1996 ص 16

(34) عبد الحميد الزهراوي: الأ عمال الكاملة، ج 3، ص 220.

(35) جاء في سورة البقرة (2/136) «قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا، وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل

واسحق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون» وجاء في سورة آل عمران (3/19) «إن الدين عند الله الإسلام» وجاء في سورة النساء (4/ 125) «ومن أحسنُ دينًا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ابراهيم حنيفًا.» وهذه الآية توضح المعنى اللغوي لكلمة مسلم الذي أسلم وجهه لله.

(36) عبد الحميد الزهراوي: مجلة المنار، 3 10 ص226 تحت عنوان الأحكام المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية.

(37) الزهراوي: الأعمال الكاملة، ج 2، ص 435.

(38) الزهراوي: مجلة المنار، (3/10)، ص 226.

(39) الزهراوي: الأعمال الكاملة، ج 2، ص 256.

(40) الزهراوي: الأعمال الكاملة، ج 2، ص 259.

(41) الزهراوي: الأعمال الكاملة، ج 2، ص 259.

(42) عادل ضاهر: الأسس الفلسفية للعلمانية، ط1، دار الساقي، لندن1993، ص 38.

(43) ناصيف نصّار: نحو مجتمع جديد، دار الطليعة، ط.5. بيروت1995. ص181 182.

(44) فهمى جدعان: اسس التقدم عند مفكري الإسلام، دار الشروق، ط3، عمان 1998، ص 330.

(45) مجيد خوري: الإتجاهات السياسية في العالم العربي، الدار المتحدة للنشر، بيروت 1972، ص 222.

(46) ستيورت دزموند: تاريخ الشرق الأوسط الحديث، دار النهار، بيروت 1974، ص 241.

(47) عادل ضاهر: الأسس الفلسفية للعمانية، مرجع سابق، ص 5 – 6.

(48) عادل ضاهر: الأسس الفلسفية للعمانية، مرجع سابق، ص 39.

(49) ناصيف نصّار: منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر، دار امواج، بيروت 1995، ص 143.

(50) فرح أنطون: ابن رشد وفلسفته، مرجع سابق ص 142.

(51) أنطون سعادة: الدليل إلى العقيدة السورية القومية الاجتماعية، مرجع سابق ص 33.

(52) أنطون سعادة: الدليل إلى العقيدة السورية القومية الاجتماعية، مرجع سابق، ص 34.

(53) خليل سعادة: سلسلة الأعمال المجهولة، تحقيق ودراسة بدر الحاج، رياض الريس للنشر، لندن 1987، ص40.

(54) أنطون سعادة: من خطاب أميون الكورة 1937.

د. كنعان الخوري حنا

أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق