شاء أسامة عجاج المهتار، تسمية “بَدَد”، لكتابيه: “بَدَد.. الأزمة المستعصية” و”بَدَد.. في العقيدة والإدارة”، وبذلك لم ينجُ من الميل نحو الشعر، بفعل تأثير والده الشاعر عجاج المهتار، وهي ميزة تظهر حتى في كتاباته الفكرية، التي تحتاج عقلاً بارداً، حيث كان أسامة يضيف حبة المسك المعتادة من الشعور والانفعال، إلى أعقد القضايا في الدستور والعقيدة.
وجاء عنوان “بَدَد”، عوضاً عن “مَدَد”، تمثيلاً شعرياً لحالة تردٍّ سياسية فكرية، عصفت منذ أمد بعيد بالحركة السورية القومية الاجتماعية، حتى بات من الصعب الرهان على المدد، لأن الانهيار الداخلي طال كامل البنية، وظهر الأمر وكأنما فسد الملح، فباتت عمليات التطهير شبه مستحيلة. كأننا نقول مع سعاده “إذا فسد الملح فبماذا نملّح”؟ لتصبح: “عندما تنهار البنية، فمّمن نطلب: المدد؟”. 
“بدد” أسامة المهتار، ليس وليد اللحظة، فهو خلاصة خذلان، جاء بعد سنوات طويلة من العمل الحزبي والمحاولات التأسيسية السياسية والفكرية، عدا عن المحاضرات والندوات والتواصل الدائم وتأليف الكتب، فهو وإن كان شعرياً في اختيار العنوان، إلا أنه كان حاداً حاسماً في قراءاته وحلوله، وعلى الدوام، رفض أنصاف الحلول، ولم يسمع للأطباء الذين يظهرون الرفق: “بس الروشتة بيكتبوها شربقة” عطفاً على ما يقوله الشاعر عجاج المهتار:
“بدي نهاية كل أمر مرستقة …. وبالصاحب المعجوق ما عندي ثقة
متل الأطبا بيفحصو برفق وحنان … بس الروشتة بيكتبوها شربقة”.
الرفقاء المعجوقون اليوم، بانقسامات المجالس العليا، في أحزابهم الخمسة، فشلوا حتى اليوم في كتابة “الروشتة”، رغم وجود المريض في غرفة الانعاش، ومعه مصنفاً كاملاً من التحاليل والصور الشعاعية وصور الرنين المغناطيسي، التي تثبت أن السرطان ضرب “الملح”، والأجدى أن يتساءلوا “بماذا نملّح”، وليس كيف نشكل حزباً من عشرة أشخاص، كي نغير يافطةً، يتنازعها مجلس يعزل الرئيس، ورئيس يعلن حالة الطوارىء؟. لأن المشكلة أكبر من ذلك، كما يقول أسامة في كتابه هذا، وهي تتلخص في عزلة الحزب عن الشعب والفساد الإداري والعقدي.
وإذا كان هشام شرابي يقول: “عند سعاده تفلسفت الحزبية وتحزبت الفلسفة”، يمكننا الحديث عند المهتار: “عن شعرية الفكر وعقدنة الشعر”، استناداً لحجم الرهان المصيري الذي ظل يحمله أسامة، وهو قابع في أقصى أصقاع الأرض، لا يفارقه الهم النهضوي لحظة واحدة، كأن خيط الشعر الذي مازال يربطه مع الشاعر عجاج المهتار، تفرع لشبكة انتماء قوية تجاوزت حدود الجغرافيا، مثلما كان يفعل السوريون القدماء، عندما يبنون مستعمراتهم في الأراضي البعيدة، ثم يتدخل “الإثم الكنعاني” ليعيدهم إلى الجذور، راضخين لنداء الانتماء.
في هذه الفضاءات الغرائبية من الأمل والخذلان، يمكن قراءة كتابي أسامة “بدد.. الأزمة المستعصية” و”بدد.. في العقيدة والإدارة”، فالعنوانان مترابطان، يؤدي أحدهما إلى الآخر، لأن بدد الأزمة المستعصية، ليس إلا نتيجةً، لبددٍ في العقيدة والإدارة. في هذا، يبدو المهتار صاحب عقل بارد مستقل عن العواطف، عندما يشرع بتفكيك القضايا بمبضع الجرّاح، ولا يرضى كتابة “الروشتة شربقة”، كما هو معتاد، وهو يستند في هذا إلى قول سعاده: “كل عقيدة تضع على عاتق أتباعها، المهمة الأساسية الأولى التي هي تحقيق غايتها. كل ما دون ذلك باطل. وكل عقيدة يصيبها الإخفاق في هذه المهمة، تزول ويتبدّد أتباعها”.
إذن، البدد الذي تحدث عنه سعاده، يراه المهتار اليوم واضحاً مثل عين الشمس، وهو ينطبق ليس على الحزب السوري القومي الاجتماعي وحسب، بل على كل منظمة أو كيان، كأن أسامة يذكرنا بكتابه “إدارة الاستراتيجيا في المنظمة العقائدية” الصادر عام 2009، والذي لم تم اعتماده كوثيقة عمل منذ ذلك الوقت، مع العديد من الرؤى التي طرحها رفقاء آخرون، لكان بالإمكان الانتقال من حالة “البدد” لحالة “المدد”، لكن ذلك لم يحدث للأسف!.
يطرح المهتار في كتابه، مسائل غاية في الخطورة، مثل استلاب القرار الحزبي المستقل، وتعديلات الدستور بشكل استنسابي مبني على الولاءات والحفاظ على المناصب، كأن الحزب طيلة السنوات السابقة، كان ملحقاً بالسلطات المحلية في الشام خصوصاً، لا فاعلاً صاحب كيان مستقل على الأرض. خاصة عندما تم صدور قرار بضمه إلى الجبهة، دون استشارته ودون تغيير قانوني يلغي قراراً قضائياً سابقاً بحظره يعود لعام 1955 عندما اغتيل عدنان المالكي. في هذا يقول المهتار، إنه تم تعيين ممثل الحزب في الجبهة، دون استشارة الحزب، ودون أن يعرف الحزب ما هدفه من دخول الجبهة!.

القضية متشعبة ومعقدة، فخلال سنوات تم إنهاك الحزب بالتشرذمات، وتلك مسألة قد تشير لاختراق خطير تعرضت له الحركة السورية القومية الاجتماعية، مثلما حصل مع الأمة التي تعيش أسوأ حالاتها اليوم. هكذا يخوض أسامة المهتار في فترات تاريخية متلاحقة، يحاول توجيه النقد بهدف التصويب، لكن الاختراق كان أكبر للأسف ولم تتمكن كل التحليلات والنداءات من وضع حد لحالة التدهور المتسارع التي مازالت مستمرة لليوم.
لا يعلم الكثيرون أن مساحة الأراضي المسلوبة من الأمة السورية، تبلغ 53% تقريباً من مساحتها، أي أكثر من نصف مساحتها البالغة 1.582.856.00 كيلومتراً مربعاً!. معرفة الرؤية الاستراتيجية ضرورية جداً لمنظمة أو حزب بحجم الحركة السورية القومية الاجتماعية، وهو ما يشير إليه أسامة، عندما يذكّر بحجم الخطر، بينما الحزب يغرق بالصراعات على السلطة، ويرفض قادته أي خطة للإنقاذ، كانت قد طرحتها مجموعة “إعادة البناء” عبر بيان تم نشره يوم 30-9-2020، عندما كان الخلاف بين البريستول والروشة، وبات اليوم بين مخاتير القرى ورؤساء البلديات، الذين نقلوا عقلية العشائر للحزب، وبات البدد مصيراً حتمياً لا فكاك منه.
لا أعرف إن كان كتاب أسامة المهتار بجزأيه، يدفعني للتفاؤل أم اليأس؟ فبقدر ما هو ضروري لتوثيق التاريخ الحزبي، وعرض الرؤى المختلفة للحل، يشعرني عنوان “البدد” بتبدد الأعضاء الذي تحدث عنه سعاده، وهو التلاشي التام بناءً على فشل تحقيق الغاية. في هذا، كان المهتار رجل استراتيجيا، وشاعر، في الوقت نفسه.. كان الطبيب المتفائل الذي يجرح، ثم لا يلبث يداوي استناداً لأمله في الإنقاذ، لكن المشكلة ظلت في أهل المريض القابع في غرفة العناية المركزة، الذين اعتمدوا “الروشتة شربقة” كما يقول الشاعر عجاج المهتار!.


