جماليات

الفن رسالة الأمم ومنارتها

لا تُعرَف الأمم بما تنتجه من سلع وما تحققه من إنجازات مادية فحسب، بل بما تتركه من أثر في وجدان الإنسانية. والفن، في جوهره، هو ذلك الأثر الذي يحمل روح الأمة من جيل إلى جيل، ويقدّمها إلى العالم كما ترى نفسها، لا كما يريد الآخرون تصويرها. إنه ذاكرتها الحية، ولغتها التي تتجاوز الحدود، ومرآتها التي تنعكس عليها أفراحها، وآلامها، وانتصاراتها، وانكساراتها.

ففي الأغنية واللوحة والمسرح والسينما والأدب والرقص والعمارة، تختزن الشعوب تاريخها وتعبّر عن رؤيتها للحياة. وقد تضيع الوثائق أو تُحرَّف الروايات، لكن لحناً واحداً، أو لوحة صادقة، أو قصيدة نابعة من وجدان الجماعة، يستطيع أن يحفظ من حقيقة الأمة ما تعجز عن حفظه مجلدات كاملة. من هنا، لا يكون الفن ترفاً هامشياً في حياة الشعوب، بل ضرورة ثقافية ووجدانية، ووسيلة من وسائل تثبيت الهوية ومقاومة المحو.

والفنان الحقيقي ليس شخصاً منعزلاً عن مجتمعه، مهما بدا إبداعه فردياً. فهو ابن بيئته، يحمل في صوته وألوانه وكلماته شيئاً من ذاكرة الناس الذين خرج من بينهم. وحين يرتقي بفنه، يصبح سفيراً لثقافته وحضارته وأمته إلى العالم، حتى من دون تكليف رسمي أو خطاب مباشر. إن صورة واحدة يرسمها فنان بصدق قد تعرّف العالم إلى شعبه أكثر مما تفعل عشرات الخطب السياسية، وأغنية واحدة قد تنقل حكاية وطن إلى شعوب لا تعرف لغته، لكنها تفهم حزنه وأمله وحقه في الحياة.

لقد حمل ناجي العلي فلسطين إلى العالم بريشته، فلم يكن حنظلة مجرد شخصية مرسومة، بل أصبح شاهداً على الاقتلاع واللجوء والصمت الدولي، ورمزاً لذاكرة شعب يرفض أن يدير ظهره لقضيته. وحملت فيروز والرحابنة صورة بلاد الشام، بمدنها وقراها وحنين أهلها، إلى مسارح العالم. ولم تكن أعمالهم دعاية سياسية مباشرة، بل فناً راقياً استطاع، بصدقه وجماله، أن يجعل الثقافة المحلية لغة إنسانية يفهمها الجميع.

غير أن تمثيل الفنان لأمته لا يعني إخضاع الفن لشعارات جاهزة، ولا تحويل الفنان إلى موظف لدى السلطة أو المجتمع. فالفن الذي يفقد حريته يفقد روحه، والفنان الذي لا يملك الجرأة على مساءلة واقعه لا يستطيع أن يكون مرآة صادقة له. إن الارتقاء بالفن لا يعني تجميل الواقع أو إخفاء تناقضاته، بل يعني تناوله بوعي ومسؤولية وجمال، وكشف القبح من دون السقوط فيه، والدفاع عن الإنسان من دون تحويل العمل الفني إلى منشور دعائي.

كما أن الارتقاء لا يُقاس بالشهرة ولا بعدد المتابعين، ولا بما تحققه الأعمال من انتشار سريع. فقد تصنع السوق نجماً، لكنها لا تصنع بالضرورة فناناً. الفنان المرتقي هو من يحترم عقل جمهوره وذائقته، ويضيف إلى الوعي بدلاً من أن يستهلكه، ويرفض أن يجعل من الابتذال وسيلة للوصول. وهو من يدرك أن الحرية الفنية ليست انفصالاً عن المسؤولية، بل هي أرقى أشكالها؛ لأن ما يقدمه اليوم قد يصبح غداً جزءاً من الصورة التي تُعرَف بها أمته.

وتزداد أهمية هذه المسؤولية لدى الشعوب التي تتعرض ثقافتها للتهميش أو السرقة أو التشويه. ففي مواجهة الاحتلال ومشاريع المحو، يصبح الفن مساحة لحماية الذاكرة وإثبات الوجود. تصبح الأغنية بيتاً مؤقتاً للمهجَّر، والتطريزة وثيقة هوية، والدبكة إعلاناً بأن الأرض ما زالت تعرف خطوات أبنائها، واللوحة نافذة يرى العالم من خلالها حقيقة لا تظهر في نشرات الأخبار. وهنا لا يقاوم الفن بالسلاح، بل بما هو أبقى من السلاح: بالمعنى، والذاكرة، والصورة التي يصعب اقتلاعها من الوجدان.

الأمم التي تهمل فنونها تترك للآخرين مهمة تعريفها، وقد تجد نفسها مع مرور الزمن غريبة عن صورتها وتاريخها. أما الأمم التي ترعى الإبداع وتحترم الفنان وتمنحه الحرية والمساحة، فإنها تحمي روايتها وتؤسس لحضور يتجاوز حدودها السياسية والجغرافية. فالحضارات لا تبقى بقوتها وحدها؛ تبقى بما أنتجته من أفكار وجمال، وبما أضافته إلى التجربة الإنسانية.

الفن، في النهاية، ليس زينة تُعلَّق على هامش حياة الأمة، بل صوتها حين تعجز السياسة عن الكلام، وذاكرتها حين يحاول التاريخ الرسمي أن ينسى، ووجهها الذي تطل به على العالم. وحين يكون الفنان صادقاً مع موهبته، واعياً لمسؤوليته، ومرتقياً بأدواته ورسالته، فإنه لا يمثّل نفسه وحده، بل يحمل شيئاً من أمته إلى الإنسانية جمعاء. عندها يصبح الفن وطناً معنوياً، ويصبح الفنان سفيراً لا يحمل جواز سفر دبلوماسياً، بل يحمل ما هو أبقى وأصدق: روح شعبه.

حنان عابد

أكاديميّة، باحثة في الشؤون السياسيّة والاستراتيجيّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق