جماليات

شاف…وغشي

أمثال من تحت الزنار!

 

تحذير للقراء ذوي الحساسية المفرطة

كتاب “شاف… وغشي” في طبعة ثانية

صدرت الطبعة الأولى من كتابي ” شاف… وغشي: أمثال من تحت الزنار” سنة 2013، فأحدث ضجة لم يعرفها أي من مؤلفاتي الأخرى. ومع أني كنتُ أخشى حدوث ردة فعل قانونية وإعلامية آنذاك إلا أن شيئاً من تلك الهواجس لم يقع، علماً بأن الكتاب شارك في عدد من معارض الكتب في بعض العواصم والمدن العربية. ويبدو لي أن الرقباء (وهم متشددون جداً في العادة) أفسحوا له المجال: إما لأنهم لم يستوعبوا حساسية ما جاء فيه، أو لأنهم باتوا متسامحين أكثر من المتوقع تجاه موضوعات تخترق الخطوط الحمر على مستوى الجرأة في استخدام المفردات… طالما أنها لا تمس محرمات الدين والسلطة!

أثار كتاب “شاف… وغشي” اهتمام قطاع واسع من الناس على مختلف مشاربهم. وساعد في الترويج له حوار تلفزيوني أجراه معي الدكتور محمد القواص إستغرق ساعة كاملة وبثته محطة تلفزيون ANB في لندن بعد أسابيع على صدور الكتاب. وشكل ذلك الحوار الذكي، الذي “تحايل” على المفردات الجريئة والأمثال الإباحية، فاتحة تعامل مع عشرات من الذين شاهدوا البرنامج، ثم قرأوا الكتاب، ثم باشروا النقاش معي عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي.

طبعاً كان هناك معترضون، ينطلق قسم منهم من خلفيات دينية بينما القسم الآخر يأسف لضياع الوقت في جهد “لا يقدم ولا يؤخر”، حسب تعبير أحدهم. غير أن الغالبية أعربت عن إعجابها، وأظهرت ذلك من خلال خطوات يمكن إيجازها في التالي:

1 ـ تصحيح بعض الأمثال، وذكر التنويعات المحلية لها.

2 ـ إعطاء معلومات مختلفة وإيضاحات إضافية.

3 ـ تزويدي بأمثال جديدة لم أكن قد سمعتها من قبل.

4 ـ الإشارة إلى كتب عن الأمثال كنتُ أجهل وجودها.

5 ـ تكرّم عدد من القراء بإرسال نسخ من كتب الأمثال الموجودة لديهم.

وهذا ما ساعدني في إعداد الطبعة الجديدة الصادرة عن “دار كتب” في بيروت بعد إضافة مئات الأمثال للطبعة الأولى. 

الأمثال الشعبية العامية صورة صادقة لأوضاع الناس في كافة شؤونهم الاعتيادية. والحياة اليومية هي المصدر الأصلي للأمثال الشعبية التي تأتي في سياق الأحداث الاستثنائية أو العادية. ولأن المثل يصدر عفوياً ومن دون إعمال للفكر، فمن الطبيعي أن ترد على ألسنة العامة تعابير لا تلتزم بالمعايير الأخلاقية المتعارف عليها في المجتمع. ويمكننا القول إن هناك “ثقافتين” تسريان جنباً إلى جنب بين الناس: ثقافة العامة وثقافة النخبة. لكن من دون أن يعني ذلك وجود حواجز قطعية فاصلة بين الثقافتين.

وقد عبّر أنيس فريحة عن هذا الافتراق بقوله: “وفي الجهة الثانية نجد نظرة تختلف تمام الاختلاف عن هذه النظرة الرسمية، هي النظرة الشعبية البريئة التي تنسجم مع الطبيعة البشرية التي تسعى دوماً إلى الانعتاق والانفلات من القيود الاجتماعية الثقيلة إلى أجواء رحبة تعبق بالضحك والمزاح واللعب”. وسمعنا شخصياً من بعض الباحثين عبارات مثل “أدب التشاقيع” (الشتائم) أو “الأدب المراحيضي” لوصف الكتابات (ومن بينها الأمثال الشعبية) التي تتعمد خرق المحرمات الدينية والأخلاقية.

لكن كيف تعاطى الرواة والباحثون والمصنفون مع الأمثال غير الملتزمة بالأعراف الأخلاقية السائدة، أمثال يمكن أن نطلق عليها أياً من الصفات التالية: نابية، جريئة، إباحية، مبتذلة، بذيئة، فضائحية…إلخ؟

سنأخذ الميداني (القرن الثاني عشر للميلاد) في “مجمع الأمثال” نموذجاً للرواة والمصنفين التقليديين، فهو لم يتورع عن إيراد كل الأمثال البذيئة بحذافيرها الكاملة. بل نراه يسجل قصص الأمثال وأحداثها بمفردات لا تلتزم بأية محرمات أخلاقية أو اجتماعية.

ثم نأتي إلى الحسن اليوسي، وهو من علماء المغرب في القرن السابع عشر للميلاد، فنراه يتجنب تلك الأمثال ويبتعد قدر الإمكان عن القصص الإباحية المرتبطة بها. غير أنه يذكر حديثاً لابن عباس يمكن أن يُفهم منه جواز استخدام الكلام المكشوف في حال عدم وجود نساء: “إن الرفث المنهي عنه ما خوطبت به المرأة، فأما إذا تكلم بشيء ولا امرأة ثمّ تسمع فلا رفث”.

وبينما كان اليوسي يكرر ما سبقه إليه الميداني والأصفهاني والعسكري والثعالبي من علماء القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد، متجاهلاً أن اللغة العربية آنذاك كانت قد أصبحت عملياً لغتين: واحدة للكتابة وأخرى للكلام، أي واحدة فصحى وأخرى عامية تختلف ما بين مشرق العالم العربي ومغربه… كان المؤلف المصري شرف الدين بن أسد الذي عاش في القرن الثامن للهجرة (توفي 738هـ/1339م) قد سبقه إلى التركيز على العامية المصرية، واضعاً مجموعة من المصنفات أكثرها نوادر وأمثال من الحياة الاجتماعية في القرن الرابع عشر للميلاد.

أما بيركهارت (توفي في القاهرة سنة 1817)، فقد أورد عدة أمثال بذيئة جداً مع شروح لها بالإنكليزية. واللافت أن الرقابة الذاتية شملت الترجمة الإنكليزية أكثر منها النص العربي. ومع ذلك نراه يقول: “ومن بين هذه، عمد المترجم (أي بيركهارت) إلى حذف عدد لا بأس به، غالبيتها غير مثير للاهتمام، وأخرى غير مناسبة بالمطلق بحيث لا يجرؤ على وضعها أمام القراء على رغم اعترافه بأنها رائعة الطرافة”. ثم يضيف في مكان آخر من الكتاب: “وهناك العديد من الأمثال الأخرى التي لا يمكن تهذيبها، ولم توضع في هذه المجموعة، مع أنها تستعمل دائماً من قبل عُلية القوم حتى في حضور النسوة الفاضلات والمحترمات”.

ومن أبرز الباحثين المعاصرين الذين درسوا الأمثال العامية في سياق الاهتمام بالآداب الشعبية (الفولكلور) الدكتور أنيس فريحة الذي يقول: “فإننا استنكفنا عن ذكر الفكاهة أو النكتة البذيئة (الشيء نفسه طبقه فريحة على الأمثال) إشفاقاً على الذوق العام الذي قد ينكرها اليوم، أو خوفاً من المراقب الذي لا يسمح بنشرها، وهذا أمر يؤسف له كثيراً لأن أجمل الفكاهات وأحسن النكات ـ بالنسبة لتعريفهما ـ هي التي نستنكف عن نشرها، ولكننا في مجالسنا الخاصة نتندر بها ونفكه بها غيرنا”. ثم يضيف: “…فإن من أول المواضيع التي يأنس إليها الناس رجالاً ونساء موضوع الجنس والعلاقات الجنسية، والقصص والفكاهات التي تدور حولها. فإنها نوع من الإغراء السيكولوجي الذي يدعو السامع إلى الاشتراك في وقائع القصة أو حوادث الفكاهة”.

وقد فرض فريحة الرقابة على نفسه في كتابه الصادر بالإنكليزية “معجم الأمثال اللبنانية الحديثة”، فعمد إلى إهمال الكلمات النابية ليضع مكانها كلمات بين هلالين.

ونكتفي أخيراً بذكر ما قاله محمد الراوي في كتابه “موسوعة الأمثال الشعبية في الوطن العربي” نقلاً عن العالم السويدي كارل باكستروم من أن أهمية الأمثال تكمن في أنها “تستقبح الأمثال الرذيلة وتعلي من شأن الفضيلة”. ومن ثم يضيف رأيه الخاص بالأمثال الشعبية التي هي “في مضمونها العام تملك تأثيرات سيئة تلحق ضرراً بالفكر الإنساني وفي طبيعة العلاقة بين الناس لأنها تعبّر عن نظرتهم للأمور التي بنت نظرتها إليها [؟] كحكم حاسم منذ عصور الانحطاط”.

وبحجة “عدم خدش الحياء”، وبهدف “إسقاط الفاحش من التراث”، فرض معظم الباحثين والمصنفين حصاراً شديداً على الأمثال العامية الجريئة. وفي أفضل الأحوال، عمدوا إلى التبديل والتعديل من أجل “تهذيب” تراث شعبي منتشر على نطاق واسع بين مختلف طبقات المجتمع. وكما لاحظنا في ما سبق، فإن عبارات بيركهارت وفريحة تؤكد على أن تلك الأمثال كانت مستعملة حتى في المجتمعات التي تحضرها النساء، في حين يتقبلها اليوسي ما لم تكن هناك نساء!!

إن الأمثال الجريئة، بغالبيتها العظمى، ليست مجرد “كلام فاحش” يُراد به الإساءة المعنوية للآخرين. صحيح أن بعضها يدخل في باب الشتم والهجاء كما سنرى لاحقاً، وبعضها الآخر مجرد عبارات وصفية لا تقدم ولا تؤخر، غير أن مجموعها يعكس نظرة المجتمع إلى الجسد ووظائفه، وإلى المرأة ودورها، وإلى العلاقات الجنسية وتعقيداتها. وفي حال قيامنا بتصنيف الأمثال الجريئة حسب موضوعاتها، وأخضعناها لدراسات اجتماعية نفسية معمقة، فسوف نخرج بنتائج مذهلة في أبعادها الثقافية.

افتح: مقابلة مع أحمد أصفهاني حول كتاب: شاف … شي

 

أحمد أصفهاني

باحث وكاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق