مقدمة: من الدولة الوطنية إلى ما دون المجتمع
شهد المشرق العربي خلال العقود الأخيرة زلزالاً تاريخيًا أزاح أنظمة وحكومات، وخلخل الجيوش والمؤسسات الوطنية التي بُنيت في ظلال دول سايكس بيكو بعد الحربين العالميتين. لم يكن التحدي فقط في تقسيم الأرض، بل في محاولة خلق وعي وطني موحّد لكل كيان على حدة، من لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى الأردن وفلسطين.
لكن هذا البناء الوطني الهشّ لم يصمد طويلًا أمام العواصف الكبرى: قيام كيان العدو واستيطانه وحروبه، الحرب اللبنانية والانقسامات المستدامة ، الاحتلال الأميركي للعراق، الحرب السورية ، عجز الدولة الأردنية، حصار فلسطين وحرب الإبادة في غزة، ضرب المقاومة في لبنان واسقاط النظام في الشام… ومع كل انكسار، تراجعت الهويّة الجامعة من مستوى “الدولة الوطنية”، إلى “الطائفة”، ثم إلى “العشيرة”، و”الزعيم المحلي” – الفرد، الذي تمثله معادلات القوة والسلاح والولاء الخارجي.
هنا، تبدأ المرحلة الأخطر: هندسة جديدة لسورية الطبيعية تقوم على العشائر والطوائف والمناطق، مدعومة من قوى استخباراتية إقليمية ودولية، تسعى لتفكيك ما تبقّى من وجدان اجتماعي مشترك.
في مقابل هذه الهندسة الجديدة، يغيب أي مشروع نهضوي جامع، باستثناء محاولة متجددة لإحياء وعي قومي اجتماعي حديث، قادر على تجاوز التشرذم والانقسام، وإعادة تأسيس مفهوم المجتمع والدولة من جديد.
القسم الأول: من تفكيك سايكس بيكو السياسي إلى إعادة البناء العشائري
- تقسيم سايكس بيكو: سياسة الأرض وتقسيم الولاءات
تشكّلت دول المشرق العربي (سوريا-الشام، لبنان، العراق، الأردن، فلسطين) وفق اتفاق سايكس – بيكو، كترسيم جيوسياسي لحدود الانتداب الفرنسي – البريطاني، وتقسيم لكل منطقة انتداب الى اكثر من كيان. هذا التقسيم لم يكن مجرّد خطوط على خريطة، بل محاولة لإنتاج “هويّات وطنية” مفصولة عن بعضها، مرتبطة بعواصم جديدة (دمشق، بيروت، بغداد، عمّان، القدس)، بدلًا من أن تكون امتدادات طبيعية لحضارة واحدة متكاملة.
نجحت التجربة لفترة، خصوصًا مع بروز حركات استقلال، وتأسيس جيوش وطنية ومؤسسات رسمية. لكن ومع نهاية القرن العشرين، تهاوت هذه الكيانات تحت وطأة الانقلابات، والحروب الأهلية، والتدخلات الخارجية.
- بداية تفكيك دول سايكس بيكو: الطائفة كبديل للدولة
مع دخول الحرب الأهلية اللبنانية، والحرب العراقية – الإيرانية، واحتلال العراق، والحرب السورية، بدأت تتكرّس ظاهرة “الطائفة السياسية”.
في لبنان، تقاسم الطوائف السلطة والثروة. في العراق، تم توزيع الوزارات على أسس مذهبية. في سوريا، طُبعت المعركة بطابع علوي – سني – كردي.
الطائفة لم تعد فقط كيانًا اجتماعيًا أو دينيًا، بل أصبحت إطارًا سياسيًا أمنيًا – له سلاحه، وإعلامه، وزعيمه، وامتداده الخارجي.
- المرحلة الأخيرة: العشيرة كأداة ذكية لإعادة التشكيل
مع انهيار الجيش السوري كعمود للدولة في الشام، وتهشيم الجيش العراقي، برزت العشيرة كـ”كيان تعبئة بديل”.
صارت العشائر تُستخدم كأذرع أمنية – سياسية، توزّع فيها المخابرات الأجنبية ولاءاتها وسلاحها ومالها. فكل من تركيا، أميركا، بريطانيا، إسرائيل، إيران، والسعودية تمتلك اليوم “أذرع عشائرية” في الميدان، تتقاتل أو تتحالف وفق موازين المصالح لا وفق مصلحة المنطقة أو شعبها.
وفي ظل غياب مشروع وطني جامع أو مجتمع متماسك، صارت العشيرة والطائفة أدوات التفكيك الذكي، بدل أن تكون روافد المجتمع.
القسم الثاني: خريطة العشائر وصراعات الولاء – من الهلال الخصيب إلى شمال الجزيرة العربية
2.1 خريطة الامتداد العشائري في بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية
سوريا-الشام: من دولة إلى ميدان مفتوح للعشائر
تشكل العشائر في الجمهورية العربية السورية ما بين 35–40% من السكان، وتتوزع خصوصًا في:
- الجزيرة السورية: دير الزور، الرقة، الحسكة
- المنطقة الشرقية – الجنوبية: ريف حمص، البادية، تدمر، القلمون
- الجنوب: ريف درعا الشرقي، منطقة اللجاة، شرق السويداء
- شمال حلب وإدلب: مناطق النفوذ التركي
العشائر الكبرى: العقيدات، البكارة، الجبور، طي، شمر، الولدة، عنزة، بني خالد، الحريثات…
تحوّلت هذه العشائر إلى “بيئة تجنيد واختراق” منذ سقوط الجيش السوري كضامن وطني. ودخلت في تحالفات مع:
- أميركا: من خلال قسد والمجالس العسكرية شرق الفرات
- تركيا: من خلال فصائل المعارضة المرتبطة بالاستخبارات التركية
- بريطانيا: في الجنوب، من خلال مشروع الجبهة الجنوبية، والارتباط مع دروز السويداء
- السعودية: بدعم غير مباشر لعشائر دير الزور وريف درعا، حاليًا مع تقارب نحو أحمد الشرع
- إسرائيل: عبر دعم غير مباشر للبيئة العشائرية الحيادية أو المناوئة لإيران وحزب الله
- إيران: عبر استمالة عشائر في البوكمال والميادين والجنوب، لكنها بقيت ضعيفة عشائريًا
العراق: بين الدولة العشائرية، والفوضى العشائرية
يشكل أبناء العشائر قرابة 60% من السكان في العراق، وتتوزع في:
- الجنوب الشيعي: بني مالك، بني تميم، خفاجة، شمر – معظمهم في ولاء مع الحشد الشعبي
- المثلث السني: الأنبار، صلاح الدين، الموصل – عنزة، الدليم، العبيد – شبكة علاقات قوية مع السعودية وتركيا
- شمال العراق: العشائر الكردية بقيادة بارزاني وطالباني – تحالفات مع الغرب وإسرائيل
الدولة في العراق لم تُلغِ العشيرة، بل أقامت سلطتها على توازن دقيق معها، ولكن بعد الاحتلال الأميركي، تفكك هذا التوازن، وصارت العشيرة وسيلة نفوذ إيراني أو سعودي أو أميركي – وفق الجغرافيا.
الأردن: العشيرة كوحدة متحالفة مع الدولة، حتى اشعار آخر
عشائر الأردن تشكل ما لا يقل عن 55–60% من السكان. أهمها: بني حسن، بني صخر، الحويطات، العبادي، الدعجة، المجالي، العجارمة…
تاريخيًا، ارتكز النظام الهاشمي على تحالف متين مع العشائر، التي شكلت عماد الجيش والأمن. لكن التحديات الاقتصادية الأخيرة، وتراجع الدعم الخليجي، سمح بنمو التيارات السلفية، والإخوانية، وحتى تقاطع محدود مع عشائر سورية جنوبية. أي تفكك في النظام، قد يحوّل العشائر إلى “وحدات حكم محلية مسلحة”.
لبنان: عشائر صغيرة… لكن عصب مذهبي يؤدي نفس الوظيفة
العشائر في لبنان محدودة نسبيًا، حوالي 7–10% من السكان، وتنتشر أساسًا في:
- البقاع (آل زعيتر، شمص، جعافرة، المقداد، عسكر)
- عكار (المصري، شحادة، عبدو…)
- الجنوب (آل شرف الدين، بعض الفروع من بني هاشم)
- بعض الامتدادات الدرزية في الجبل
لكن الأخطر ليس العشيرة التقليدية، بل “الطائفة المقاتلة”:
- شيعة ↔ حزب الله وأمل؛
- سنة ↔ تيارات مسلحة في عكار وصيدا؛
- دروز ↔ الفصائل الجبلية؛
- مسيحيون ↔ قوات وفصائل محلية.
وهنا تلعب الطائفة نفس دور العشيرة: وحدة انتماء، وزعامة، وتعبئة، وسلاح، وإعلام، وعلاقة مع الخارج.
فلسطين: العائلة الكبيرة بدل العشيرة، و”الحمولة” كوحدة أمنية
في فلسطين، لا يوجد عشائر تقليدية بالمعنى البدوي، بل هناك “الحمائل” (عائلات موسعة) مثل:
- في نابلس: آل المصري، آل شقير، آل تميم
- في الخليل: الجعبري، أبو سنينة، النتشة
- في غزة: آل شملخ، أبو شعبان، أبو راس…
تُستخدم هذه الحمائل في حل بعض النزاعات، وفي التعيينات، والوساطات، ولكن لم تتحول إلى أدوات صراع خارجي مباشر.
إلا أن التهديد يكمن في تنامي فصائل مسلحة ضمن هذه العائلات، ووجود محاولات تسليح متبادل من أطراف “إسرائيلية” أو عربية لتعزيز الانقسام.
شمال السعودية: الامتداد العشائري المتداخل مع الشام والعراق
- عشائر شمال السعودية (الشرارات، عنزة، شمر، الحويطات، الرولة) على تماس تاريخي مع عشائر سوريا والعراق
- تشكّل جسور تواصل استخباري – قبلي
- السعودية استخدمت هذه الشبكات في إعادة النفوذ داخل دير الزور، السويداء، وحتى جنوب سوريا
2.2 العشيرة مقابل الطائفة: من الأقوى في التفكيك؟
في مقارنة تأثير الطائفة مقابل العشيرة كعامل تفكيك في المجتمع، نجد ما يلي:
الولاء:
في العشيرة: شخصي – دموي – عائلي
في الطائفة: مذهبي – ديني – تاريخي
السلاح:
في العشيرة: تقليدي – محلي – مرن
في الطائفة: أكثر تنظيمًا – أيديولوجي – خارجي الدعم
الزعيم:
في العشيرة: شيخ أو نافذ محلي – غالبًا غير أيديولوجي
في الطائفة: زعيم ديني – سياسي – أكثر ارتباطًا بحزب أو دولة
سهولة الاختراق:
في العشيرة: عالية – عبر المال أو الخدمات
في الطائفة: متوسطة – بسبب الانضباط العقائدي أو الحزبي
الدور الإقليمي
في العشيرة: في سوريا والعراق والأردن وشمال السعودية
في الطائفة: في لبنان والعراق وفلسطين
الاستنتاج:
في حال تفكك الجيوش الوطنية، تصبح العشيرة أكثر مرونة في التموضع، وأسهل في الاستخدام كأداة تدخل خارجي ذكية.
2.3 صراع أجهزة المخابرات العالمية والاقليمية على العشائر السورية
الولايات المتحدة:
- تخترق العشائر من خلال قسد شرق سوريا
- تغذي مشروع “قوات عشائرية منزوعة الأيديولوجيا” لضمان استقرار حيوي للمصالح الأميركية
تركيا:
- تسيطر على فصائل عشائرية في الشمال السوري، وامتدادات في درع الفرات وغصن الزيتون
- تلعب على الحنين السني – العثماني في بعض العشائر
بريطانيا:
- فاعلة بشكل كبير في الجنوب السوري والبادية، وتركز على اختراق دروز السويداء أيضًا
- مشروعها يرتكز على تشكيل مجال نفوذ يمتد من درعا إلى السويداء إلى التنف، ويتقاطع مع الطموحات الصهيونية.
السعودية:
- تعتمد على امتدادات عشائرية في دير الزور ودرعا والسويداء
- دعمت “أحمد الشرع” لخلق نموذج عشائري سني معتدل – مضاد لإيران لكنه لا يصطدم بإسرائيل
إسرائيل:
- تلعب دورًا غير مباشر، عبر أدوات بريطانية – درزية – وبعض العشائر السُنية
- تستفيد من صراع العشائر والدروز لإضعاف الجنوب السوري
إيران:
- ضعيفة في اختراق العشائر السنية، لكنها متوغلة في شبكات شيعية عراقية وسورية
- ترد عبر الحشد الشعبي، وفصائل محلية، وعلاقات عائلية شيعية
2.4 من الهندسة الطائفية إلى التفكيك العشائري
المرحلة الأولى من تفكيك المشرق العربي منذ احتلال العراق (2003–2015) قامت على الطائفية (سنة – شيعة – علويون – موارنة – دروز).
أما المرحلة الثانية (2020–2025) فتقوم على:
- تفكيك الطائفة إلى عشائر (تفكيك السُنة إلى عشائر مناطقية)
- تفكيك العشيرة نفسها إلى فصائل مسلحة بزعامة أمراء
- خلق بيئة نزاع داخلي دائم دون الحاجة إلى غزو مباشر
القسم الثالث: بين التفكك والنهضة – السيناريوهات الكبرى ومشروع الردّ القومي الاجتماعي
3.1 ثلاث سيناريوهات لمستقبل المشرق بعد تفكك الجيوش وتكريس العشائر
السيناريو الأول: نموذج “إدارة التفكك” – السيطرة عبر خطوط العشائر
هذا السيناريو هو المفضل لدى أجهزة الاستخبارات الغربية (خاصة البريطانية – الأميركية)، وتدعمه إسرائيل وبعض الأطراف الخليجية.
مواصفاته:
- لا توجد حاجة لإعادة احتلال أو إنشاء حكومات مركزية.
- المنطقة تُدار عبر:
- خطوط نفوذ عشائرية – مناطقية (كل منطقة لها شيخ أو أمير).
- دعم مالي محدود، وتسليح خفيف.
- تحفيز النزاعات الداخلية لإضعاف أي وعي قومي.
- نشر “سرديات الهوية الدنيا”: أنا ابن العشيرة، ابن القرية، ابن الطائفة.
الهدف الاستراتيجي:
تحويل الهلال الخصيب من “أرض دول” إلى “أرض نفوذ” تُدار بالتحكم غير المباشر – تمامًا كما كانت قبل سايكس – بيكو، ولكن باستخدام أدوات جديدة.
السيناريو الثاني: نموذج “العزل الأمني – العشائري” حول إسرائيل
هذا السيناريو مفضل لدى القيادة الإسرائيلية ويقوم على:
- إنشاء حزام تفكك حول حدود إسرائيل:
- جنوب سوريا-الشام: دروز السويداء + فصائل عشائرية درزية وسنية.
- جنوب لبنان: تفكيك حزب الله عبر ضرب سلاحه الثقيل، ثم إعادة تموضع العشائر الجنوبية و”المتحدات المتضررة”.
- شمال الأردن: محاولة جذب عشائر الحويطات وبني صخر وغيرها إلى مسارات سياسية منفصلة.
الغاية:
تجريد “أعداء إسرائيل” من عمقهم الاستراتيجي وتحويلهم إلى “مجتمعات تفكك داخلي” لا تشكل تهديدًا على الكيان الإسرائيلي، بل تتحول إلى صدى أمني له.
السيناريو الثالث: الفوضى المحكومة – تفجير داخلي طويل الأمد
هذا السيناريو “الوقائي”، يُستخدم عندما تفشل السيناريوهات السابقة.
خصائصه:
- تشجيع اشتباكات عشائرية – طائفية – مناطقية.
- منع بروز زعامات وطنية أو نخبوية.
- تقسيم القوى السياسية وتشظيتها، واستنزاف البنى التعليمية والإدارية.
- تسويق وتجميل مجرد “العودة إلى الحياة اليومية” بدل الانخراط في أي مشروع نهضوي.
أمثلة ميدانية:
- لبنان: انهيار شامل، لكن مدروس؛ انهيار الليرة دون حلول؛ تعزيز السلاح الفردي، وشلل الدولة.
- سوريا: إبقاء الجنوب – الشرق – الشمال بلا جيش وطني حقيقي.
- العراق: حصر القرار بين طهران وواشنطن من خلال الميليشيات المتصارعة.
3.2 مأزق الوعي: من المشروع القومي إلى عقلية العشيرة
قبل 2011:
- كانت كل من سوريا، العراق، لبنان، والأردن تُدار في ظل “الكيانات الوطنية” التي رغم ضعفها، حافظت على فكرة الدولة، والمدرسة، والجيش، والإعلام الوطني.
- كان المواطن يرى نفسه “سوريًا”، “لبنانيًا”، “عراقيًا”، “فلسطينيًا”، ضمن حدود سايكس – بيكو.
بعد 2020:
- تراجع الانتماء الوطني إلى ما دون الدولة.
- طغت “العشيرة”، و”القرابة”، و”الزعيم المحلي”، و”المنفعة الفئوية”.
- لم يعد المواطن ابن الدولة، بل ابن الخيمة أو الفصيل أو الحارة أو العشيرة أو الفخذ.
المخاطر:
- تفكك الوجدان الاجتماعي.
- احتضار المشروع القومي التقليدي وخطر عدم قيام مشروع قومي حديث بديلاً عنه.
- فقدان الأجيال الجديدة لأي تصور عن “مجتمع موحد” أو “دولة حديثة”.
3.3 المشروع القومي الاجتماعي الحديث: الردّ الاستراتيجي الضروري
هنا يُطرح السؤال الجوهري:
كيف نواجه مشروع التفكيك العشائري – الطائفي؟ وما هو الرد الفكري – السياسي – التنظيمي؟
القاعدة الفكرية:
- الهوية القومية الاجتماعية: لا تقوم على الطائفة أو العشيرة، بل على وحدة المجتمع – الأرض – التاريخ – المصير.
- سورية الطبيعية كوطن نهائي: تلغي الحدود الكيانية الزائفة، لكن لا تسقط الخصوصيات الاجتماعية.
- المجتمع فوق الأفراد والفئات: وعي اجتماعي يعيد ترتيب الانتماءات من الأدنى إلى الأعلى.
المقاربة العملية:
لتحقيق ذلك، لا بد من عمل منظم في عدة مجالات:
الوعي والهوية: حملات توعية، إنتاج ثقافي، شبكات تواصل تعيد تعريف المواطنية
الشباب والتعليم: برامج فكرية – قيادية – تكنولوجية للأجيال الجديدة
العشائر والطوائف: إعادة ربطها بالمصلحة الاجتماعية الوطنية – لا إلغاؤها
المجتمع المدني: خلق هيئات وجبهات غير حزبية تُجسد مشروع النهضة بشكل عملي
الإعلام والتقنيات: منصات مستقلة – إعلام نقدي – استراتيجيات تواصل مرنة
3.4 مناورات الصراع والمجال المفتوح للنهضة
رغم قوة المشاريع المعادية، إلا أن هناك مجالات للمناورة:
- فراغ الزعامات: بعد فشل الطائفية والعشائرية في تقديم بديل منقذ، يفتح الباب أمام مشروع جديد يملك تصورًا جامعًا.
- تعب الأجيال الجديدة: من التكرار، ومن فقدان الأمل، والركود الفكري.
- رغبة في المعنى والتأثير: غياب المشاريع جعل الناس تفتش عن “معنى” لوجودها وتأثير، يمكن أن يوفره المشروع القومي الاجتماعي.
- التحولات التقنية: تتيح أدوات جديدة لتشكيل الوعي، خارج الإعلام الرسمي أو المؤسسات التقليدية.
آفاق للنقاش
نحن أمام لحظة تاريخية: ليس فقط انهيار الدول، بل انهيار الوعي الاجتماعي نفسه.
ولأن المشاريع المعادية لا تُواجه بردود انفعالية أو نوستالجيا للماضي، بل بمشروع فكر – تنظيم – رؤية – استراتيجية، فإن المطلوب الآن هو:
- دعوة لنقاش فكري تنظيمي عميق
- إطار تأسيسي لوضع مشروع نهضوي قابل للتحقق
- دعوة إلى قراءة المرحلة بعيون عقلانية، وتجاوز ردود الفعل الفئوية وتتضمن:
- تشخيص المشهد الحالي: قراءة موضوعية لمسارات تفكك الدول، وانهيار الوعي الوطني.
- تحليل أدوات السيطرة الجديدة: العشيرة، الطائفة، الميليشيا، الاستخبارات، الاقتصاد التفتيتي، الإعلام.
- اقتراح مشروع بديل: فكرًا وتنظيمًا واستراتيجية، يُقدَّم للأجيال الجديدة بلغة العصر.
- إطلاق حوارات جديدة: بين المفكرين، المناضلين، والميدانيين من مختلف البيئات الوطنية.
ولا بد من أن نفتح مجالات السؤال الجريء والموضوعي في عدة محاور:
المحور الأول: التحليل السياسي – الاجتماعي
- ما هي طبيعة التحوّل من الدولة الوطنية إلى “العشيرة المدعومة استخباريًا”؟
- من يُدير الصراعات الطائفية – العشائرية؟ وما هي الخرائط الخفية لنفوذ القوى الخارجية؟
- كيف تغيّر الوعي الجمعي بعد 2011؟ وما هو موقع “الفكرة القومية” في هذا التفكك؟
المحور الثاني: النقد الفكري البنيوي
- هل أسقطت الأحداث نهائيًا فكرة الكيان الوطني؟
- كيف نفهم “سورية الطبيعية” اليوم؟ وهل يجب تجديد خطابها؟
- من القومي اليوم؟ وهل نحتاج إلى جيل قومي اجتماعي جديد، مختلف عن “التنظيم القديم”؟
المحور الثالث: التنظيم والاستراتيجية
- كيف نعيد بناء حركة قومية اجتماعية حديثة؟ ما هي بنيتها؟ كيف تعمل؟
- ما دور الشباب والمرأة في المشروع الجديد؟
- هل نبني جبهات واسعة؟ أم نُعيد تأسيس الحزب – التنظيم على أسس جديدة؟
- ماذا عن سرديات الإنشقاق والوحدة؟
المحور الرابع: التكنولوجيا والوعي البديل
- كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، والإعلام الجديد، والتقنيات الرقمية لتشكيل الوعي؟
- ما الفرق بين “الخطاب القومي” و”البراند الاجتماعي”؟ وكيف نحسم الصراع الرمزي؟
- هل يمكن بناء “شبكات فكرية اجتماعية” بديلة عن وسائل الإعلام الرسمية والحزبية؟
مواضيع أخرى:
- ما هي مواطن الضعف في المشروع القومي الاجتماعي القديم؟
- كيف يمكن إنتاج خطاب عقلاني، حديث، غير تبشيري ولا شعاري؟
- ما هي أولوية المشروع: الفكر أم التنظيم؟ القيادة أم القاعدة؟
- هل نعيد صياغة العقيدة؟ أم نعيد تفعيلها بلغة العصر؟
- من هم حلفاؤنا الجدد؟ وما موقعنا من الصراع الدولي على الهلال الخصيب؟
في الختام
إن التحدّي ليس فقط سياسيًا أو عسكريًا، بل حضاريًا – اجتماعيًا – ثقافيًا.
إما أن يُنتج هذا العصرُ مشروعًا نهضويًا جديدًا يعيد تعريف المجتمع ووحدته، أو أن تنجح “هندسة التفكيك” في دفن الفكرة القومية، إلى أمدٍ طويل.
ولذلك، فالكلمة الأولى والأخيرة، ستكون للفكر القادر على التنظيم.


