يبدو لبعض المعاصرين أن معركة ميسلون مغامرة، وأن يوسف العظمة زعيم من زعماء الحارات في مسلسل من المسلسلات الشامية قاد متطوعين. فهل من أسباب هذا الجهل أن الأجيال الجديدة لم تطلع على تفاصيل تاريخها؟
في السياق التاريخي محطة كبرى هي شهداء أيار، طليعة بورجوازية بلاد الشام، الذين كشفوا محور الصراع كرجال دولة. في تلك اللحظة كانت تصاغ سايكس بيكو، التي تهب بلاد الشام غنيمة للمنتصرين في الحرب العالمية الأولى. واجهها ورثة شهداء أيار، حمالو مشروع استقلال سورية الطبيعية، بنهج اعتمد المؤسسات. نظموا الوفود التي قابلت لجنة كينغ كرين فسجل تقريرها الحقائق التي كشفوها. وانتخبوا ممثلي بلاد الشام فاجتمع “المؤتمر السوري العام” في بناء العابد سنة 1919، وأعلن سنة 1920 من دار البلدية في ساحة الشهداء، استقلال سورية بحدودها الطبيعية ورفض اقتطاع فلسطين منها.
عندما تقدم الجيش الفرنسي لينفذ هذا الجزء من سايكس بيكو، واجهته دولة نضرة تعتمد حرية الصحافة والتجمعات السياسية، ونشر التعليم ودور القراءة، ومشاركة النساء في الحياة العامة. لذلك بُحث إنذار غورو في المؤتمر السوري، وفي اجتماعات فيصل بالوزراء. وطلب السياسيون رأي يوسف العظمة وزير الحربية في قدرة الجيش على مواجهة دولة عظمى. فهم يوسف العظمة أن جوابه قد يسند من يميل إلى الاستسلام، فأكد أن الجيش يستطيع المقاومة.
عندما قرر فيصل تنفيذ أول بند من الإنذار: حل الجيش، لبى يوسف العظمة القرار الآخر الشعبي. وقال كلمته الخالدة: “لن يدخل المحتلون إلى دمشق دون مقاومة”. كان ضابطاً كبيراً مختصاً في أكبر أكاديميات زمنه، يعرف نتيجة المعركة، لذلك أوصى فيصلاً بطفلته. لم يلتقط من الطرقات المتطوعين الذين قادهم، بل كان معه في الجيش العربي عسكريون ذوو كفاءة. منهم ثلاثمئة ضابط عراقي. لذلك نستنتج أن الجيش العربي المسرّح انقلب إلى متطوعين. وكانت مجموعات مقاتلة من الجولان والأردن في الطريق إليه.
خلف يوسف العظمة والجيش، كان عبد الرحمن اليوسف قد جمع في بيته في سوقساروجا زعماء الأحياء وطلب منهم أن يقسموا على حفظ السر. قال إن الجيش الفرنسي سيدخل العاصمة على كل حال، وطلب منهم ألا يقاوموه. مقابل ذلك لهم الذهب الذي كومه على الطاولة. انصرفوا مقيدين بالقسَم. لكنهم دعوا رجال الأحياء إلى اجتماع في بيت البهلوان في قبر عاتكة، حيث روى أحدهم للحائط ما طلبه عبد الرحمن اليوسف. ومن هناك بدأت اجتماعات لجان الدفاع عن المدينة. ودقت المظاهرات قصر فيصل في العفيف رافضة إنذار غورو.
كانت معركة ميسلون إذن قراراً وطنياً وموقفاً أخلاقياً. كانت استمراراً لثوابت رجال أيار. فلم تخاطب فقط تلك اللحظة، بل سجلت للتاريخ حق مقاومة المحتل، وأن الغرب رفض للسوريين دولة ذات مؤسسات منتخبة وإجماع وطني. لذلك أسست ميسلون للثورة السورية الكبرى، وللعمل الوطني الذي أثمر الجلاء.
شاركت نازك العابد في معركة ميسلون إلى جانب يوسف العظمة. واستمرت بعدها في العمل العام مع زوجة الشهبندر وماري عجمي التي كتبت عن سجن شهداء أيار في الجامع المعلق قبل إعدامهم، وبقيت مخلصة لبيدرو باولي.
تتسع الصورة إذا رأينا معركة ميسلون وسط أحداث تلك اللحظة، فعرفنا أن المندوبين العراقيين أعلنوا من دار البلدية في دمشق في 8 آذار 1920، استقلال العراق بحدوده الطبيعية. واتصل ذلك بثورة العشرين على الاحتلال البريطاني في العراق في أيار، ومشاركة الضباط العراقيين في ميسلون في تموز، ثم في مشروعهم سنة 1941 تحرير سورية والعراق وفلسطين من الاحتلال الفرنسي البريطاني.
في أحد الاستقبالات التي دعت إليها السفارة الفرنسية، وكان السفير مهتماً بعملنا لحماية دمشق القديمة، قادني إلى مكتب وضعت مقابله على الجدار صورة الملك، وقال لي: “هذا كان مكتب الملك فيصل. لم يتبدل منذ تركه الملك”. وكانت السفارة هي نفسها مقر الملك.
قلت لنفسي: ذات يوم سيأتي جيل يتبين أن حماية الذاكرة مسؤولية تاريخية. فيزين مكان معركة ميسلون بمنحوتات كبرى، ويعيد بناء دار البلدية الذي أعلن منه استقلال سورية، ويرمم القاعة المهملة في بناء العابد التي اجتمع فيها المؤتمر السوري، أول بارلمان مثّل بلاد الشام.
هامش: 1 – سجل الضابط العراقي صلاح الدين الصباغ في مذكراته، أنه بعد مشاركته في معركة ميسلون: “وفي الطريق التقيت بفهمي سعيد (الذي شارك أيضاً في معركة ميسلون) وكانت عيناه تفيضان بالدموع. فسألته: خير إن شاء الله، إلى أين ذاهب برعيلك يافهمي؟ قال: اسمع ياصلاح، غداً يدخل الفرنسيون دمشق في الصباح الباكر. علمت بذلك من نوري السعيد وسوف تلقاه حتماً لأني تركته على جسر المرجة. لقد طلب مني أن أحافظ على الأمن داخل البلد إلى أن تدخل الجيوش الفرنسية صباح الغد فتحتل دمشق. لكن خاب ظنه فأنا ذاهب برعيلي للالتحاق بقوات حمص وحلب فوراً وسنمضي في قتال الفرنسيين. تركني فهمي ورعيله خبباً، وبعد شهر واحد كنت أنا وفهمي أسيرين في قلعة أرواد. 2 – سجل القاوقجي في مذكراته: دخلنا الشام ليلة الهزيمة.. وما كدت أصل الثكنة حتى مر بي نوري باشا السعيد فأوقف سيارته وطلب إليّ أن أتوجه إلى قصر الملك للمحافظة عليه، فأسرعت إلى القصر.. فألفيت الملك جالساً في البهو يحيط به رجال الدولة والكآبة تعلو وجوههم.
—————————————–
تنويه: يُنشر هذا النص باتفاق مسبق مع السيدة الكاتبة، وهو منشور في صفحتها الشخصيّة.



تاريخ وتحليل موثق ومفيدة.شكرا جزيلا.