العالم الآنجماليات

حدث ذات مرة في البيت الأبيض!

(مشهدٌ من كوميديا سوداء لا تزال دائرة)

رفع الرئيس عينيه المثقلتين بنعاس اليوم السابق. طلب من أحد معاونيه كوباً من القهوة المركزة والممزوجة بالكونياك، ويعلوها الكريم الفرنسي. قال له بعد أن أحضرها: هل لك أن تساعدني بعقد ربطة العنق هذه…لكن، لا أنتظر قليلاً…إنّها متسخة من طرفها…حسناً…أعطني ربطة عنقك، بالرغم من انّها غير ملائمة للون سترتي… لكن، لا بأس ليس هناك صحافة، ولا أي مؤتمر صحافي…أخبرني الآن هل حضروا جميعهم؟

ابتدأ المعاون بتشذيب ربطة العنق تحت ياقة قميص رئيسه، وقال:

الجميع هنا يا سيدي، ماعدا وزير الخارجية، لقد أتصل معي للتو وقال إنّه سيكون هنا في ظرف دقائق قليلة، لقد نسي بعض الأوراق المهمة في مكتبه، وعاد ليأخذها، وهذا سبب تأخيره. أمّا عن بقية أعضاء مجلس الأمن القومي، فجميعهم هنا. لقد قمت بتوزيع الأوراق والأقلام عليهم، وهم ينتظرون. لقد أخبرني مستشار الأمن القومي أنه جائع قليلاً، فطلبت من المطبخ أي شيء يرونه جاهزاً في ثلاجتهم ليأكل. أحضروا “تكساس ميتيبولز” مع شرائح البطاطا. طلبت منه أن يأكل في البهو على طاولة صغيرة هناك لأنّ هذه الوجبة آخر ما تبقى في الثلاجة من هذا الطبق، وأخشى أن يشعر أعضاء مجلس الأمن القومي جميعهم بالجوع ويطلبون طبقاً مماثلاً!

الرئيس روبرت ويتمان: لا، لا تخف، أعتقد أنَّ ما سيسمعونه الليلة سوف يصدّ شهيتهم. أملك خططاً…خططاً كثيرة…خططاً جميلة جداً. أريد أن يسمعوها. أريد الاستماع إلى مقترحاتهم وآرائهم، لكن بالطبع لا لآخذ بها. في الواقع رأيهم لا يهمني. ليس الآن… ليس في هذا الوقت. في هذه الغرفة هناك رأي واحد فقط، هناك سيد واحد فقط، جمجمة واحدة فقط. أنا أشفق على وزير الخارجية، ووزير الدفاع… هه…سيكون أمامهم عمل كثير…كثير جداً… أعمال جميلة… جميلة جداً. لن أدعهم يناموا، لقد ناموا كفاية طيلة سنتي الرئاسيّة الأولى، أو على الأقل السبعة أشهر التي مضت منها…حسناً دعنا نراهم الآن.

……………………

…………………

الرئيس: حسناً أيها السادة، أرى أن نبدأ الآن، نحن تأخرنا اثنتي عشرة دقيقة بالضبط عن موعد اجتماعنا. أثنتا عشرة دقيقة ربما تكون المقدمة لتغيير العالم، لكن أطمئنوا لن أضيعها، سأضيف اثنتي عشرة دقيقة إلى الاجتماع، من يرغب بشرب القهوة يقوم بصبها الآن، هناك جدول أعمال حافل. لا أريد أن أضيعه في تفاصيل لا تعني هذا الجدول بشيء، هل هناك أي تعليق قبل أن نبدأ.

وزير الخارجية اوغوستو دي الميدا: ربما هناك تفصيل، لا يبدو لي مهما مثل بنود جدول الأعمال، لكنه كان السبب الرئيسي في تأخيري. لقد حصل انقلاب في دولة ناميبيا منذ ساعة أو أكثر قليلاً. أطيح فيه بحكومة الرئيس اليساري الدكتور ايمانويل مانغالا الذي تم إعدامه على يد العسكريين الذين قادوا الانقلاب.

الرئيس ويتمان: هل لنا أي ضلع في هذا الانقلاب؟ نعم، لا، نعم، حسناً أنا أعرف هو يحمل توقيعنا ويشير إلينا، كما يبدو. هؤلاء اليساريين ناشروا الرذيلة في هذا العالم… ماذا كان اسمه مانغالا…! اسمه لا يشبه أسماءنا…! على كل حال لا أريد تثقيل ذاكرتي بتذكّر اسمه … لكن، قل لي أين تقع هذه الدولة التي ذكرت اسمها؟ هل هي قريبة منا؟

وزير الخارجية دي الميدا: لا يا سيدي هي في افريقيا…دولة صغيرة..

الرئيس ويتمان: افريقيا نعم أعرفها…قارة جميلة… جميلة جداً، فيها أدغال كثيرة وحيوان الخرتيت وجميع سكانها افريقيين. ذكّرني بها عندما ننتهي من الاجتماع، ربما نحتاج لها… هل هي قارة كبيرة؟ لا عليك سنعرف هذا بعد نهاية الاجتماع. الآن ليتفضل السيد مستشار الأمن القومي بعرض أسباب دعوتي لكم لحضور هذا الاجتماع.

مستشار الأمن القومي: أيّها السادة، تعلمون أنَّ قضية التغيّر المناخي أصبحت هي المسيطرة على عقولنا وجداول أعمالنا في العقود الثلاثة الأخيرة التي مضت، وبأنَّ ذوبان جليد القطب الشمالي يتسارع يوماً بعد يوم. في ظرف مئة سنة لن يكون هناك أية مياه متجمدة في الشمال وهذا سيتيح لنا فرصاً أفضل لاستخراج النفط الذي اكتشفنا كميات كبيرة منه هناك، بالإضافة الى المعادن النادرة، تشير التقديرات الأولية إلى أنَّ هناك ما يقرب من خمسين تريليون دولار كقيمة فقط للمعادن النادرة. يتقاسم القطب الآن، حسب القانون الدولي الذي لا نكترث به بالطبع، ثمان دول هي روسيا وكندا والنرويج والسويد وفنلندا وإيسلندا والولايات المتحدة والدانمارك عبر جزيرة غرينلاند، لكن حصّة الولايات المتحدة هي الأقل على الاطلاق، وأكبر الحصص هي لروسيا، بما يقارب الثلثين… هكذا تم تقسيم مناطق النفوذ، هناك في القطب منذ مئة عام تقريباً. لقد استطاعت روسيا بناء واحد وخمسين بارجة محطمة للجليد، في حين أننا لا نملك إلّا واحدة، ولقد لاحظنا مؤخراً أنَّ الصين قد حولت الكثير من خطوطها الملاحية التي كانت تمر في المحيط الهندي ومنها إلى السويس للوصول إلى أوروبا… حولتها إلى المحيط المتجمد الشمالي الذي أصبح أكثر دفئاً، وبالتالي أسهل للملاحة، اختصاراً للوقت بنسبة الثلث تقريبا، لقد تم بناء ميناءين ضخمين على بحر آزوف في روسيا لاستقبال السفن الصينية، لكننا نملك شكوكاً ضخمة في أنَّ السبب الرئيسي ليس اختصار الوقت بالدرجة الأولى، بل الوصول إلى مناطق النفوذ الخاصة بالدول الأوروبية للاستيلاء عليها… ليس غداً طبعاً، لكن في ظرف عقدين أو ثلاثة… ما أريد قوله الآن، إن هدفنا يتمثل بإحباط تلك المحاولات والاستيلاء على مناطق الأوروبيين، ولذلك سنرسل مجموعات من السفن توازي تشكيل أسطول بحري، يكون كفيلاً بطرد الأوروبيين وإنجاز الهدف…

أتمّ المستشار كلامه متوجهاً للجميع فيما إذا كان أي واحد منهم لديه تساؤلاً أو استفساراً أو رأياً؟

عقد الرئيس ويتمان أصابع يديه على الطاولة مستنداً بمرفقيه على حافتها، مدّ يده إلى جيبه منتزعاً منديلاً مطرّزاً عليه الحرفين: (ألف) و (راء)، وتمخط به ثم مسح بقع القهوة التي أسالها على الطاولة، رافعاً حاجبيه بسأم من التفاصيل التي قدمها مستشار الأمن القومي، ثم رفع يده بحركة مفاجئة لفتت انتباه الحضور. تجمّدت الكلمات على فم مستشار الأمن القومي، وهز رأسه بإماءة خفيفة يعني بها استغرابه…! أعاد الرئيس ويتمان المنديل المطرّز إلى جيبه ،ونهض واضعاً يديه في جيبي سرواله متمشياً بخطى وئيدة في الغرفة، تعمّد فيها أن يلفت انتباه الحضور أكثر، وقال: خطتي بسيطة أيّها السادة سنرسل حاملة الطائرات يو أس أس فورد، وحاملة الطائرات يو أس أس كنيدي، وحاملة الطائرات يو أس أس باتون، والبارجة يو أس أس غرانت، والبارجة يو أس أس مارشال، وأربعة أو خمسة طرادات جميلة، وثلاث غواصات أو أربع أكثر جمالاً إلى هذه المنطقة الرائعة… سوف نرفع علمنا على كل الأراضي هناك ونطلق عليها اسم ويتمانيا… هو عصر جديد يبدأ…أريد أن  أسميها باسمي لتتذكر أميركا دوماً أنني من أضاف أراض جديدة إلى أراضيها.

مستشار الأمن القومي متنحنحاً: لكن لا يوجد أية أراض هناك يا سيدي الرئيس…هو مجرد ماء، أعني هو جزء من المحيط الشمالي، جليد يمكن أن يذوب في أي وقت…ليس أكثر ولا أقل…!!

الرئيس ويتمان: إذاً، سنسميه بحر ويتمان… ما رأيكم؟

تنحنح الحضور، لكن الوزير دي ألميدا كان الأسرع في فهم ما يحدث، معقباً:

هو اسم جميل، جميل جداً يا سيدي الرئيس. ردّ الرئيس بابتسامة رافعاً إبهامه إلى الأعلى، وصفّق بيديه صفقتين تشيران إلى حسمه مسألة الاسم، وما تبقى مجرد تفاصيل تحل لاحقاً. توجه إلى النافذة متأملاً الأمطار التي تهطل بقوة. مسح ضباب أنفاسه العالق على زجاج النافذة، فيما كان الجميع ينتظر أن يمنحهم الفرصة للتعليق على التفاصيل، لكن بدا أنَّ هذا لا يعنيه. هو يحب أن يرى الصورة بكاملها، لم يقترب من أية لوحة في حياته للاطلاع على تفاصيلها، أو تفاصيل ألوانها أو إضاءتها، هو يحب أن يرى العالم كما يريد، وليس كما هو حقيقة… هذا يسبب له اضطراب المعدة في وقت حرج، لأنَّ موعد طعامه سيحين بعد قليل، ومن الأرجح وكما هي عادته سيطلب من المطبخ شطيرة هامبرغر عملاقة بحجم قدم فيل، لكن مهلاً… هناك شيء آخر كان يفكر به في الصباح… لقد شاهد فيلماً الليلة الماضية… فيلماً وثائقياً عن أصل القمر.

 استرسل الرئيس في الشرح: يكشف الفيلم بأنّ القمر كان جزءً من كوكب الأرض، انفصل وتكون بعد اصطدام الكوكب ثيا بكوكب الأرض، حيث الشظايا والصخور المتطايرة في الفضاء، والعالقة في جاذبية الأرض وتدور معها وعبر ملايين السنين اندمجت في جسم واحد وشكّلت القمر. فإذا كان القمر هو جزء من الأرض فهذا يعني أنه يحتوي على كل المعادن الموجودة على كوكب الأرض… كل المعادن اللازمة لتكون هذه الامة الأقوى على وجه الارض للألف عام القادمة.

وكمن اكتشف كنزاً اسطورياً، تابع الرئيس بصوت حازم: يجب أن نأخذ القمر. يجب أن نبني مستعمرات دائمة هناك، معامل، مصانع، مدن كاملة مغطاة بقباب زجاجية تحميها، مدارس، دور سينما، مطاعم ومنتجعات يمكن أن تأخذ اسم “ريفيرا ويتمان”.

هذا ما رآه الرئيس في الفيلم الوثائقي، وما رآه بعد الفيلم وتخيله… نظر إلى أعضاء مجلس الأمن القومي الذي بدا عليهم حالة من الانخطاف العقلي والنفسي، قائلاً:

أريد أن تبنوا لي أسطولاً فضائياً جميلاً، أجمل أسطول فضائي، أجمل من تلك المركبات الفضائية التي رأيتها في أفلام حروب النجمة، أجمل أسطول ومركبات تراها العين…

سنذهب لاحتلال القمر.

حيدر كاتبة

كاتب سوري

‫2 تعليقات

  1. ليته يذهب القمر في رحلة لا عودة فيها…. لربما تهدأ الأمور بعض الشيء في الأرض…..ولكن وماذا بعدها… يا خوفي من ديكتاتور ارضي جديد اشرس…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق