الشرع الأعلى

أنطون سعاده

الملحميّة، تجاوز الواقع، صناعة المستقبل

 

لو قُيض لكاتب درامي استكمال سيرة سعادة من نقطة افتراضية تبدأ خصوصاً على خط تأسيسه الحزب في 16 تشرين ثاني 1932، دون أن يكون هذا الكاتب على دراية بسيرته وفصولها، لوصل بحكم العوامل الدرامية المتوفرة وعلاقتها ببعضها، إلى إحدى خاتمتين:

الأولى، يُرى سعادة فيها على مِنَصّة الانتصار، انتصار قضيته.

والثانية، يُرى سعادة فيها على مِنَصّة تراجيديّة ملّونة بدمه.

الكاتب لم يكن موجوداً ليكون له ترف اختيار الخاتمة، بل التاريخ هو من صاغ تلك الخاتمة التي شكّلت ذروة تراجيديّة خاصة، ستحيل دفعة واحدة ودون تردد، الرجل إلى بطلٍ تراجيدي يكاد يكون منتمياً إلى نصٍ أسطوري أكثر من كونه منتمياً إلى واقع محدود ومعرّف بزمان ومكان.

خط الثامن من تموز هو لَون تلك المنصّة التي يقيم عليها سعادة، والتي تجاوزت كونها (حدثاً) تاريخيّاً مقضيّاً إلى كونها مصدر طاقة يمدّ الجماعة المؤمنة به بقوة متجددة مع توالي ذكرى وقوعه عبر الزمن عاماً بعد عام.

بلى، من خط الثامن من تموز سيُرى سعادة كبطلٍ ملحمي لا كرجل سياسة ولا حتى كرجل فكر، بل كصاحب رسالة ودعوة.

طغيان الصورة الملحميّة سيكون عائقاً أمام تفكيك تساؤل من مثل: لماذا وصل سعادة إلى المنصّة الملوّنة بدمه، ولم يصل إلى المنصّة التي ترتفع فوقها بيارق انتصار قضيته؟ بعد الثامن من تموز، أصبح من المجازفة تنسّيب سعادة إلى (حزب عادي) منضوٍ في إطار الواقع السياسي القائم. أمست العلاقة غير متكافئة ما بين (البطل الملحمي) وواقع الحزب وسياساته ومفردات سيرته.

قُضي الأمر، ملحميّة سعادة طغت على أية صفة أخرى له، فكريّة أو سياسيّة. وها إننا نواجه معضلة شاقّة إذ نقترب من (البطل الملحمي) بمنهجيات نقديّة للبحث عن (شيء ما؟)، ربما يكون هو السبب الذي رسم قدره وقاده باتجاه منصّة التراجيديا لا منصّة الانتصار، وهو السبب الذي جعل الحزب، بعد خط الثامن من تموز يفقد ذاته ويبتعد عن معناه غارقاً في متاهة هائلة لم يعد معها مجدياً محاولة الخروج منها، حتى لو وجد الحزب مفاتيح بيته / ذاته مجدداً، حيث ذاكرته المنسوفة والممسوحة ستترك مفتاح البيت يتدلى حول رقبته دون أن يعرف الاتجاه الذي يقوده إلى نفسه مجدداً. مفتاح البيت لم يعد مفيداً طالما الوصول إلى باب البيت يكاد يكون مستحيلاً.

في أحد أهم إشكالاته الكبرى، أدى الغمر الملحمي لسعادة إلى إحالة نصّه (عقيدته وكتاباته في مختلف الشؤون، مع تلك السابقة لتأسيسه الحزب)، من نصٍّ مرجعي ومنهجي إلى نصٍّ (رسالي نهائي)، وفي حين يحيل النصّ المرجعي، بحكم منهجيته المعياريّة والتوليديّة إلى الفكر الإبداعي الخلاّق، يحيل النصّ النهائي إلى (الوعظ التفسيري) المتواصل والمتكرر له، بما يوقعه في مصيدة النصّ الديني الذي يؤبّد نفسه في نهائيته المطلقة. أي في خروجه من الشرط التاريخي ومقتضياته.

دون بحث الصور المتعددة والواصلة حدّ التناقض، علينا في المجال الذي نخوض فيه أن ننطلق من مقدمة أساسيّة نختارها من بين اثنتين: نصُّ سعادة، نهائي مقفل؟ أم مرجعي توليدي ومفتوح للتجاوز؟

لن نختار واحدة من المقدمتين ونفاضلها على الأخرى لأننا استطعنا التنقيب في نصّ سعادة والتقطنا عبارة من هنا وكلمة من هناك تدعم خيارنا. ذلكم منهج يحيل إلى (مدارس كلاميّة) تلتزم سلفاً مقدمة مفترضة وتحصر عملها في البرهان على وجودها الحصري. لابدّ لنا من التفكير على نحوٍ مختلف وابتداءً من خط السادس عشر من تشرين ثاني 1932.

في المسرد التاريخي، أسس سعادة الحزب بالدعوة على نصٍّ غير مطبوع للمبادئ، فيما شروحاته الشفوية شكّلت المادة الرئيسيّة التي على أساسها وافق المدعوون الأولون على الانتماء للحزب. المبادئ بنسختها الأولى طُبعت في العام 1936، فيما طُبع الدستور في العام 1937. بهذا المعنى يكون سعادة في 16 تشرين ثاني 1932، قد أعلن إطلاق مشروع النهضة بوضع أساساتها – المبادئ التي اعتبرها (قواعد انطلاق الفكر). وابتداءً من الخطاب المنهاجي الأول في 1 حزيران 1935، سيبدأ المشروع يكتسب سماته الفكريّة والفلسفيّة والسياسيّة. وستستمر هذه العمارة بالارتفاع مدماكاً إثر مدماك في سياق التفاعل مع أحداث الواقع وصيرورة الصراع وطبيعته، إلى أن تصل إلى المستوى الأخير والذي توقف فعل الفكر فيه ليس لأسباب الاكتفاء والاشباع النظري، بل لسبب دخول سعادة خط الثامن من تموز التراجيدي وإقامته على تلك المنصّة كـ (بطل ملحمي).

إنَّ الفكر الجديد الذي جاء به سعادة، لم يضعه مُسبقاً في (مُختبر معزول) ومن ثم خرج ونادى به وبشّر، بل وضعه بعد إطلاق مشروع النهضة، ما يعني بوضوح تام أنَّ مشروعه المرتكز على مبادئ راسخة مفتوح للتعالي والارتفاع والامتلاء في سياق حركة التاريخ وأحداثه. وبمعنى إضافي، لم يضع سعادة (برنامجاً سياسيّاً) محدوداً بنقاط معينة واتفق مع عدد من الأشخاص على العمل من أجل هذا البرنامج. سعادة فتح الطريق الذي عبره يمكن أن تولد الأمة مجدداً، وهذا الطريق هو حركة الصراع التي تواصل إبداع لوازمها في سياق تناميها وما يواجهها خلال مسيرتها.

 قبل العام 1938، لم يكن كتاب (نشوء الأمم) مطبوعاً ولم يكن موجوداً على خط 16 تشرين ثاني 1932. بعد أن أنجزه سعادة وتمت طباعته بدا كـ (أيقونة) في الفكر القومي الاجتماعي ومأثرة مميزة ولزوماً بنيويّاً لمعنى مشروع سعادة.

عادةً ما يتم التدليل على تجاوز سعادة لنفسه بالإشارة إلى تعديلاته المتلاحقة لنصّ الدعوة الأساسي – المرجعي، الذي هو المبادئ. فما بين النسخة المطبوعة الأولى في العام 1936، والنسخة الأخيرة في العام 1947، مروراً بنسختي 1939 و1946، ثمّة تعديلات مهمّة أبرزها توضيح وتعيين الحدود الشرقيّة ما اعتُبر ضماً تاماً لبلاد الرافدين، بعد أن كانت داخلة في قسمها الغربي فقط (ضفاف دجلة) في تعيين الأمة.

التجاوز أو التعديل هنا ليس ترفاً تجميليّاً ولا إكساءً إضافيّاً لعمارة المشروع، بل عودة إلى أساسه وركائزه، فهل (يلعب) سعادة بأساس مشروعه؟ قطعاً لا، لكنه واصل دعمه وتوفير عناصر القوة اللازمة له المستندة إلى القوانين العلميّة والحقائق التاريخيّة، كي يحمل عمارته بكل مستوياتها المتوالية.

أهم وأبرز عناوين الفلسفة القوميّة الاجتماعيّة، لم تكن موجودة على خط التأسيس. المدرحيّة، الانسان – المجتمع، بل والقراءة الاستثنائية للنصّ الديني التي يمكن اعتبارها حاسمة في رؤية ميزات منهج سعادة ودعوته. عناوين نضجت لاحقاً واكتسبت قوامها الفكري وانضوت كفصول متممة وداعمة للنصّ المرجعي الأساسي.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى ما وضعه سعادة بين خطي 16 تشرين ثاني 1932 و8 تموز 1949، ويشكّل مشروعه، باعتباره مجموعة من (الأنظمة) الموضوعة في سياق الحركة التي شكّلت المبادئ أسسها وقواعد انطلاقها.  أنظمة ذات طاقة توليديّة يُفترض أن يرتكز عليها وينبثق منها الفعل النهضوي الإبداعي السوري، وربما غيره، من مثل:

المبادئ الأساسية، تشكّل نظام الوجود السوري كأمة.

الانسان – المجتمع، نظام الوجود الاجتماعي (الفرد والمجتمع).

المدرحيّة / (فلسفة الحقيقة)، نظام الوجود الإنساني.

العقل (ليس العقل المجرّد، بل العقل مُعرّفاً بما يدخل في تشكيله وتكوينه)، هو النظام المرجعي.

(نشوء الأمم)، رغم طابعه العلمي وتنسيبه إلى حقل علم الاجتماع، إلاّ أنّه محمّل بفلسفة التاريخ.

إذن، يمكننا الوقوف على فاعليّة التجاوز التي ينطوي عليها مشروع سعادة، وبالأصل فكره. وتدين هذه الميزة الاستثنائية بوجودها – برأينا – لتوفّر سببين رئيسين:

الأول: يعود إلى ميزة سعادة نفسه كـ (مفكّر وفيلسوف)، حيث لا يمكن لـ (رؤيوي) استشرافي وكشّاف، الائتلاف مع النقل والتفسير والتكرار المغلق. سعادة يصف الشاعر والأديب بأنه منارة للمجتمع وليس مرآة للواقع. المنارة تحمل فعل التجاوز فيما المرآة تكتفي بوظيفة النقل. تجربة سعادة منذ شبابه، يمكن إيجازها بكونها حركة تجاوز دائم ومستمر انطلاقاً من رؤيته للواقع وإيقاع حركته وظواهره.

الثاني: يعود إلى رؤية سعادة إلى سورية وتاريخها وأين يكمن فعل الابداع وخطه ورجالاته، لذلك أسند (روح النهضة) إلى (مواهب الأمة السوريّة وتاريخها الثقافي السياسي القومي – المبدأ السابع). سعادة لا يؤمن فقط بأن التاريخ السوري حافل بمحطات إبداع حاسمة في تاريخ الحضارة الانسانيّة، بل وعبر مشروعه / النهضة عمل على إعادة هذا الايمان إلينا، إلى شعب سورية الذي يعاني من فقدان ثقته بتاريخه وجهله بميزاته. وقد حاول رسم خط ابداعي لنوابغ في التاريخ السوري يصل إلى سعادة نفسه، فإن كان يرى ما يربط بين زينون الرواقي وبينه (من زينون إلى سعادة) فإنه بالتأكيد يفتح الخط للاستمرار: من سعادة إلى (…). إنَّ تعبئة هذا الفراغ هي أعظم برهان على رؤيويّة سعادة من جهة وعلى أن إيمانه بأمته ومواهبها في مكانه، فهو لا ينصّب نفسه خاتمة لفعل الابداع السوري، بل مُطلقاً لهذا الفعل ومولّداً لخطه الذي سيكون الدلالة على أنَّ سورية لا تزال تنبض حياةً. (يمكن مراجعة مقال: من عهد زينون إلى عهد سعادة في المجلّد 4 من الأعمال الكاملة).

سعادة، بوصف دعوته كنصٍّ مرجعي مصدري، لا بوصفها كتاباً ختاميّاً، يبقى هو الفرصة الحقيقيّة والوحيدة التي عبرها يمكن لسورية أن تعود كأمة مبدعة وقادرة على الدفاع عن وجودها ووضعه على مسار الارتقاء.

ما بين خطيّ 16 نشرين 1932 و8 تموز 1949، أطلق سعادة مشروع النهضة وكتب فصولها إلى الوقت الذي منحها ذلك الموقع الملحمي بطاقته المتجددة، فإن ظلّ هذا المسار بين الخطين مقفلاً ومزدحماً بتلاوات من طراز ديني، يكون مشروع سعادة قد خرج من التاريخ وتم أسره في مسار ذاكرة مقفلة تحترف الاستظهار والتكرار وإعادة إنتاج المراثي.

غير أنَّ سعادة ليس ملك مريديه ليفعلوا به ما يشاؤون، هو قيد الشعب السوري الذي ولأسباب وجوديّة ومصيريّة، يجب العمل على تقديم سعادة له كما هو سعادة وكما يستحق هذا الشعب.

سعادة نصٌ مفتوحٌ على المستقبل، وحركة تجاوز مستمرة للواقع.

———————————

تنويه: هذا النص، بالأصل وارد تحت عنوان: أي سعادة؟ في كتاب نزار سلّوم (البحث عن زيوسودرا) الصادر ربيع 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق