مسار جلجامش

نساؤنا، معلماتنا

يسمي الرجل الشامي زوجته: ست البيت. وعندما يلاطفها يقول: ست راسي. يطلب من أطفاله: اسمعوا كلمة أمكم! يشاورها في تجارته، ويأتمنها على ماله. يوم كنا صغاراً، كان الناس في حي سوقساروجا يسمون الحارات بأسماء النساء، فهذه حارة أم بديع، وتلك حارة أم إحسان.
سجل الباحثون الذين درسوا وثائق المحكمة الشرعية آنذاك، أن الأسر كانت صغيرة، وكثيراً من النساء تزوجن مرتين، وأنهن ملكن البيوت والمحلات. وكانت من النساء تاجرات بالحرير.
في المدرسة درّستنا معلمات خريجات من الجامعة. منهن ليلى صباغ، والشاعرة عفيفة حصني، ومقبولة الشلق، ومعلا صفر. ثم أمل حقي وأسماء الحمصي. من الصف الأول حتى البكالوريا لم نسمع من معلماتنا كلمة قاسية، وطبعاً لم نر عصا أو مسطرة تستخدم في الضرب. ونجحنا جميعاً في البكالوريا، وانتسبنا جميعاً إلى الجامعة.
في الصف العاشر كانت مديرة مدرستنا طريفة حمودة، ومعها أسسنا مكتبة المدرسة، ومثلنا مسرحية، ومشينا في أيام العطلة إلى خرابو في الغوطة. وقتذاك كان يدرّسنا الشيخ علي الطنطاوي الذي حببنا بالشعر العربي. وكان في دروس التعبير، التي كنا نسميها الإنشاء، يترك لنا اختيار الموضوع. وقد سجل في مذكراته أني وصفته في إحدى تلك “الوظائف” وصفاً يُضحك منه. وأذكر أنه طلب مني قراءة تلك القطعة التي كتب أنه احتفظ بها، واقفة إلى جانبه، وخلال قراءتي رفع كتاباً حجب به وجهه عن الطالبات. أعطاني العلامة الكاملة، وفي نهاية السنة كتب على دفتري “إذا بقيت على جدها واجتهادها ستكون يوماً من كاتبات العصر”. طبعاً فهمت أن مبالغته تشجيع، وحفظت جملته لأكون جديرة بتلك الثقة. وتعني أنه رأى الفتاة مؤهلة لذلك المكان.
كان ما تعلمناه في المدرسة يواكب هذه التربية الأخلاقية. فعرفنا أن خديجة بنت خويلد زوجة النبي سيدة ذات تجارة، أعجبت بأمانة النبي محمد وتزوجته وكانت أكبر منه بخمسة عشر عاماً. وعرفته بأهلها المسيحيين. وخُصت السيدة مريم أم السيد المسيح بآية في القرآن الكريم. في دروس التاريخ عرفنا أن عشتار من الآلهة السورية القديمة، وأعجبنا بزنوبيا ملكة تدمر، وزرنا عاصمتها الذهبية التي كانت في زمنها مزينة بالتماثيل، وتصورنا نساء تدمر من أشكالهن في منحوتات المقابر مزينات الشعر والأيدي، مكشوفات الوجه. وقرأنا ما حفر في الحجر: لا تحتقر إلهاً لا تعبده! في دروسنا مرت أيضاً الخنساء، وخولة بنت الأزور، وهند زوجة الحجاج، وغزالة الحرورية التي قيل في شجاعتها يوم تحدت الحجاج: هلا برزت إلى غزالة في الوغى، أم كان قلبك في جناحي طائر؟ وسكينة بنت الحسين التي كانت تستضيف الشعراء، والست زبيدة التي حفرت الآبار في طريق الحج.
أما في البيت فكانت المَثل أمهاتنا. علمننا اللغة، والتهذيب، واحترام الكبير، والرحمة والشفقة على الصغير والضعيف، ومكارم الأخلاق. سهرن معنا في أيام الامتحانات، وسندننا في أيام الصعوبات.
نساؤنا هن اللواتي يحمين تماسك الأسرة، وهن اللواتي نراهن على مد العين عاملات في المؤسسات ومنها مؤسسة التعليم. منهن قاضيات ومحاميات وطبيبات وأستاذات جامعات وشاعرات. لا يمكن أن نتخيل تاريخ القصة السورية دون ألفت الإدلبي، تماماً مثل زميلها عبد السلام العجيلي. في هذا المسار الثقافي، كانت مي زيادة التي وضعها أقرباؤها الرجال في مشفى المجانين بعد موت أمها وأبيها، فأنجدتها نساء أسرة الجزائري في دمشق ورافقنها حتى بيتها في القاهرة. في هذا المسار حمت زوجة مؤرخ دمشق خالد معاذ تراثه الغني من صور ووثائق دمشق، وتربي الفنانة التشكيلية شلبية إبراهيم بنات ابنها الذي توفي هو وزوجته وإحدى بناته في حادث سيارة.
لذلك لا أكاد أصدق أنه يوجد في زمننا من يتصور أن المرأة غير مؤهلة لتكون مربية ومعلمة! وأن ضرب الأطفال أسلوب في التربية! إذا حدث ذلك فالخطأ في “الإيديولوجيا” التي تناقض جوهر الإسلام والمسيحية والعصر. فقد صارت من الماضي حتى العالمة ماري كوري، وصوفيا كافاليفسكايا، ورائدات الفضاء، وإنديرا غاندي. فالعالم ينشغل الآن بالانتقال إلى عصر تعدد الأقطاب، وسحب القواعد الأمريكية من المنطقة وإنهاء الاحتلال.

د. ناديا خوست

أديبة وروائيّة سوريّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق