أمّي…
عن بعض سوريا الذي رحل
“صباح 25 كانون أول 2025، هنأت أمّي الكون بميلاد يسوع… أغمضت عينيها… كسرت قضبان سجن الألم… وحررت روحها”
-1-
ماتت أمّي منذ بضعة أسابيع… ومن حينها وأنا أحاول الهروب من فكرة الكتابة عنها. ربما لست شجاعاً بما يكفي للإقرار بأنَّ الأمَّ تموت مثل الآخرين، مثل الأب، والأخ، والعم، والخال، والجد….. (لا أشمل الأخت، ربما تصبح أمّاً)، فيما كنت على الدوام أستلقي مطمئناً في حضن فكرة آوتني وأقصت قلقي بعيداً…
فكرة: الأمّ لا تموت!
وها أذعن اليوم، مطروداً ومشرّداً خارج ذلك الاطمئنان، أُذعن للقلم والورق، أُذعن للكتابة التي ستكون اعترافي الأخير بأنَّ أمّي رحلت وغابت إلى الأبد!!
غير أنَّي أشعر وأنا أكتب عن رحيل أمّي، وكأني أمزّق بخنجرِ القدرِ روحي… فلا سبيل للإذعان بتلك الحقيقة المرة لأراها غائبة إلى الأبد، إلّا بتلك الجراحة المرعبة التي تنتزع روحي منها، وتترك للزمن أن يؤسس مسافات الابتعاد ومساحات الفراق.
لا أدري إنْ كان الزمن – الوقت، يساعدنا فعلاً، أو يقاتلنا ويصارع فينا المعنى الذي كان كل حياتنا…؟
مَن يفهم الزمن؟
مَن يتمكن من الخروج من أسره والتمرّد على مساره؟
مَن يوجد خارجه، إلّا المطلق؟
-2-
أنا بعيد عن مسقط رأسي: وطني سوريا، حيث ماتت أمّي. هذا الصباح باردٌ جداً، هنا في كندا، تكاد درجة الحرارة تتجاوز 22 تحت الصفر المئويّة. مع ذلك احتضنت صورة أمّي الفوتوغرافيّة، وخرجت متجهاً نحو أحد المحال لأجد لها كادراً مناسباً. الوصول إلى هذا القرار كان صعباً جداً. لطالما كنت على يقين بأنَّ الكادر سيكون بمثابة صكّ الاستسلام الذي نعلن فيه أنَّ الحياة توقفت مع هذه اللحظة.
(ستذكّرني أختي مي، التي حظيت بامتياز مرافقة أمي في رحلة آلامها الأخيرة، بما ورد في واحد من اسكتشات الأخوين رحباني: سرّب الختيار وصار في عالحيط صورة)
شيّعتُ أمّي إلى كادرها، احتضنتها بيديَّ بقوة، وقفلتُ عائداً بسرعة ولهفة إلى البيت. تجنّبت تعليقها (عالحيط)، وفضّلت وضعها أمامي وهي تنظرُ إليَّ على الدوام… تنظرُ وفي ابتسامتها حيرة مقلقة…! لا أدري إنْ كانت تبتسم لي مسرورة راضية، أو معاتبة: أينَ أنت… ولماذا غبت كلّ هذا الوقت… عندما غادرتَ قلتَ لنا لن أغيب طويلاً، سأعود مع سماعي لأول بيت عتابا أو مع أول أغنية لفيروز… ثمَّ ما معنى أنكّ تحبّني وأنتَ بعيد…عشتُ من أجلك ومن أجل أخوتك كي أراكم جميعاً… طلبت من الله أن يطيل بعمري من أجل أن نلتقي… أينَ أنت، أين أنتم جميعاً؟
لا أملك من أجوبة يا أمي، سوى تلك اللازمة الرديئة التي نبرر بها ابتعادنا عمن نحب: “هي الحياة هكذا…” وأكثر من ذلك، ألم تشكري الله يا أمّي، في السنوات الماضيّة، تشكرينه كلَّ صباح لأنّي بعيد عن الخطر الذي يتجوّل في وطني، وعن المأساة – الوحش الذي يلتهم أمتي؟
-3-
عندما تجد الأمّ نفسها على حافة الدائرة التي تسجن ابنها، وقبالتها على الجانب الثاني من الدائرة الغربة والرحيل… عندما تجد نفسها تتنازع مع الرحيل على ابنها… تتركه يخرج من الدائرة بعيداً… بعيداً… تتركه للرحيل خشية أن يؤلمه البقاء ولو إلى جانبها… ولو في حضنها.
قهرت أمّي شوقها، أسكتت نداء الأمومة الصارخ في داخلها، كي أذهب بعيداً… دون ألم.
ابتعدنا واحداً إثر الآخر، وأحكمنا حصار الآلام حول أمي، وحشدنا قضبان الغربة سجناً يقهر الروح.
أبي معها داخل القضبان.
-4-
عندما زُفت أمّي إلى أبي مطلع خمسينيّات القرن الماضي، قَطَعتْ المسافة بين بيت أهلها في “عين الراهب” وكنيسة “الزويتينة” على حصان أبيض. لم يكن أبي أميراً بالوراثة لتحلم به يأخذها على ظهر ذلك الحصان الأبيض… كان قد بدأ يؤسس إمارته شعراً، وأدباً، وفكراً، ولغة، وتعليماً، وتربيّة.
تزوجت أمّي أميراً من مملكة الكلمة.
-5-
أمّي وأميرها الذي لا زال في مملكة الكلمة حليفاً للأفكار العظيمة
أنشر هذه الصورة لأقول للزمن: أنتَ أيضاً في كادرٍ بهي.
-6-
لم تطق أمّي رؤية أميرها وراء قضبان سجن المزّة في العام 1955، إثر تلك الحملة المسعورة التي شُنت على كل من يرفع يده زاوية قائمة لتحيّة سوريا…بعد مقتل العقيد المالكي في دمشق. كان منظره وراء القضبان الصدمة الكاوية لحلمها ولمسيرة حياتها العائليّة في خطواتها الأولى، ومع تمسّك أبي بـ “راغدة” كاسم لأختي الكبيرة التي ولدت قبل سجنه بشهور عدّة، بدا وكأنّه يخوض معركة رمزيّة في وجه موجة عاتية معتمة، معركة ستتجدد مع تسمية أخي الأوسط “نظام”، فيما الصدمة الكاوية زرعت في وعي أمّي خوفاً عميقاً علينا… خوفاً من “اللعب بالأفكار العظيمة” في بلاد لا زالت تقتات على جثث الماضي.
لم أرتدع من سجن أبي… يافعاً بدأت “اللعب بالأفكار العظيمة”… دبَّ الرعب في قلب أمّي، فسببتُ لها صدمتها الثانيّة للسبب ذاته.
أمّي التي عاتبت أبي على “لَعبه بالأفكار العظيمة”… أمي نفسها انقلبت إلى “لبؤة” عندما خَرَجتُ من وراء القضبان…
مع أبي – أميرها، كانت تحظى بترف المعاتبة… معي – ابنها البكر لم يكن أمامها سوى القتال… من تلك اللحظة أمسيت بحمايتها، لم أعد أخشى شيئاً… وواصلت “اللعب بالأفكار العظيمة”… اللعب؟ بلى، بمنتهى الجديّة والصرامة، وبتكاليف باهظة.
-7-
سيكون كتاب “الأمّ” للأديب الروسي الكبير مكسيم غوركي، متصدّراً مكتبة أبي الذي سيضعه أمامنا أنا وأخوتي في سن اليفاعة، باكراً قرأناه، بعد أن استمعنا إلى أبي مراراً وتكراراً، عن فرادته.
“بيلاجيا نيلوفنا فلاسوف” اسم البطلة – الأمّ في الرواية، تبنّت قضية ابنها لأنّه ابنها قبل أي اعتبار آخر…
أيّة أمّ يمكن أن تكون بيلاجيا… في لحظات ما، ليس لأنَّ الأفكار التي يقاتل ابنها من أجلها “عظيمة” وحسب، بل لأنَّ ابنها هو من يحمل هذه الأفكار.
لا زالت رواية غوركي، بغلافها المهترئ، في صدر المكتبة… ولا زالت بيلاجيا تهرول خلف ابنها وأفكاره، ولا زلت تحت حماية أمّي.
-8-
الرابية، التي تشكّل امتداداً لبيتنا من الغرب، المسماة “التلّة”، تشرف على وادٍ جميل ساحر فيه كل ما يجعلني أصفه بالجنّة الصغيرة: نبع ماء سيّال، في انحداره يمرّ بين صخرتين، ستكونان مرفأين لمراكبنا الصغيرة التي كنا نصنعها لنشكّل أسطولاً يبحر من مرفأ صخرة إلى قبالتها… فيما أشجار الخرّوب تبقى مخزناً احتياطيّاً نلجأ إليه عندما نجوع… وكذا أشجار التين والدوالي والميس… والزيتون…
قضينا وقتاً طويلاً من طفولتنا هنا، في هذه “الجنّة”، في مختلف الفصول. عندما نجتاز سور البيت الغربي نحو الرابية نزولاً إلى الوادي، لم تكن أمّي تقلق أو تمنعنا… وكثيراً ما نلتقي معها هنالك في بعض محطات النهار، عندما تقرّر تحضير حشائش الهندباء والخبيزة والقرص عنّة (القرص عنّة: أي أقراص الإلهة عناة في الأدب الأسطوري). نعم عندنا، ملاعب طفولتنا، وحيث كانت تتجول أمّي: جنائن إلهيّة.
جمعينا كنّا هناك، أنا وأخوتي الذكور خصوصاً وليد ونظام، وربما حاتم في بعض المرّات لأنه أصغرنا الذي مع ولادته طبقّت أمي شروط حماية له مختلفة عن شروطنا الفضفاضة، وهي شروط ستجعل منه “مشروعها الخاص” الذي أشرفت عليه وجنّدت له أخواتي البنات راغدة ومي وهيام، اللواتي كنَّ يزرن الوادي في محطات متفرقة، أو يصلن في الغالب إلى “التلة” ومعهن كتاب للمطالعة أو المراجعة المدرسيّة…
منهمكاً في تحريك قطع أسطولي من مرفأ إلى مرفأ في ذلك الجدول الرقراق… أخوض حرباً افتراضية بين اسطولين… صوت أمّي من أعلى “التلّة”، ينهي الحرب ويعلن السلام، منادياً: يا نزار… إلى الغداء…
يا الله، عن أي عالم أتكلم بعد كل هذي السنين؟
ألم أقل “جنّة”؟
بلى، بدلالة أنَّ الأصوات التي سمعتها هنالك، لم تكن إلّا للطيور وجداول المياه وحفيف أوراق الأشجار… وصوت أمّي.
غادرتُ تلك الجنّة، مذ غادرتُ الطفولة، لكن صوت أمّي لا زال يدعوني إليها.
-9-
وماذا عن الخبز المقمّر، وأقراص الكبّة، وحشائش الطبيعة الرائعة، والزيتون والزوباع…؟
وماذا عن الولائم التي كانت تعدّها، والتي لا يمكن أن تجهز بمثل تلك الدرجة من الطعم الخاص، إلّا لمن منحته “مملكة التذوق والذوق” تعويذة خاصّة يمارس بواسطتها سحره في خلط مواد خام بروح الكيميائي العجيب، ليُنتج مادة تُقدّم كلوحة فنيّة، برائحة مدهشة وطعم فريد، ليتحوّل الطعام إلى مرتبة ثقافيّة – حضاريّة تخطت كونها حاجة أولّيّة طبيعيّة؟
وماذا…؟ أبداً، لا شيء، فقط: “أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أمي” (اضغط: الاستماع من بنية النص).
-10-
في الرف العلوي من مكتبة أبي، المخصص للكتب الفلسفيّة والنقديّة، التي عادة لا يتم تداولها من اليافعين والشباب بالنسبة ذاتها التي يتداولون فيها الروايات والقصص والسير الذاتيّة، في ذلك الرف استلفت انتباهي ذات يوم كتاب الأديب والمفكّر اللبناني بولس سلامة، عنوانه: الصراع في الوجود. حينها في مطلع شبابي كنت محكوماً بتلك الأسئلة عن الوجود والإنسان ومعنى الإرادة والحرية والمجتمع… كنت قلقاً لا يهدأ لي خاطر ولا أستقرّ على يقين سريع سهل وبسيط.
ينظر سلامة إلى وجود الإنسان كحركة مستمرة متناوبة بين الوجود والعدم. ينظر إلى وجود الإنسان من خلال الصراع والتناقض، حيث الصراع وحده يكشف العمق غير المرئي من الوجود.
شُغفت بالكتاب، وناقشت الكثير من أفكاره مع أبي، وأيضاً مع خالي جوزيف المطّلع على الفلسفة الوجوديّة وخصوصاً الفرنسيّة المرتبطة باسم جان بول سارتر. سأكتشف بعد حين قصير أنَّ بولس سلامة أقعده المرض في الفراش 40 عاماً، أُجريت له فيها قرابة 20 عمليّة جراحيّة.
يا للهول، هذه الخلاصات الفلسفيّة: وجود، عدم باعتباره لزوماً وليس نفيّاً، صراع… خلاصات ناتجة من تجربة حيّة لرجل كانت إقامته الدائمة وراء قضبان الألم؟
لكن، ما علاقة أمّي بذلك كلّه؟
بدأت إقامة أمّي في مسكن الألم في 17 نيسان من العام 1975، عندما أصيبت بكسور هائلة وصلت إلى 7 في حوضها الذي تمزّق وتحطّم، فضلاً عن رجليها وأضلع صدرها ويديها، في حادث سيارة كارثي على طريق دمشق.
من حينها وإلى تاريخ وفاتها صباح عيد الميلاد 25 كانون أول 2025، استمرّت مقيمة وراء قضبان الألم الذي اشتد عليها هائجاً في السنوات السبع الأخيرة.
كانت إقامة أمّي في مسكن الألم، المختبر الحي لي، لأسئلة بولس سلامة حول الوجود ومعناه، وحول الألم وطاقة التحريض فيه، كما قدرته على سلب المعنى.
يا أمّي، آلامك كانت تقبض روحي، كنت أشعر بها وأنا في أقصى مغتربي، كنت أتمنى لو أستبدل ضلعاً مني بضلع مكسور من أضلاعك… لكن يا أمّي، أعترف لك بذنبٍ اقترفته… آلامك كانت محرّضاً لعقلي الذي كان ينخطف لتلك التساؤلات الكبرى حول الوجود ومعنى الحياة والصراع…
ويحي، ما هذا البرود القاتل، هل كنتِ مختبراً حيّاً لتساؤلات فلسفيّة عندي؟ … ويلاه!!
أمّي، أقسم لكِ ليس ذنبي، بل ذنب بولس سلامة!
بل لأقل لك بوضوح، ذنب أبي الذي اقتنى مكتبة واستضاف على أحد رفوفها ذلك الكتاب!
أبي – أميرك… أليس كذلك؟
لكِ أنْ تعاتبيه ما شئت… فيما سأبقى أنا، ابنك… تحت حمايتك.
-11-
ثلاث روايات عن أمي “السّنيّة”!!
الأولى، كانت الفراش التي ننام عليها، من الصوف، ولم تكن في ذلك الوقت تصنع في المعامل، بل عند “المنجّد”. وكانت تحتاج سنويّاً إلى إعادة تنجيد… كانت أمّي مع أخريات غيرها يثقن بالمنجّد “أبو ممدوح”، الذي يأتي من مدينة حمص خصيصاً إلى قرى “وادي النصارى”، حيث يتجوّل بينها إلى أن ينتهي من تنجيد فراش الأسر الراغبة بتجديدها.
أبو ممدوح، كان ينام في البيت الذي ينجّد له فراشه وأغطيته. في بيتنا كان يفضّل النوم في صحن الدار في أيام الصيف الرائعة. كانت أمّي، التي أوصتنا بمناداته بالعم، تجهّز له كل ما يلزمه، وغالباً إنْ نجّد لجيراننا أو من في حارتنا، كان يفضّل النوم في بيت “أم نزار” التي يناديها بلهجته الحمصيّة المُحَبَبَة: أُختي…
أبو ممدوح كان يصلي ويصوم كمؤمن مسلم، وأمي تجهّز له كل ما يمكّنه من ذلك وهو مرتاح يروي لها قصصاً تخصّ عائلته، زوجته وأولاده.
الثانية، الأستاذ إسماعيل الجندي، المفتش التربوي، كان صديقاً لأبي، يتردد باستمرار إلى بيتنا أثناء جولاته التفتيشيّة على المدارس. يفضّل باستمرار الغداء عند أمّي. ذات مرة، في شهر رمضان الذي وقع حينها في الصيف، قدم مع عائلته وأقام عندنا قرابة أسبوع. كان مع زوجته السيدة أم حسّان – من عائلة الأخرس الحمصيّة- صائمين.
حوّلت أمّي نظام بيتنا إلى نظام رمضاني، بتوقيت وجبات الطعام ونوعها احتراماً لضيوفنا.
الثالثة، رفيقي الاستثنائي عبد الكريم عبد الرحمن، في المرة الأولى التي دخل فيها بيتنا منذ قرابة 50 عاماً، تملّت فيه أمّي وقالت له: نور المسيح على وجهك. لتصبح هذه العبارة، متداولة، وخصوصاً في اللمحات المُفَارِقة التي يجيدها عبد الكريم ويُكثر منها لتفكيك الثقافة النفسيّة للمتعصب أو الخائف من الانفتاح.
أمّي، طبعاً وبيتنا، استقبل وصادق كل من كان رفيقنا وصديقنا أنا وأخواتي وأخوتي فضلاً عن أبي، دون النظر إلى الدين أو الطائفة أو المذهب.
أمّي، بلى:
استضافت دائماً المؤمن أبو ممدوح وفرشت له سجادة الصلاة في دارها.
استضافت عائلة الأستاذ إسماعيل، وقلبت نظام بيتها ليصبح رمضانيّاً.
ورأت على وجه عبد الكريم نور المسيح.
أمّي “سنّيّة”!!
أمّي، تريزيا الياس الخوري حالوت… ابنة كاهن؟
إذاً… اسألوا أميرها – أبي، ليجيب:
ألم يفرش بطريرك دمشق كاتدرائيّة يوحنا المعمدان يوماً ليستضيف فيها المسلمين؟
أمّي سوريّة.
وسوريا لا تكون إلّا بهذا المحتوى، دون ذلك موتاً ستموت.
ألهذا، قال جبران خليل جبران: وجه أمّي وجه أمتي…؟
-12-
قَطَعت أمّي حافية القدمين، المسافة من بيتها إلى كنيسة مار الياس التي كانت كنيسة والدها، وذلك لترجو من الله أن تلد زوجتي ابننا البكر خليل بصحة كاملة وعافية جسديّة ونفسيّة.
أنْ يكون الحفيد بعيداً، لا يعيش مع جدته وجده ولا يراهما، يعني أنّه يخسر أعظم خزان احتياطي لا ينضب من العواطف والمشاعر الخاصة التي لا يمكن أن ينالها إلّا منهما.
خليل وسيرجيو، عاشا بعيدين عن جدتهما وجدهما، وإن التقيا لمرات معدودة مع جدتهما والدة أمهما.
أشعر مع أمهما بهول خسارة ذلك الخزّان يوميّاً. أحياناً، نتخيّل خليل و سيرجيو وهما ذاهبان من دمشق، أو بيروت، ليقضيا الصيف في بيت جدهما.
خيالٌ… بخيال…
هل قلت لك يا أمي “الحياة… هي هكذا”!
الجواب الرديء نفسه.
-13-
أيا صديقة الورود،
… من سيقنع ياسمينة الدار الحزينة على رحيلك، بملء الفضاء من عبق رائحتها إكراماً ليدك الخضراء الخصيبة؟
-14-
في الأدب الملحمي – الأسطوري السّوري، الإله يموت… الإلهة لا تموت… دموزي يموت ويُندب… ثم يقوم متجدداً في الربيع. عشتار لا يمكن أن تموت، بموتها تموت الحياة وتفنى.
في اللاهوت المسيحي، يسوع يموت ثم يقوم، فيما مريم العذراء، الأم – السيدة… لم تمت، بل رقدت… رقدت وصعدت إلى السماء.
ألهذا، كنت مطمئناً إلى أنَّ الأم لا تموت…؟
بلى، لأنَّ الأم ليست الفكرة، وليست المعنى وحسب، بل أسّ المعنى وأصله.
إذاً…
إذاً…ماذا… ما بالكم؟
أين أنتم جميعكم؟
أين شامو ورنا؟ (اشتقنا كتير يا حبايب نمشي دروبنا سوا).




لم أستطيع النوم دون إنهاء قرأت جمال افكارك. ذكرت كل روح بأمها. أعطيت كل أم وكل أمة بعضاً من حقها.
شكراً جزيلاً لمحبتك العميقة
الأم كما تفضلت لاتموت فهي وهبت أبنائها جزءً من جسده
البقاء للأمة ولروحها الرحمة والسلام
جميل قراءة ما تكتب ولكن عندما تطول الكتاب يضعف تركيز الختيار
لروح أمك وكل الأمهات اللواتي رحلن كل سلام ومحبة
وكما انت قلت هذه سنة الحياة
لان أمي رحلت في كندا وفي يوم قارص جليدي
وإلك تحياتي لخالصة
لأمك السلام الأبدي ولك الصحة والعافية. شكراً جزيلاً لمواساتك وعواطفك السامية.
شكراً جزيلاً لمواساتك ومشاعرك النبيلة
ليكن ذكرها مؤبداً. البقاء للأمة
شكراً جزيلاً
لله درك ايها الأديب الرائع…. هذه لوحه لا تقل جمالا عن أغاني فيروز في سحرها بتصوير المكان و الحي و الحدث … جعلتني اعيش كل هذه التفاصيل بلهفة المشتاق و حسره من أضاع فرصة ان يستنشق كل هذا الجمال علي الطبيعه … و كأني اشتمّ ياسمين الشام ذاك و امضغ الهندباء و أتلذذ بمتلك السفره بمرتبة قفزه حضاريه ثقافيه ….
شكرا كثيرا لتعريفي الي السيده الجليله تيريزا من هذا المنظور لطالما خطف الاستاذ خليل اغلب حواراتي مع مي ? ربما و كما ذكرت لان العظمه دور متوقع من الام
سأحاول ان أسامحك اخي نزار علي كمية الدموع التي داعبتها كلماتك فحادت كثيرا بمخزونها …
اصبح الموت هاجس مرعب و كأني به حدث حديت ! لا ادري اهي قسوه الاحداث ام كتر من يغيبون ام اننا بالمرحله الي تخشي الموت … علي ايه حال بورك فيك ورقي قلمك … انتظر ان اجلس مع مي ذات يوم امام شاشة التلفاز او علي مسرح ما في الشام القديمه نتفرج علي ملحمه سوريه رائعه و تقول لي صديقي : اخي نزار هو المؤلف … كل الود و الاحترام
ةغبطك عزيزي أنِ استطعت الكتابة عن الوالدة وأراها مستحقة لكل كلمة..
والدتي سبقتها بأكثر من شهرين، ولمّا أستطع كتابة كلمة رثاء عنها للآن..لم أصل بعد لكلمات تفيها حقها ولا أظنني سأصل!
ليكن ذكرهما مؤبدا
يستحق ماكتبت الكثير تعليقا مفصلا أكثر..
سأكتفي بما ذكرت
السلام لروح الوالدة.. ولكم
والدتك… مميزة بكل شيء، ليس بسلوكها وقيمة عملها وحسب، بل بما يتجلّى بأولادها: علماً وثقافة وقيماً وأخلاقاً… لها السلام الأبدي وطيب الذكرى، وشكراً جزيلاً لمشاعرك النبيلة.
أعرف يا سيدتي أننا نتشارك في هذه التراجيديا التي تخيّم على وطنينا… السودان الآن في لحظة دامية… هذه التراجيديا لا توفر لنا الفرصة لننفرد بقضايانا الخاصة… التماهي موجود دائماً. أرجو أن تتمكني في يوم ما من زيارة الزويتينة – جنتنا الخاصة، وأرجو أن نلتقي هناك. شكراً جزيلاً لعواطفك النبيلة ولنصك المشبع بالمشاعر السامية.
أعرف يا سيدتي أننا نتشارك في هذه التراجيديا التي تخيّم على وطنينا… السودان الآن في لحظة دامية… هذه التراجيديا لا توفر لنا الفرصة لننفرد بقضايانا الخاصة… التماهي موجود دائماً. أرجو أن تتمكني في يوم ما من زيارة الزويتينة – جنتنا الخاصة، وأرجو أن نلتقي هناك. شكراً جزيلاً لعواطفك النبيلة ولنصك المشبع بالمشاعر السامية.
السلام لروحها …..الأم في كل لحظة من ذاكرة الروح وهي تشعر باحاسيسك وتغمرها..
شكراً جزيلاً لمواساتك وعمق عواطفك ونبلها.
من أروع ما قرأت عن الأم ، كلمة الأستاذ نزار سلوم بأمّه الراحلة مع ألم الفراق وبعد المسافات دون وداع ودموع وتنهدات ،
كلمته العاطفية تحمل أدباً مغايراً ،
رسالته لوحة سوريالية دخلت أعماقنا وتحلّلت بجوارحنا بعدما استنهضت مشاعرنا الطفولية في أحضان أمّهاتنا .
لك أيها الكبير تعازينا برحيل الوالدة الفاضلة ،
والبقاء للأمة .
فاروق ابوجودة
الأمين العزيز فاروق أبو جودة… وأنت الراسخ قيماً وأصالة… بأصالة وعراقة ذلك البيت المشع في تاريخ النهضة، لك شكري الجزيل ومحبتي العميقة على مشاركتك ونبل عواطفك.
واخِزاً جاء الإحياء البَنَوي للأم التي نظنها تبقى دونما رحيل لكنها ترتحل بالجسد ،لا بالذكرى الحية، إلى حيث لا تريد ولا نريد.
وإذا كان التعبير -تعبيرنا- صعباً بل ضعيفاً في لحظة الحقيقة فلأن للأم والأب ما ليس لسواهما من القلق والألم والشعور والدمع والدم القاني.
لعين الراهب وللزويتية والعائلة الكبرى صادق المواساة النابعة من جوارح العارف بمعنى الفقد المتأخر فكيف بالمبكر؟ أما الأمة فماذا بقي منها لتستمر في الجزم بأن لها البقاء؟
شكراً جزيلاً لمواساتك ولعمق رؤيتك للمعاني التي تشكّل وجودنا. أما الأمّة؟ أخشى أن التمثيل بجثتها مستمر بوحشية… أما قيامتها؟