جماليات

أدونيس

ريشتكَ المسمومة الخضراء

“أدونيس الشاعر والمفكّر… في بيروت.
رمزيّاً، يمكن معاينة زيارة أدونيس لـ بيروت، بكونها محاكاة للسرد الأسطوري، الذي وضع آدون – أدونيس في مواجهة الخنزير البريّ على أكتاف النهر الذي سيُخَضَّبُ بالأحمر القاني افتتاناً بتجدد الحياة وانبعاثها.
رمزيّاً أيضاً، وجود أدونيس مجدداً في إحدى حدائق كنعان، هو تحرّش متجدد بالخنزير ونابه الأعمى وعالمه – العدم.
هذا النصّ، كُتب بهذه المناسبة، وهو بمثابة تحيّة لـ أدونيس.”

-1-

الربيع، ليس وجهاً آخر للطبيعة وحسب، بل هو التحديث المتواصل للحياة. تحديث بقوة الولادة والخلق. دونه تخسر الحياة فصلها الذي يعطيها معناها.

-2-

لم يكن الأمر خافياً على الخيال السومري – البابلي، في شفق الحضارة الإنسانيّة. بدا وكأنَّ الزمن سيختنق في المكان، لولا أنَّ السومري فتح له ذلك “العَود الأبدي” للحياة، عندما افتدى تموز إلهة الخصب -عشتار، وحررها من الاحتجاز في العالم السفلي، كي تعود دورة الحياة إلى الأبد.
الزمان؟
المكان؟
والإنسان بينهما مُبتكراً معنى الحياة، صيغة وجوده وفحواه…
أهو – النصّ السومري / البابلي – النسخة الأمّ لـ “العَود الأبدي” عند الفيلسوف الألماني الحاضر دائماً: نيتشه؟

-3-

في المقلب الغربي من ذلك المشرق التراجيدي، عندما بدأ الكنعاني يرتّب الجبال “جلولاً”، ارتطم واقعاً وخيالاً بـ “الخنزير البري”.
كان على آدون – آدوني السيّد – الإله… مواجهة الخنزير في نزال سنوي، يقضي فيه فتلوّن دماؤه مياه النهر (نهر أدونيس، أو نهر إبراهيم)، لتتجدد الحياة ربيعاً مزداناً بشقائق النعمان تذكيراً بفداء آدون، الإله الخصيب الفائق الجمال حبيب عشتار – أمّ الخصب وأصله.

-4-

على أنَّ الطبيعة والحياة، ليست مُحتَجَزة ما بين سومر وكنعان… فكان على آدون أن يعمّ فيما وراء البحر… ليظهر عند الإغريق بقصة خلق واحدة في المعنى مختلفة في الشخصيات. مرة هو ابن ملك آشوري تزوج سميرنا ابنته، ومرة هو ابن سينيراس ملك قبرص تزوج ابنته ميرا.
الرواية اليونانية ستجمع ما بين الرموز السومرية – البابليّة (العالم السفلي) والرموز الكنعانيّة (الخنزير البري) الذي سيكون أحياناً قناعاً لإله الحرب “آريس” عند الإغريق، ولكن تبقى فكرة “العَود الأبدي” هي المحور الرئيس الذي يفسّر علاقة الزمن بالحياة.
كان على آدوني، عندما اتجه غرباً أن يمتطي حرف السين اليوناني… السين – الحرف الذي جعله أدونيس…
آدوني عاد مع الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، ولكنه عاد مع السين: أدونيس، رمزاً لفاتحة تمازج حضاري فريد في تاريخ الحضارات، سيُسمى: الحضارة الهلنستية، التي لنا فيها حصة وازنة، ولكن الجهل بها والانقلاب عليها أحالنا إلى غياب عن معجن صناعتها وغرباء عنها!!

-5-

غالباً، ما تُقرأ الحضارة الإغريقية بوصفها “معجزة”… خُلقت فجأة من العدم!
انقضت هذه القراءة مع طي النظرية الخائبة عن “المركزيّة الأوروبيّة”.
نحن، أي من يتولّى منّا شؤون الفكر والتاريخ، باستثناءات معدودة، نرى الهلنستية بوجه واحد: غربي أوروبي، أولاً يوناني وثانياً روماني!
أمّا وجهنا فيها فبدا “مُنقّباً” بـ “السين”، لا يُرى ولا يُقرأ!!
…. العمل النقدي الفلسفي: نقد نقد العقل العربي، للمُفكّر السّوري جورج طرابيشي قاده إلى رؤية الوجه تاماً… ليس دون “السين”، ولكنه رآى آدوني قبله… صرخ طرابيشي مرة: “المعجزة اليونانيّة” هنا أصلها… سوريا.
يا للهول…!!
ألم نرَ أنطون سعادة قبل أقل من قرن بقليل، ذلك الكنعاني الذي أعاد ترتيب (جلول عقلنا)، فقرأ وجه سوريا عارياً دون نُقُبِ التمويه التي تحجبه وتُجهّل به، وأدار وجه آدوني الكنعاني شرقاً، وتموز البابلي غرباً لتصحيح ضَياع معرفي وتيه تاريخي سيمكّن “العالم السفلي” – “الخنزير البرّي” من حجب الفصل الذي يعطي الحياة معناها ويوقف دورة “العَود الأبدي”؟

-6-

مرثيّة الحلّاج

ريشتكَ المسمومة الخضراء
ريشتكَ المنفوخة الأوداج باللهيب
بالكوكب الطالع من بغداد
تاريخنا وبعثنا القريب
في أرضنا- في موتنا المُعاد.
“أدونيس – من ديوان أغاني مهيار الدمشقي”.
بلى، منذ نيّف وألف عام، الخنزير البريّ نفسّه هو من قطّع جسد الحلّاج وصلبه ثم أحرقه ونثره في مياه دجلة.
ولكن، للحلاج ريشة مسمومة خضراء…فأين نابُكَ يا خنزير؟

-7-

صورة من بعيد – رواية خاطفة
ودّع أبي رفيقه أدونيس في سجن المزّة، ذات صباح من منتصف خمسينيّات القرن الماضي… حمل أبي معه أشياء تعود لأدونيس… لا أدري لماذا أخرجها معه؟
من بينها، دفترٌ عليه كتابات لأدونيس… كتابات متفرقة… ربما بعضها ترجمات… وبعضها شروحات… وخربشات؟
تعود بي الذاكرة إلى ذلك الدفتر الذي احتفظتُ به ردحاً من الزمن قبل أن أفقده …
دفترٌ … كلماته ونصوصه وخربشاته… بالقلم الأخضر؟
الأخضر، نعم.
أحياناً، لا تقع بعض الحوادث لمجرّد كونها مصادفة. ثمة وصل لا مرئي بينها وما يفضي إلى معناها وما يقود إلى أصلها وأسّها!!
ريشتكَ المسمومة الخضراء…؟
ريشة الحلّاج، كما كتب أدونيس؟
بل، ريشة أدونيس؟
بل، ريشة الأديب السومري والبابلي والكنعاني؟
وريشة أبي،
فأين نابكَ… يا خنزير؟

-8-

أدونيس… ليس اسماً؟
هو موقف تأسَسَ في المواجهة الملحميّة:
ما بين العالم السفلي المظلم، والعالم العلوي النوراني،
ما بين الخصب والقحط… اليباس،
ما بين التجدد، الابتكار، الإبداع، التجاوز… والرتابة… التكرار،
ما بين أن نرتّب “جلول العقل” وجلول الطبيعة حضارةً… أو نتنكّر بهيئة خنزير بري لنواصل حرفة التدمير… التدمير الشامل.

-9-

عندما كنت يافعاً… قرأ لي أبي: “قالت الأرض”…
قرأ… وقرأ …
“ها رجعنا للْكَشْفِ: تُنْشَرُ آفاقُ
عُصورٍ، وتنطوي آفاقُ
سُفُنٌ تقحم العباب.. ففي اللجّ
دويٌّ مغامرٌ، خلاقُ
بعضها سنديانةُ، بعضها أرزٌ
وبعضٌ مغامرون رفاقُ
تتغنّى بنا الشواطئ، فاللحن
شموخٌ ونشوةٌ وانعتاق
كلّما فُضّ مغلقٌ في مداها
جذبتْنا الأبعادُ والأعماقْ…”
خرجتُ إلى شرفة بيتنا: النهر (الآدوني – الأدونيسي) يتباهى صاخباً بانفجارهِ الخلّاق…
السنديان الأخضر يحمي راية الحلم…
كان نيسان: بدأت لحظة القيامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق