كنت تلميذة في الصف السابع يوم قالت رفيقتي في الصف: في بيت جيراننا طالب في الطب استأجر غرفة، يشرّح ضفدعاً. تعالوا تفرجوا على الضفدع الذي يشرّحه. مشيت إلى بيتها. كان في الانتظار إخوتها وأولاد جيرانها. ربما كنا عشرة. أدخلنا ابن جيرانها إلى غرفة الطالب وتزاحمنا حول طاولته.
- يشرّح ضفدعة؟
- هكذا يعلمونهم في الجامعة.
- يصيدون الضفادع كما يصيدون السمك.
كنا حول الطاولة نتأمل الضفدعة عندما عاد الطالب إلى غرفته. خفنا وتجمدنا في أمكنتنا. لكنه ابتسم. قال: تتفرجون على الضفدعة؟ هذا درس من الدروس في كلية الطب! لاحظت أن نظره حطّ عليّ. قال في إحدى رسائله، فيما بعد، إن شعري السبط الطويل أعجبه، إن عيني الواسعتين أذهلتاه، وإن.. وإن. وقد خمّنت ذلك من نظراته في تلك اللحظة.
كنت في الصف الحادي عشر عندما صادفته في الطريق. هل طار عقله؟ لاحظت أنه تبعني إلى بيتي. لم أبال به. لم أعد طفلة فاجأها في غرفته متسللة مع الأولاد! قلت لنفسي: إما أنه كالزعران يلحقون الفتيات في الطرقات، أو أنه شاب صالح يريد أن يعرف عنوان الفتاة التي أعجبته ليخطبها. لكنه طالب والطلاب لا يتزوجون. بعد أيام عرفت لماذا لحقني، عندما رأيته يطل من نافذة تلامس الطريق في بناء مقابلي.
صرت ألمحه في نافذته وأنا أتحدث مع بنات الجيران أمام الباب. فأعبس أو أهز كتفي كمن لا يبالي به. لحقني مرة في طريقي إلى المدرسة. اقترب مني وسألني: لماذا تخافين مني؟ التفتّ إليه: أنا أخاف منك؟ ولماذا أخاف منك؟ ومن أنت لأخاف منك؟ أسرعت وتركته ذاهلاً. خيل إليّ أنه سيختفي. ولم يتعسني ذلك. فما أكثر الشباب الذين يرمون علينا كلمات عذبة في طريق المدرسة!
لم أتصور أنه سيغرقني بفيض من الرسائل. صار يمشي ورائي على بعد خطوات، وعندما أكاد أدخل إلى البيت يرمي رسالة في مدخل البناء. يبدو أنه لم يتحمل مرة ما يريد أن يعبّر عنه، فانتزع صفحة من كتاب يحمله وكتب كلمات على هوامشها البيضاء ورماها. كادت تلامسني فدخلت مسرعة إلى البيت.
سمعت الجيران يسألون أمي: هل توجد في هذه البناية فتاة أخرى اسمها سلوى غير ابنتك؟ ردت أمي: لا. في الحارة كلها سلوى واحدة. قالوا لها: إذن خذي هذه الكومة من الرسائل التي جمعناها من مدخل البناء. واسألي الجيران فقد يكونوا جمعوا مثلها!
اختفى جاري طالب الطب. وانقطعت الرسائل. نجحت في البكالوريا، وقلت لأمي، وكانت تخيط ثوباً جديداً لي: أتمنى أن أصبح عالمة في وظائف الأنسجة. رفعت رأسها وقالت: لم أسمع بهذا الاختصاص. أفضل لك أن تتزوجي. طلبك طبيب شاب. أتعرفين من هو؟ قلت لها: لا أريد أن أعرف! أنت تريدين أن تقصفي عمري بالزواج! رفيقاتي في الصف سينتسبن إلى الجامعة. إذا لم يعجبك الاختصاص الذي ذكرته لك سأبحث عن اختصاص آخر. كأنها لم تسمعني. قالت: أخيط هذا الثوب كي تستقبلي به الخطيب. سألنا عن أهله وعرفنا أنهم أغنياء. طبيب والدنيا مفتوحة له. ماذا تريدين أفضل من ذلك؟ غضبت. وأعلنت أني لن أستقبل أي خطيب. أكدت لي أمي: قد لا يأتيك أفضل منه. وأكدت لها: ولماذا لا أكون أنا طبيبة والدنيا مفتوحة لي؟
تذكرت ذلك المحب عندما شرّحت أنا الضفادع خلال دراستي الطب. وابتسمت لنفسي وأنا أتذكر تلك الطفلة الذاهلة حول طاولة الطالب. وكأني فهمت سحر البراءة والشعر السبط والفضول الذي تعبّر عنه عينان واسعتان. وكأني فهمت ولَه الطبيب وأشفقت عليه. أمي أسفت عليه كمن ضيع كنزاً. قالت في أسى: تذكرين الطبيب صاحب الرسائل؟ صار وتصوّر، وهاهو الآن وزير قد الدنيا. ضيعت على نفسك فرصة ذهبية. ضيعت سيارة مرسيدس يقودها سائق، وضيعت على كل من أقاربك سيارة من أسطول السيارات الذي يحكمه. رفعت عيني إلى السماء وقلت لها ساخرة: الحمد لله لأني لم أسقط في ذلك الزواج فأصبح امرأة رجل مستملك يعمل في الليل والنهار، ومع ذلك لا يحبه الناس. ومن هو الوزير ياأمي؟ رجل مأمور. وأنا أفضّل الرجل الحر.
خلال دراسة الطب كنت موضوع ولَه آخر. سكن في الغرفة التي كان يسكن فيها طالب الطب ضابط وسيم. كنت أصادف سيارة تنقله في الصباح وأنا ذاهبة إلى الجامعة. وأصادفه أحياناً وأنا راجعة من دروسي. كان حقاً وسيماً يثير الإعجاب. وكأني لمحت في قلبي بداية حب له. ابتسم لي مرة وعندما أجبته بابتسامة حيّاني فرددت له التحية. ذات ليلة سمعته يصفّر أغنية من أغاني فيروز فيها لوعة وحب. وبما أنني ربما كنت الوحيدة الساهرة في الحي لأني أحضّر الامتحان، فهمت أن الصفير لي. مع ذلك أطفأت النور ومددت نفسي من النافذة. عدت باليقين، نعم هذا الصفير لي!
في الصباح قالت لي أمي: الحمد لله لأنك لم تتزوجي الطبيب صاحب الرسائل. وضع في السجن. يبدو أنه صاحب موقف سياسي، وليس صاحب رسائل فقط. لم أنشغل بما روت، لأني كنت مشغولة بالضابط الوسيم. صرت أحفظ وقت عودته من عمله وأقصد أن أكون مارة في ذلك الوقت أمام بيته. والآن أتساءل: هل أحببته؟ لماذا روّعني إذن أن أراه ذات يوم جالساً إلى أمي؟ قلت لها بعد انصرافه: لن أتزوجه! ردت علي: لم أقل بعد إنه طلبك! لكن لماذا ترفضينه؟ ضابط والمستقبل مفتوح له. وفوق ذلك يحبك. ألا تقدرين الشاب الذي يقصد أم محبوبته ليطلب ابنتها؟ قلت لها، ويالوقاحتي: كان يجب أن يصارحني قبل أن يصارحك، ليفهم هل أقبله أم أرفضه. لم أقل لها إني كنت أبادله التحية والابتسام، وكان يطربني صفيره، وأتبيّن اعترافاته بالحب من تلك الأغاني وأصنّفها واحدة، واحدة. فهذه للتعبير عن الشوق، وتلك للتعبير عن اللوعة، وهذه خفيفة تعبّر عن مزاج ذلك اليوم الذي تبادلنا فيه التحية عدة مرات حتى أثار ذلك ابتسامنا.
لا أعرف لماذا اختفى ذلك المحب الوسيم. فيما بعد عرفت أنه كان صاحب رأي في مسائل معقدة، وكان مندفعاً في التعبير عنه اندفاعه في الصفير لي.
كنت قد أصبحت في السنة الأخيرة من دراستي. وكانت أمي تكوي قميصي الأبيض يوم قالت لي: أتعرفين ماذا جرى لجارنا الوسيم؟ من حظك أنك رفضته. شارك في انقلاب فسجن. لابد أن رضاي عليك يحميك من المصائب. لكن هذا هو الموجود. بلادنا مجروفة بالعواصف. وإذا بقيت مصرة على رفض من يطلبك ستصبحين عانساً. قلت لها بوقاحة: أفضّل أن أكون عانساً على أن أكون أرملة!
حدث ذلك منذ زمن طويل. لم أصبح عانساً ولا أرملة. لكن مرت أحداث كثيرة. حولي اليوم كثير من العوانس لأن كثيراً من الشباب هاجروا من البلد، وكثير من الأرامل لأن كثيراً من الرجال استشهدوا.
———————————-
تنويه: ننشر هذا النص بموافقة مسبقة من السيدة الكاتبة وهو منشور على صفحتها الشخصيّة.


