كنت في السابعة من عمري حين وصلت دمشق في زمن لم تكن قد دخلت فيه الآلة إلى البيوت. جلّ ما اقتناه أغلبية السكان هو المذياع يستمعون عبره للأخبار أو إلى الموسيقى.
كانت دمشق في بداية خمسينات القرن الماضي مدينة هادئة، لا ضجيج سيارات، لأن السيارات نادرة الوجود ومُكلفة، فيستعمل أهلها باصات الدولة للتنقل من مكان إلى آخر، لا فرق بين غني وفقير.
دخلت مدرسة نموذجية، أطفالها ينتمون إلى عائلات ميسورة لكنهم لم يشعروني يوماً بأنني فقيرة، وبأنني لست من مستواهم كما فعل أطفال مدارس بيروت حين التحقت بأحد مدارسها الأجنبية فيما بعد، لذلك ظلّت ذكرياتي الجميلة تعود إلى دمشق، وتساءلت عن سرِّ هذا الاختلاف الكبير في المعاملة بين عاصمتين لا تبعدان الكثير عن بعضهما.
الإسلام في دمشق عنى الاخلاق، فمن غير المنطقي أن يكون أحدهم مسلماً متديناً وفاسقاً في آن واحد، لأنَّ الدين يركّز على صقل شخصية الفرد، فالثواب والعقاب يعودان إلى ما يقوم به الفرد افرادياً، لا ما تقوم به الدولة جماعياً.
صبت المدارس آنذاك اهتمامها على الاخلاق، فيحاسب من يكذب ويغش ويشتم بصرامة، والتزم الطلاب بالزي المدرسي الموحد كي لا تظهر الفروقات الطبقية في الملبس، وحرص الأهل على عدم إظهار ثرائهم لأن ذلك يخالف الدين، فلا يسمحون لبناتهم بارتداء المصاغ الثمين، أو حمل الأموال في جيوبهم إلَّا ما يختص بمصروفهم اليومي. وكان التواضع من الصفات المرغوب فيها، ويشمل الجميع، فاعتبرت كل من زاملني في الصف من أصدقائي، وبقينا على هذه الصداقة حتى اليوم بالرغم من افتراقنا في مسارات مختلفة، وهذا ما لم يحصل في تجربتي في المدارس اللبنانية حيث كانت الطبقية تسود فوق أي اعتبار آخر.
كل صباح، وقبل الدخول إلى الصف كنا نتجمع في الردهة الكبيرة ونسمع قصة صغيرة حول أهمية مساعدة الآخر، أكان ذلك في الإمساك بيد كفيف يريد أن ينتقل من شارع إلى آخر، أو إيصال الطعام إلى فقير في شهر رمضان، إذ انني طوال السنوات الست التي قضيتها في دمشق لم أشاهد منظر حفلات ومآدب الطعام التي يمارسها بعض أهل بيروت سنوياً وكأنهم قد عادوا من مجاعة.
رمضان في دمشق آنذاك كان يعني اللهفة على الفقير، وتقديم الكسوة في أيام البرد وأيام القيظ، والاهتمام بمصير الآخر الذي لم يكن محظوظاً مثلنا.
تذكرت أن والدي كان يقول إنَّ جذور الاشتراكية تعود إلى الدين مسيحياً كان أو اسلامياً. وربما لهذا السبب لم يمتعض السوريون حين طُبق النظام الاشتراكي لأنهم لم يلاحظوا فرقاً في نمط حياتهم، بل الاختلاف الصارخ ظهر بشكل فاقع بعد قرار اتباع سياسة الاقتصاد الحر. إذ ذاك بدأ التفاوت الاجتماعي يحفر عميقاً في نفوسهم، وتقارب نمط حياتهم من النمط اللبناني.
في تلك الفترة التقيت في أحد البلدان العربية سفير سوريا وأخبرته كم أحببت سوريا. اجابني: أنت تعرفت على سوريا الفتاة الجميلة بثوبها الأبيض الناصع، وهي لم تعد كذلك.
أحببت تلك الحياة البسيطة المترفعة عن الجشع والطمع واغتياب الآخر. وأحببت صوت المؤذن الذي كان يوقظني في الفجر، وصوته الرخيم الدافئ يصلني كصوت العندليب وزقزقة العصافير، فلا أجفُل كما أفعل اليوم من مكبرات الصوت الضخمة التي تعلو البنايات.
تذكرت أيضاً كيف مارس الجميع “لا إكراه في الدين”، لا في الملبس، ولا في طريقة الإيمان، فاحترم الجميع بعضهم بعضاً والخفر يملأ قلوبهم.
كما تعلّمت في تلك المدرسة الحبيبة: “النظافة من الإيمان” إذ كانت المعلمات تحرصن على أن تكون أظافرنا مقلّمة، ووجوهنا مغسّلة، وأسناننا قد مرّت الفرشاة عليها.
وبادرت الحكومات المتعاقبة على تطبيق “النظافة من الايمان”، فكانت ترسل صهاريج المياه، تغسل بها الطرقات يومياً بعد إخراج القمامة، بينما ينبهنا الجميع، ونحن لا نزال أطفالاً بعدم رمي الزبالة في الطريق.
هل لا تزال “النظافة من الإيمان”، نظافة الطريق، ونظافة الكف، ونظافة الأخلاق موجودة في مجتمعاتنا العربية؟
الدين أخلاق قبل أي شيء آخر.


