الشرع الأعلى

في استمرارية الفكر السياسي السوري وإشكالية التجربة الدستورية

من دستور قرطاضة إلى دستور سعاده

[ننشر فيما يلي دراسة مطولة للباحث ابراهيم مهنا، تقترح رؤية مختلفة للدستور الذي وضعه أنطون سعادة للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه في العام 1932، واعتبره دولة الأمّة. الاقتراح يتمثل بقراءة التجربة القرطاضيّة، في نصوصها الدستورية كما في مؤسساتها السياسيّة، في ضوء صراعها مع روما التي بدورها تمتلك تجربة موازية. ومن ثم تفحّص دستور سعاده ومؤسساته في ضوء هذه القراءة. تصل القراءة إلى اقتراح تساؤلات مفتوحة للحوار والمقاربات.

الدراسة جاءت في نصين:

الأول، يعرض الفكرة المركزيّة المشار لها سابقاً,

الثاني، وهو نص مطُوّل من طبيعة مرجعيّة، نضعه بصيغة: بي دي أف، في أدنى النص الأول، وهو متاح للقراءة للمهتمين والدارسين. سيرجيل]

الدولة السورية: من دستور قرطاضة إلى دستور سعاده

«بعد زوال الإمبراطوريّة القرطاضيّة بقي هنالك قوّتان عظيمتان هما الإمبراطوريّة السّوريّة والإمبراطوريّة الرّومانيّة. ومع أنّ الإمبراطوريّة السّوريّة برهنت على أنّها أقوى قوّة في الشّرق الأدنى فإنّ نظامها الملكيّ لم يفعل شيئاً جديداً في سبيل ترقية فنّ الدّولة […] فبقيت ترقية فنّ الدولة من نصيب رومة وكانت رومة أهلاً لتحقيق هذه الترقية».
بهذه الخلاصة التي يوردها أنطون سعاده في نشوء الأمم، يمكن فتح باب البحث في مسألة تتجاوز تاريخ قرطاضة ونظامها السياسي إلى سؤال أوسع: كيف تتطور الدولة، وما الذي يجعل تجربة سياسية معينة قادرة على إنتاج مؤسسات تتجاوز أشكال الحكم السابقة عليها؟ والأهم، هل يمكن النظر إلى دستور سعاده بوصفه استئنافاً حديثاً لمسار في الفكر السياسي السوري بدأ مع التجربة القرطاضية، ثم انقطع أو تعطل تطوره، قبل أن يعود في صورة جديدة؟
تنطلق هذه المقالة من فرضية أن دستور سعاده يمثل حلقة حديثة في تاريخ الفكر السياسي السوري، وأن فهمه لا يكتمل إذا عُزل عن القراءة التي قدمها سعاده لتجربة قرطاضة، ولا عن تصوره للعلاقة بين المجتمع والسياسة والدولة. غير أن هذه الفرضية، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى حقيقة مفترضة سلفاً. فالقول إن دستور سعاده هو «الدستور الثاني للدولة السورية بعد دستور قرطاضة» يتضمن حكماً تاريخياً وفكرياً يحتاج إلى أدلة تتجاوز التشابه بين بعض المبادئ أو الأشكال المؤسسية.
المقصود، إذاً، ليس إثبات وجود سلسلة دستورية متصلة بالمعنى القانوني، ولا الادعاء بأن المؤسسات القرطاضية انتقلت مباشرة إلى تجربة سعاده. المقصود هو البحث في احتمال وجود تقليد في التفكير السياسي، أو في معالجة مسائل السلطة وتنظيمها، حافظ على بعض خصائصه في الوعي التاريخي، ثم أعاد سعاده صياغته ضمن رؤية جديدة إلى الحياة والمجتمع والدولة.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات. الأول هو النص الذي يقدمه سعاده عن قرطاضة في نشوء الأمم. والثاني هو تفسير هذا النص واستخراج دلالاته السياسية. والثالث هو الاستنتاج الذي يربط تلك الدلالات بدستور سعاده. إن الخلط بين هذه المستويات قد يجعل الفرضية تبدو حقيقة مثبتة، بينما الفصل بينها هو ما يمنحها إمكان التحول إلى أطروحة قابلة للنقاش والاختبار.

أولاً: لماذا تستحق تجربة قرطاضة الدراسة؟

لا تنبع أهمية قرطاضة في هذا السياق من اتساع نفوذها أو قوتها الاقتصادية والعسكرية وحدهما، بل من التجربة السياسية التي تكشف عنها قراءة سعاده لها. فقد شهدت المدينة تحولات في تنظيم السلطة، وانتقالاً من صيغ ملكية إلى أشكال أكثر تركيباً، تداخلت فيها سلطات الحكام ومجالس النخبة والهيئات الشعبية. وهذا التحول، بصرف النظر عن التفاصيل التي تحتاج إلى تدقيق تاريخي متخصص، يضعنا أمام تجربة لم يبق فيها تنظيم الدولة على صورة واحدة ثابتة.
في النص المرجعي الموسع (الرابط أدناه)، تظهر قرطاضة بوصفها نموذجاً يستحق الدراسة لأنها طورت مؤسسات سياسية متعددة، ولم تجعل السلطة محصورة بصورة مطلقة في يد حاكم واحد. فقد عرفت، الملكية، ثم صعود الطبقة الأرستقراطية، ووجود القاضيين أو الشوفيطين، ومجلس الشيوخ، ومجلس المئة والأربعة، ومجلس الشعب، إلى جانب هيئات أخرى اضطلعت بوظائف محددة.
ولا تكمن دلالة هذه المؤسسات في مجرد تعدادها، بل في المسألة السياسية التي تثيرها:
كيف يمكن توزيع السلطة بين هيئات مختلفة، بحيث لا تنفرد جهة واحدة بإدارة الدولة ومراقبة أعمالها في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن تنظيم العلاقة بين القيادة التنفيذية، والنخبة السياسية، والهيئات التي تمثل المواطنين؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل تجربة قرطاضة ذات قيمة في دراسة الفكر الدستوري، لا مجرد مادة من مواد التاريخ القديم.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقود هذا الاهتمام إلى تصوير قرطاضة بوصفها ديمقراطية مكتملة بالمعنى الحديث. فهنالك شواهد تشير إلى نفوذ الطبقات الغنية، وإلى محدودية المشاركة الشعبية الفعلية، وإلى أثر المال والمصالح العائلية في القرار السياسي. ومن ثم، فإن أهمية التجربة لا تقوم على خلوها من التناقضات، بل على ما تكشف عنه من محاولات لتنظيم السلطة وموازنة مراكز القوة، ومن صراع مستمر بين المصالح الاجتماعية والهيئات السياسية.
إنَّ التجربة الدستورية لا تُقاس فقط بالمبادئ التي تعلنها، بل كذلك بقدرتها على الحد من الاستئثار بالسلطة، وبمدى استقلال المؤسسات، وبكيفية معالجة التناقضات بين القوى التي تشارك في الحكم. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة قرطاضة باعتبارها تجربة تاريخية تتيح فحص العلاقة بين قوة الدولة وتركيب مؤسساتها، وبين انتظام الحياة السياسية وقدرة النظام على التكيف مع التحولات الاجتماعية.

ثانياً: قرطاضة في قراءة سعاده

إن أهمية قرطاضة في مشروع سعاده الفكري لا تتحدد بما تقوله الروايات التاريخية عنها فحسب، بل بما يستخلصه هو من تجربتها. فـنشوء الأمم لا يعرض المدينة بوصفها قوة تجارية وبحرية وحسب، بل يقدم قراءة لنظامها السياسي وللعلاقة بين الدولة، والمجتمع والطبقات والسلطة.
ومن أبرز العبارات التي تلخص هذا المنظور قوله:
«المدينة السّورية ظلّت محافظةً على الفرق بين السيّاسة والاجتماع واضحاً. وهذا الفرق هو ما مكّن الدّولة من اطّراد تقدّمها. نرى هذا الاطّراد جليّاً في المستعمرة السّوريّة الخالدة قرطاضة الّتي ما لبثت أن أصبحت دولةً قويّةً ومركزاً لإمبراطوريّة بحريّة مترامية الأطراف».
هذا نص سعاده، أما دلالته النظرية فتتصل بتصوره للدولة بوصفها مؤسسة سياسية لها منطقها ووظيفتها، ولا تختزل في مجموع العلاقات الاجتماعية أو في الإرادة المباشرة للأفراد. ووفق هذه القراءة، فإن التقدم السياسي لا يتحقق بمجرد توسيع المشاركة أو نقل السلطة من يد إلى أخرى، بل يتطلب أيضاً بناء مؤسسات قادرة على إدارة الشأن العام والحفاظ على استمرارية الدولة.
ويؤكد سعاده هذا المعنى في قوله:
«كان الأسلوب السّوريّ الّذي ارتقى في قرطاضة إلى الدّيمقراطيّة ووضوح الحقوق المدنيّة والحقوق الشّخصيّة مع بقاء الدّولة شيئاً متميّزاً عن الشّعب، مؤسّسةً لا يمكن أن تعرض لعبث الجمهور».
لا يصح أن يُفهم هذا القول بوصفه رفضاً مطلقاً لمشاركة الشعب في الحياة السياسية. فالنص الذي يقدمه سعاده يتضمن إشارات إلى حقوق الاشتراك في دولة المدينة، وإلى نشوء شعور بالانتماء إلى حياة مشتركة تتجاوز مصلحة العشيرة. لكنه ينتقد، في المقابل، تحويل المشاركة السياسية إلى تدخل غير منضبط في إدارة الدولة أو إلى وسيلة لتعطيل مؤسساتها.
ويقول أيضاً، في معرض مقارنته بين التجربتين السورية والإغريقية:
«العقل السّوريّ العمليّ لم يكن يميل إلى تخيّلات فاسدة من الوجهة العمليّة. ولذلك فهو قد اكتفى من التجربة الإغريقيّة للحكم الشّعبيّ، بواسطة الشّعب أجمع، بالمشاهدة. سخيف في رأيي أن يكون كلّ فرد من أفراد المدينة المعترف بهم «شريكاً» فعليّاً في إدارة الدّولة».
تكشف هذه العبارة عن حكم سعاده على شكل محدد من أشكال المشاركة الشعبية، ولا تكفي وحدها لتأسيس نظرية كاملة في الديمقراطية أو لتحديد جميع شروط المشاركة السياسية التي يتبناها. لكنها توضح أن اهتمامه منصب على طبيعة العلاقة بين المشاركة والفعالية المؤسسية، وعلى التمييز بين الاعتراف بالحقوق السياسية وبين جعل كل فرد شريكاً مباشراً في إدارة جميع شؤون الدولة.
ومن هنا تأتي أهمية قوله إنَّ «المدينة السورية» حافظت على الفرق بين السياسة والاجتماع. فالمجتمع، وفق هذا الاستنتاج، ليس هو الدولة ذاتها، وإن كانت الدولة لا تنفصل عن المجتمع الذي تقوم فيه. للدولة مؤسساتها ووظائفها وقواعد عملها، وللمجتمع علاقاته، ومصالحه، وتكويناته. وإذا ذابت الدولة في المصالح الاجتماعية المتنازعة، أو أصبحت أداة في يد فئة اجتماعية واحدة، تعرضت وظيفتها العامة للاختلال.
هذا هو المعنى الذي يمكن استخلاصه من قراءة سعاده، لا حقيقة تاريخية مستقلة يثبتها الاقتباس وحده. فإثبات أن هذا الفصل كان فعلياً ومستقراً في التجربة القرطاضية، وأنه كان سبباً مباشراً في تقدمها، يتطلب بحثاً تاريخياً متخصصاً في المؤسسات وممارساتها. لكن المهم في السياق الذي نتحدث فيه، هو أن سعاده جعل من هذا التمييز مبدأً تفسيرياً مركزياً في فهمه لتجربة قرطاضة.

ثالثاً: الدولة بين سيادة الشعب واستقلال المؤسسة

من القضايا التي يوليها سعاده أهمية خاصة مبدأ سيادة الشعب. ويورد في هذا السياق:
«المبدأ المعترف به في قرطاضة كان مبدأ سيادة الشعب، إذ كان من المقرّر أن يستفتى الشعب في كلّ اختلاف بين المجلس والمراجع الحكوميّة، لكن هذا المبدأ ظلّ بعيداً عن التّحقيق بسبب مناورات الطّبقة الحاكمة وبذل المال».
تنبع أهمية هذا النص من أنه لا يكتفي بالإشارة إلى وجود مبدأ سياسي، بل يميز بين الاعتراف به وبين تحققه في الممارسة. فقد يكون المبدأ مقرراً في النظام، لكن موازين القوى والمصالح المالية والاجتماعية تحول دون تطبيقه. وبذلك، لا يكفي وجود هيئة شعبية أو نص يقرر حقاً سياسياً للقول إن النظام يحقق هذا الحق فعلياً.
إن هذه الملاحظة تفتح مجالاً للتفكير في المسافة بين الدستور بوصفه تنظيماً معلناً للسلطة، والدستور بوصفه ممارسة فعلية تضبط السلطة وتحدد حدودها. فالمؤسسات لا تعمل في فراغ؛ إنها تتأثر بالقوى الاجتماعية والاقتصادية، وبقدرة الفئات المختلفة على التأثير في القرار. ولذلك فإن دراسة أي نظام دستوري ينبغي ألا تتوقف عند توزيع الصلاحيات على الورق، بل أن تبحث في مدى استقلال الهيئات، وفي إمكان إخضاع أصحاب السلطة للمساءلة، وفي الوسائل التي تحول دون استيلاء فئة محددة على المؤسسات.
ويظهر هذا التوتر بوضوح في حديث سعاده عن مجلس المئة والأربعة. فالمجلس، بحسب عرضه، نشأ في سياق الحاجة إلى مراقبة موظفي الدولة وقواد الجيش وأصحاب السلطة، والحد من هيمنة أسرة أو فئة بعينها. غير أن نفوذ الطبقة الغنية واستعمال المال وإمكان استمرار العضوية أو تجديدها أضعفت الوظيفة التي كان يفترض أن يؤديها.
لا يعني ذلك أن المؤسسات الرقابية عديمة الجدوى، بل يعني أن إنشاءها لا يضمن وحده تحقيق الغرض منها. فالهيئة التي يُفترض أن تراقب السلطة قد تصبح بدورها جزءاً من شبكة المصالح التي تحتاج إلى رقابة. وتلك مسألة دستورية تتجاوز قرطاضة: كيف نمنع المؤسسة الرقابية من التحول إلى مركز قوة مغلق؟ وكيف نضمن ألا تصبح الرقابة وسيلة لتكريس نفوذ طبقة أو جماعة؟
في هذا السياق، يكتسب وصف سعاده للتجربة القرطاضية بأنها ذات «مرونة سياسية كبيرة» دلالة تتجاوز الإعجاب بنظام قديم. فالمرونة تعني، في القراءة التي نقترحها، قدرة النظام على تعديل أشكال الحكم ومؤسساته استجابةً للتحولات والصراعات. لكنها ليست مرادفاً للاستقرار الدائم، ولا دليلاً على أن كل تحول كان تقدماً. فالتغير قد يوسع المشاركة في مرحلة، ثم يضعف توازن السلطة في مرحلة أخرى.
ومن هنا ينبغي التعامل مع تاريخ قرطاضة بوصفه مساراً متناقضاً، لا حركة تصاعدية بسيطة من الملكية إلى الديمقراطية. فالمؤسسات التي تحد من سلطة الملك يمكن أن تقوي سلطة الأرستقراطية، والهيئات الشعبية التي تسهم في مواجهة احتكار النخبة يمكن أن تدخل بدورها في صراعات على السلطة. وتبقى المسألة الأساسية هي ما إذا كان النظام قادراً على تحويل التنافس إلى قواعد مستقرة، بدلاً من تركه ينتهي إلى تغلب طرف على آخر.

رابعاً: قرطاضة وروما ومسألة ترقية فن الدولة

لا يكتمل فهم قراءة سعاده لقرطاضة من دون العودة إلى مقارنته بينها وبين روما. فهو لا يعزو التفوق الروماني في «ترقية فن الدولة» إلى تفوق مجرد في الذكاء السياسي، بل يربطه باختلاف ظروف المدينتين، وبالتجارب التي فرضتها الحروب والعلاقات مع الشعوب المحيطة.
وفي النص الذي افتتحنا به المقالة، يميز سعاده بين الدولة السورية البحرية والدولة الرومانية البرية، ويرى أن التجارب السياسية التي خاضتها روما دفعتها إلى تطوير أساليب جديدة لتنظيم علاقتها بالشعوب والمناطق التي أخضعتها. كما يشير إلى أن توسيع حقوق عضوية الدولة الرومانية كان مرتبطاً بمسار توحيد إيطاليا، وبنشوء وحدة سياسية أسهمت لاحقاً في نشوء وحدة شعبية.
هذه المقارنة مهمة لأنها تجعل تطور الدولة عملية مرتبطة بالاختبار التاريخي، لا مجرد انتقال نظري من نظام إلى آخر. فالمؤسسات تتطور تحت ضغط المشكلات التي تواجهها الدولة، وقد تدفعها ظروفها إلى ابتكار صيغ لم تكن ضرورية في مراحل سابقة. لكن ذلك لا يعني أن التجربة الرومانية ألغت النموذج القرطاضي أو تجاوزته في كل وجه؛ فسعاده يشير أيضاً إلى استمرار بعض مشكلاته، ومنها عجز مجالس النخبة عن تأمين تماسك البناء الإمبراطوري.
ويمكن استخلاص ملاحظة منهجية هنا: لا ينبغي قياس تقدم الدولة بعدد مؤسساتها أو بقوة جيوشها وحدهما، بل بقدرتها على تنظيم علاقتها بمكوناتها السياسية والاجتماعية، وتطوير قواعد المشاركة والعضوية، والتعامل مع التفاوتات بين الفئات والشعوب الواقعة ضمن نطاقها. فالقوة التي لا ترافقها آليات فعالة لإدارة التعدد قد تبقى معتمدة على الإكراه، فيما لا يكفي الاعتراف بالحقوق وحده لضمان وحدة سياسية مستقرة.
غير أن هذه القراءة لا تسوغ القول إن روما استمدت دستورها مباشرة من قرطاضة، ولا إن التجربة القرطاضية انتقلت في خط متصل إلى التجربة الرومانية ثم إلى سعاده. ما نقدمه هنا هو مقارنة في تطور فن الدولة، وفي أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين. أما إثبات التأثير المباشر أو الانتقال المؤسسي فيحتاج إلى أدلة تاريخية مستقلة لا يوفرها مجرد التشابه في بعض الوظائف أو المشكلات.
وعلى ذلك، فالاستمرارية التي يجدر البحث فيها ليست بالضرورة استمراراً للمؤسسات نفسها، وإنما قد تكون استمراراً في الأسئلة السياسية، وفي بعض المبادئ المتعلقة بمكانة الدولة، وتنظيم السلطة، والتمييز بين السياسة والاجتماع، وحدود المشاركة الشعبية.

خامساً: دستور سعاده بوصفه استئنافاً نقدياً

إذا كانت قرطاضة تمثل في قراءة سعاده تجربة مبكرة في تنظيم الدولة، فإن السؤال التالي هو: ما الذي يجعل دستور سعاده امتداداً نقدياً لهذه التجربة، لا مجرد دستور آخر ينتمي إلى زمن مختلف؟
سعاده وضع دستور الحزب السوري القومي في 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1934، ثم صنّفه في 20 كانون الثاني/يناير 1937. ويجب التمييز بين مرحلة الزعامة، التي كانت في إدارة سعاده، ومرحلة ما بعد الزعامة. سعادة لم تتح له الظروف استكمال دستوره على النحو الذي كان يريده.
لكن الانتقال من هذه المعطيات إلى القول إن دستور الحزب هو دستور الدولة السورية القومية الموحدة يحتاج إلى تمييز مفهومي واضح. فالدستور الذي ينظم حزباً، مهما اتسع مشروعه السياسي، لا يصبح تلقائياً دستوراً لدولة قائمة أو لدولة متوخاة. إن إثبات هذه العلاقة يقتضي تحليل مضمون الدستور، وتحديد المؤسسات التي ينشئها، ومجال صلاحياتها، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ثم بيان كيفية انتقال هذه الأحكام من تنظيم حزبي إلى نظام عام للدولة.
إن قيمة تجربة سعاده، في إطار الأطروحة التي نقترحها، لا تتوقف على حسم هذا السؤال مسبقاً. بل تكمن في أن دستور الحزب يشكل مادة أساسية لدراسة تصوره لتنظيم السلطة، وأنه ينبغي أن يُقرأ ضمن مشروع فكري أوسع يتناول المجتمع والدولة ونظام الحياة. فالدستور، في هذا المنظور، ليس وثيقة إدارية منفصلة عن الفكر الذي ينتجها، بل تعبير مؤسسي عن تصور لطبيعة المجتمع، ووظيفة الدولة، والغايات التي يفترض أن تحققها المؤسسات.
وهنا تبرز رسالة سعاده إلى إبراهيم طنوس سنة 1942، التي يقول فيها:
«إني كنت قد جهزت عنوانات الفصول لمؤلف فلسفي اجتماعي في طبقات الأمم أبحث فيه النظام السياسي ـ الاقتصادي ـ الاجتماعي الانترناسيوني، واستخرج منه نظرة إلى العالم تعين اتجاهاً جديداً. ثم إني كنت قد أخذت في تخطيط موضوع فلسفي في الدولة وإنشاء نظام جديد لها يختلف عن النظام الذي اتخذته بعد الثورة الفرنسية».
هذا اقتباس مباشر يوضح أن سعاده كان يفكر في مشروع يتجاوز حدود التنظيم الحزبي إلى بحث فلسفي في الدولة ونظامها، ويربط السياسي بالاقتصادي والاجتماعي ضمن نظرة أوسع إلى العالم. لكنه لا يتيح، بمفرده، إعادة بناء مضمون النظام الذي كان يخطط له، ولا الجزم بأنه كان قد أتم تصوراً دستورياً نهائياً. فالرسالة تثبت وجود مشروع وتوجه فكري، لكنها لا تقوم مقام النص الذي لم يكتمل.
ومن الضروري، لذلك، الفصل بين ما نعرفه من كلام سعاده وما نستنتجه منه. ما يقوله صراحة هو أنه كان يخطط لبحث فلسفي في الدولة وإنشاء نظام جديد لها يختلف عن النظام الذي اتخذته بعد الثورة الفرنسية. أما القول إن هذا المشروع كان سيؤدي إلى دستور مكتمل للدولة السورية، أو إنه كان سيستعيد التجربة القرطاضية بصورة مباشرة، فهو استنتاج يحتاج إلى أدلة إضافية.
ومع ذلك، فإن هذه الشهادة تفتح أفقاً مهماً للبحث: هل يمكن فهم دستور الحزب بوصفه مرحلة في مشروع دستوري أوسع لم يكتمل؟ وما العلاقة بين البنية التنظيمية التي وضعها سعاده، وبين النظام السياسي الذي كان يسعى إلى تصوره للدولة؟ وأي عناصر في هذا التنظيم تعبر عن مبادئ فكرية عامة، وأيها يرتبط بظروف الحزب ومرحلة تأسيسه وقيادته؟
هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالاستناد إلى النوايا المعلنة وحدها؛ بل تستلزم قراءة النصوص الدستورية نفسها، ومقارنتها بما كتبه سعاده عن الدولة والمجتمع، ثم التمييز بين أحكام صريحة وتأويلات لاحقة.

سادساً: ما بعد سعاده ومشكلة استكمال المشروع

يفتح عدم اكتمال المشروع الذي أشار إليه سعاده مجالاً آخر للبحث، هو مصير فكره الدستوري بعد غيابه. حيث أن المرحلة اللاحقة لم تنجح في استكمال الأسس التي كان ينبغي تثبيتها والبناء عليها، كما أن تجربة التشريع بعد سعاده اتسمت بالتناقض والتخبط والضياع.
هذا حكم نقدي واضح، لكنه يحتاج، إذا أريد تحويله إلى نتيجة بحثية، إلى تحليل تفصيلي للتعديلات الدستورية، والظروف التي أنتجتها، والمرجعيات الفكرية التي استندت إليها، والآثار التي تركتها في بنية المؤسسات وصلاحياتها. فلا يكفي وصف التجربة بالفشل لإثبات أسبابه، كما لا يكفي تعدد التعديلات لإثبات أنها جميعاً اتجهت إلى غاية واحدة أو أفضت إلى نتيجة واحدة.
المعيار الذي ينبغي أن يخضع له هذا التاريخ هو مدى اتساق التطورات الدستورية مع المبادئ التي يمكن إثباتها في فكر سعاده، ومدى قدرتها على توضيح وظائف المؤسسات وحدود سلطاتها والعلاقة بينها. فإذا كانت الدولة، في التصور الذي نراه من قراءته لقرطاضة، مؤسسة متميزة عن المجتمع، فإن السؤال يصبح: هل حافظت التجربة اللاحقة على وضوح وظيفة المؤسسة السياسية، أم خلطت بين حاجات التنظيم ومقتضيات الدولة؟ وهل أوجدت توازناً بين السلطات، أم جعلت تفسير الدستور رهناً بمراكز القوة المتغيرة؟
لا يجوز أن تكون الإجابة عن هذه الأسئلة حكماً مسبقاً يستند إلى الانتماء أو الاختلاف السياسي. إنها مسائل دستورية تتطلب نصوصاً محددة ومقارنة بين أحكامها، وتحديداً دقيقاً لما تغير ولماذا تغير. كما تتطلب التمييز بين نقد تطبيق الدستور ونقد مبادئه، وبين ما يعود إلى صياغة النص وما يعود إلى ظروف العمل به.
ومن هذه الزاوية، فإن مسؤولية الباحثين في فكر سعاده لا تقتصر على الدفاع عن إرثه أو إدانة التجربة التي أعقبته، بل تشمل إعادة بناء مشروعه السياسي على أساس النصوص المتاحة، وتحديد ما أنجزه وما بقي مفتوحاً، وما يمكن استخلاصه منه وما لا تسمح الأدلة المتوافرة بالجزم به.
خاتمة: استمرارية الأسئلة لا افتراض تطابق الدساتير
تعود بنا المقارنة بين قرطاضة وسعاده إلى السؤال الذي انطلقنا منه: هل يمكن النظر إلى دستور سعاده بوصفه الدستور الثاني للدولة السورية بعد دستور قرطاضة؟
إن الإجابة الأكثر انضباطاً هي أن هذه الفرضية تستحق البحث، لكنها لا تصبح حقيقة مثبتة بمجرد وجود تشابه بين بعض المبادئ أو بفضل المكانة التي يمنحها سعاده للتجربة القرطاضية. فما يمكن استخلاصه من نشوء الأمم هو أن سعاده قرأ قرطاضة بوصفها تجربة سياسية سورية ذات أهمية، ورأى في التمييز بين السياسة والاجتماع، وفي وضوح الحقوق، وفي بقاء الدولة مؤسسة متميزة عن الشعب، عناصر أساسية في فهم تطورها. كما تكشف رسالته إلى إبراهيم طنوس عن مشروع فلسفي كان يتجه إلى التفكير في نظام جديد للدولة.
أما الربط بين هذين المستويين، أي بين قراءة سعاده لقرطاضة ومشروعه الدستوري، فهو عمل تحليلي يتطلب فحصاً مباشراً لدستور الحزب، ومقارنة أحكامه بما يرد في كتابات سعاده عن الدولة والمجتمع والسلطة. ولا بد من إثبات أوجه الاستمرار، وتحديد أوجه الاختلاف، وعدم افتراض أن وحدة المرجعية الفكرية تعني تطابق المؤسسات أو الوظائف.
لكن التحفظ المنهجي لا يلغي أهمية الأطروحة. فإذا ثبت أن سعاده استعاد في مشروعه الحديث أسئلة سياسية كانت مركزية في قراءته لقرطاضة، فإن ذلك يتيح النظر إلى فكره باعتباره حلقة نقدية وإنشائية في تاريخ التفكير السياسي السوري، لا مشروعاً منفصلاً عن هذا التاريخ. وإذا تعذر إثبات الاستمرارية بالمعنى التاريخي المباشر، فستظل المقارنة ذات قيمة في الكشف عن كيفية توظيف التجربة القديمة في بناء نظرية حديثة للدولة.
وعند هذه النقطة، ينبغي أن ينتقل البحث من سؤال الأصل التاريخي إلى الأسئلة الدستورية التي لا تزال مفتوحة:
ما المؤسسات التي يتكون منها النظام السياسي في دستور سعاده؟
ما وظيفة كل مؤسسة، وما حدود سلطاتها؟
كيف تتوزع الصلاحيات بينها، وكيف يتحقق التوازن؟
ما الشروط التي تضمن أهلية شاغلي المواقع العامة وتضبط ممارستهم للسلطة؟
وما طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين وحدة الدولة وحقوق المواطنين، وبين القيادة والمساءلة؟
هذه ليست أسئلة ثانوية تتصل بالتفاصيل التنظيمية، بل هي جوهر أي مشروع دستوري. فالدستور لا يكتمل بمجرد تحديد الجهة التي تنبثق منها السلطة، وإنما يتحدد أيضاً بكيفية ممارسة هذه السلطة، والقيود المفروضة عليها، والوسائل التي تمنع تحول المؤسسة العامة إلى ملكية خاصة لفئة أو فرد.
إنَّ القول: إنَّ دستور سعاده يبدأ من حيث انتهى دستور قرطاضة ينبغي، في المحصلة، أن يُفهم بوصفه فرضية عن استئناف نقدي لمسائل الدولة، لا إعلاناً عن سلسلة دستورية متصلة لم تثبت بعد. فقيمة الفرضية أنها تدفع إلى قراءة سعاده في سياق تاريخي وفكري أوسع، وتعيد طرح مسألة العلاقة بين المجتمع والسياسة والمؤسسة، وتفتح باب دراسة مشروعه الدستوري بما له وما عليه.
ولعل الخطوة الأهم هي الانتقال من الإقرار العام بأهمية هذا الإرث إلى دراسته دراسة متخصصة، تقوم على النصوص، وتفصل بين القول والتفسير والاستنتاج، وتختبر مدى اتساق المبادئ مع المؤسسات التي تجسدها. عندئذ فقط يمكن تحديد ما إذا كانت تجربة سعاده تمثل استعادة لتقليد سياسي سوري قديم، أو إعادة تأسيس له في صورة جديدة، أو مزيجاً من الاستمرارية والقطيعة.
وفي جميع الأحوال، يبقى السؤال الذي يربط قرطاضة بسعاده سؤالاً مفتوحاً عن الدولة نفسها: كيف تستطيع أن تكون مؤسسة عامة مستقرة، متميزة عن المصالح الاجتماعية المتنازعة، من دون أن تنفصل عن المجتمع أو تتحول إلى سلطة مغلقة؟ وكيف تنظم المشاركة السياسية بحيث تكون حقاً فعلياً، لا مجرد مبدأ معلن، من دون أن تصبح المؤسسات عرضة للاستئثار أو التعطيل؟
من هنا تبدأ قيمة المقارنة، ومن هنا أيضاً ينبغي أن يبدأ البحث في دستور سعاده: لا من افتراض أن التاريخ قد أعاد نفسه، بل من اختبار ما إذا كان الفكر السياسي السوري قد استأنف، في تجربة حديثة، أسئلة الدولة التي طرحتها قرطاضة قبل قرون طويلة.

النص المرجعي (افتح الرابط): من دستور قرطاجة الى دستور سعاده –

إبراهيم مهنّا

باحث في الشؤون القوميّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق