جماليات

أجنِحةٌ لَيسَت مُتَكَسِّرَة..

قراءة في المجموعة القصصية للأديبة وفاء خرما

    منذ أشهُرٍ طويلةٍ لم أعُد أُجيدُ عدَّها، وبصورَةٍ دراميَّةٍ غَريبةٍ، دون سابقِ إنذارٍ أو تَوَقُّعٍ، وَقعت يدي على ذلك المخطوط بسيط الشَّكل، في ركنٍ هادئٍ من بيتنا العتيق هناك… في الوطن الذي غادرنا قبل أن نُغادِرَه قبل فترةٍ عصيبةٍ من الوَقت.. فترةٌ لا تُقاسُ بوحدات الزَّمن، ولكنّها تُقاسى بِأهوالِ الخَساراتِ المُتراكِمَةِ حتّى الإِفلاس.

كحادِثَةٍ قدريَّةٍ ظهرَت لي تلك المجموعة القصصيّة الصّغيرة، ولا أعرف ما الذي استرعى اهتمامي حتّى تَناوَلتُها وأخذتُ أتصفَّحها إلى أن وَقَعَتْ عيني على الإهداء.. وبرغم أنَّ غلافها كان بحالةٍ مُمتازةٍ، ربَّما لأنَّها لم تُقرأ مِن قبل، الإهداء لروحِ والدي سنة 2000 عاماً واحِداً فقط بعد رحيله الأسطوريِّ نهاية القرن الماضي.
لا بدّ لي من الاعتراف هنا بنزاهةٍ، أنَّني كنتُ أحاول إلقاء نظرة غير جديَّةٍ على الكتاب، إلى أن بزغت لي إضاءة اسم والدي بين دفتي صفحاته الأولى، ما أثار في نفسي دوافع الاهتمام والتّرقّب والفضول.. ولكنَّ أجمل ما في الأمر، لم يكُن ذلك كلّه، إنّما كان ما زخرت به صفحات الأستاذة وفاء خرما في تلك المجموعة القصصيَِّة الّتي كانت قد وَسمَتْها “الأجنِحة المُتكسِّرة”.

  لغةٌ مرنةٌ ومثيرةٌ، يمكن وصفها على طول الخط، بأنّها متجدِّدة، مع طيفٍ من المفردات غير المألوفة، مطرَّزة باختياراتٍ محروفةٍ لِاستبدال كلماتٍ فصيحةٍ مُعتادة، تنأى الكاتبة بقلمها عنها إلى مرادفاتٍ أكثرَ جزالةً وانحناءً.. وكأنّها خصر صبيَّةٍ مثقّفةٍ يلتوي على ناصية طريقٍ، برقَّةٍ ورصانةٍ لا مبالغة فيها، سوى وصفة الأنوثة الفطريّة. فالطّبيب في قصة “الأجنحة المتكسِّرة” لا يضع سماعتيه على طاولته، ولكنَّه “استدار بسماعتيه في يديه، أركَنهُما على الطّاولة، واتَّجه إلى الكرسي..”
المشهد على سرعته وبساطته، يتحول إلى وقتٍ شاعريٍّ كما تسرده الكاتبة.
وأمّا تلك السّيِّدة الّتي كانت تُرخي باقةً من الأزهار على قبر زوجها، وعندما باغتها وجه صديقٍ قديمٍ فوق مَشهدها الرومانسيِّ، فقد “انفرط التَّماسُك في وجهِها، فأجهشت بالبكاء”.. نعم لقد انفرَطَ التَّماسك كعقدٍ مُرهقٍ، ربّما لأوَّلِ مرّةٍ، فهو عادة ينهار أو يتمُّ كَسرُه.
إنَّ تناول المفردات والصّور، بطريقةٍ متوثّبةٍ، لا يقف هنا، لا بل إنّه يدأب على القفز حتّى إلى الأسفل أحيانا، فليست كلُّ القفزات سعيا لبلوغ النُّجوم.. أحيانا يكون تصوير العالمِ السّفليِّ قصدا مشروعاً للإبداع.. حيثُ نجدُ الآلة الطّابعة مَثلاً، والتي كانت منذ اختِراعِها قبلَ سبعةِ قرونٍ، ذات مدلولٍ إيجابيٍّ يبعثُ على الارتياح، فهي وسيلة تعميم المعرفة، وَمُذَخِّرَةُ عصر التّنوير.. ولكنّها تغدو عند امرأةٍ يائسةٍ مُرتعبةٍ من غدر الزّمان، وكأنّها كماشةٌ قد تطبِقُ عليها أو على أمانيها بالسّلامة، لتعيشها بدلاً من ذلك الكابوسُ الّذي يؤرّقها، فتقول شخصيّة الكاتبة في قصة “لا تنشروا قصّتي” لصاحب دار النشر وهي تُحاوِلُ استعجاله لسحب قصّتها المرسلة له من الطباعة، خشية من فألها السّيِّئ إذا ما نُشِرَت.. تقول له:

“أرجوك! انتزع قصّتي من بين أكوام الأوراق أمامك، وألقها إلى سلّة المُهملات. أم أنّك دفعتَ بها إلى فكيِّ المَطبعة؟ وَيلي إن كان قد فاتَ الأوان!”

نعم عند خشية الأوان، ومع تراكم الخسارات المبهمة، يمكن للمطبعة المضيئة أن تصير شبح ظلامٍ وثقباً أسوداً.

  هنالك في هذه المجموعة القصصيَّة الرَّهيفة، خيطٌ رفيعٌ من الإيماءات، يَصِلُ بين مُختلف القِصص، يُطِلُّ بين الفينة والأخرى على كتفِ لَقطَةٍ فنيَّةٍ أو حدثٍ دراميٍّ، وَيكاد يُعبِّرُ تحديداً، عن موقفٍ سياسيٍّ لِلكاتبة من الدَّولَةِ وأجهزَتِها الأمنيَّة، وَيبدو أنَّهُ يَشي بعلاقَةٍ ضدّيَّةٍ بَينهما.. نعم فالمُثقَّف المُبدِع، هوَ أهلٌ ليكون نِدّا لِلسُّلطَةِ.. أيّ سُلطةٍ، خصوصاً عِندما يَحمِلُهُ ضميرُه على أشرعَةِ الهمِّ العام والوطنيّ. وقد أتَّفِقُ مع السَّيِّدة خرما في موقفها السِّياسيِّ، وَقَد أختَلِف.. وَلَكِنَّني سأرتَدي قُفّازات فولتيير وَأنا أحاوِلُ الدِّفاع عن تَعبيرها عن رأيها وتَجرُبَتِها، حتّى النِّهاية، ولو بعد حينٍ من الزَّمَن يُحيلُ كلَّ ما نتحدَّثُ عنه هنا، إلى خانة الماضي، والماضي المبتور فَحسب.. فهذهِ هي روح المَعرفِة ودَيدَنُ العِلمِ وأهله.. مَنحُ المساحات.

  إنَّ مشكلا ًما مع الرّجل، أو لنقل مع صنفٍ معيَّنٍ من الرّجال، تنضح به مجموعةٌ من المواقِفِ والمحاور في هذه القصّة أو تلك، فالكاتبة ترصد بحساسيَّةٍ واضحةٍ أحوال النّاس وتقلّبات مشاعرهم بين الخسارات والآمال المتبدِّدة، وبين الآمال والصّدمات المتراكمة، كما أنَّ الخذلان يحتل لنفسهِ موقعا واضحا، فلا بدّ أنّ مواقفا مبدئيّةً وأخلاقيّةً معيّنةً، كانت تشغل بالَها وهي تفرِّغ نسغ إبداعها هنا وهناك، حيث رصدت ونقلت وصورت عدداً كبيراً من تفاعلاتنا وخبراتنا جميعاً، بين دفتين من الأدب والتّأدُّب، لا بدَّ لي من ترك متعة تذوُّقها لكلِّ قارئ ومُريد.

  في النّهاية فإنَّ المجموعة إذا اشتكت بالنّسبة لي من بعض الاختصار غير المُحبَّب في مشاهدَ كانت تَحتمل مزيداً من السّرد كقصّة “الجار” التي ننتقل فيها مع قلم الكاتبة بين محطّاتٍ كبيرةٍ في الحياة، ولكن بسرعةٍ وتكثيفٍ على الورق، كان يحتَمِل شيئاً من التَّفصيل.. وأمّا بعض الإبهام وعدم الوضوح اللذين برزا برأسيهما في نصٍّ منها أو نصّين، وهذا على العموم حال الجمهور مع الإبداع في رحلة تعاطٍ ليست كصبِّ الماء رقراقاً دائماً، ولكنّها في كثيرٍ من الأحيان تشبه محاولةَ تكثيفِ البخار وتقطيره، للحصول على جرعة ارتواءٍ من ضبابه.. إذا كان ذلك وغيره، فإنَّه لا يمنع من مشاهدة أجنحة الكاتبة وهي تمتدُّ قويَّةً وَوارِفةً في سماء الإبداع والتَّعبير والالتزام، وها أنا أقدِّم لها التَّحيَّة التي تستحقّها، ولو بعد ربع قرنٍ من الزَّمان.

د. أحمد العربي

كاتب وأديب سوري

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق