مسار جلجامش

أزمة الحزب السّوري القومي الاجتماعي

المرحلة الخامسة؟... استعادة مشروع النهضة؟

 [دخلت أزمة الحزب السّوري القومي الاجتماعي فصلاً جديداً منها. فصلٌ يطرح تساؤلات كبرى إضافيّة عن مستقبل الحزب؟ عن إمكانية تجاوزه لأزمته؟ عن إمكانية استعادة معناه كحامل لمشروع نهضة وطن وبناء أمة والعمل على إنقاذها قبل أن تموت واقعاً ومعنى. ننشر فيما يلي: رؤيتين من جيلين مختلفين من الأجيال التي انتمت للحزب، حول هذه الأزمة ومقاربتها. وننشر هذا الملف كون الحزب السّوري القومي الاجتماعي، بنظرنا، المجسّ الذي يمكن أن نتيقن منه حال البلاد والوطن والمستقبل. الصورة المرفقة التي تبين جانباً من وادي السيليكون الاسرائيلي نشرناها لتبيان المفارقة… أو لامتحان حساسيتنا للصدمة إذا ما تفحصنا ركامنا – سيرجيل]

القوميون الاجتماعيون أمام المرحلة الخامسة!

 

أحمد أصفهاني

 

في مطلع العام 1946 بدأت مراسلات هامة للغاية بين غسان تويني الطالب القومي الاجتماعي الموجود في الولايات المتحدة الأميركية للدراسة، وبين أنطون سعاده مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه المقيم قسرياً في الأرجنتين منذ العام 1939. وقد كشفت لنا هذه الرسائل جملة من المسائل الداخلية الحساسة التي كان لها تداعيات خطيرة على الحزب وعلى سعاده نفسه بعد عودته إلى الوطن في 2 آذار 1947.

ما يعنينا في موضوع بحثنا الآن الرسالة الأولى من سعاده إلى تويني بتاريخ 21 شباط 1946، وبالتحديد الفقرات الأخيرة منها. يقول إنه تلقى خلال الفترة الماضية أخباراً سطحية “لا تساعد على تكوين رأي في حقيقة الحالة العمومية والداخلية، ناهيك بما يلزم من معلومات الاتجاهات السياسية الداخلية والخارجية وقوة الحركة ومدى انتشارها أو مبلغ تقلصها وما شاكل”. ثم يطلب سعاده من تويني تقريراً يشمل جملة من النقاط، الأولى منها: “الفكرة السورية القومية الاجتماعية ومبلغ قبولها وتقدمها في أوساط الشعب في جميع مناطق سورية الطبيعية بعد سنة 1938”. (الأعمال الكاملة ـ الجزء 11، صفحة 30)

إن سبب تحديد سنة 1938 واضح لأن سعاده غادر الوطن في تلك الفترة. لكن لماذا وضع على رأس النقاط المطلوب من تويني شرحها “الفكرة السورية القومية الاجتماعية”، ومن ثم “مبلغ قبولها وتقدمها في أوساط الشعب”؟

نحن نعتقد بأنه لم يكن خافياً على سعاده حدوث تغيير في التوجهات العامة عند السوريين، سواء في الوطن أو في المغتربات. ذلك أن النزعات الكيانية باتت منتشرة في أعقاب حصول الكيانين اللبناني والشامي على “الاستقلال” بمساعدة الإنكليز المنافسين للفرنسيين. وقد واجه سعاده في المغترب الأميركي دعاة الانعزالية اللبنانية وصنوهم دعاة العروبة المرتبطة بالإسلام المحمدي. وكان يتوقع طغيان مثل هذه السياسات في الوطن، بما تشكله من تحديات على الفكرة السورية القومية الاجتماعية. ومن هنا جاءت النقطة الأولى المطلوبة من تويني، والتي على أساسها يستطيع زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أن يخطط لكيفية التعامل مع الواقع “الاستقلالي” في مرحلة ما بعد عودته إلى الوطن.

ونستطيع القول إن المعلومات التي أراد سعاده الوقوف عليها يمكن أن تشكل مدخلاً للمراجعة، سواء على المستوى الفكري أو على مستوى الممارسة والعلاقات السياسية المحلية والإقليمية. ولا شك في أن مبدأ “الواقع اللبناني” الذي تبنته القيادة الحزبية سنة 1944 جعل “المراجعة” أو “إعادة النظر” مسألة ملحة، كان على سعاده أن يستعد لها بكل أبعادها الفكرية والسياسية والدستورية. ونحن نعرف كيف تم الحسم مع القيادات المنحرفة بعد “خطاب العودة” قرب المطار، وصولاً إلى “تسوية” مؤقتة مع الحكومة اللبنانية أدت بعد أشهر إلى سحب مذكرة التوقيف التي كانت السلطات قد أصدرتها بحق سعاده. ولن نطيل الحديث عن تلك المرحلة، لأننا مهتمون أساساً بأوضاع الحزب بعد غياب الزعيم لجهة السياسات التي اعتمدتها القيادات الحزبية المتعاقبة.

عندما تقع الأحزاب والمنظمات السياسية في خضم الأزمات الداخلية، فإن قادتها وكوادرها يلجأون إلى الإكثار من استعمال مفردات “المراجعة” و”النقد” و”النقد الذاتي” و”إعادة النظر” بوصفها الطريقة المثلى المتاحة للخروج من المآزق الفكرية أو السياسية. ذلك أن تعقيدات العلاقات السلطوية تجعل من الصعب على المؤسسات الحزبية أن تتعامل مع مشاكلها من ضمن المفاهيم والآليات المتعارف عليها داخلياً. وكثيراً ما تنتهي “المراجعة” إلى تغيير ملحوظ، إما في التوجه الإيديولوجي أو في الممارسات السياسية. إن تجاهل التحديات وعدم التأقلم مع المستجدات سيشكلان تهديداً وجودياً لأية منظمة سياسية.

إن المراجعة التي تعيد النظر في السياسات الفاشلة بهدف انتهاج خطط بديلة هي شأن حيوي عند كل الأحزاب. ولم يشذ الحزب السوري القومي الاجتماعي عن هذه القاعدة بعد خروج القيادة من سجون لبنان بموجب قانون العفو عن المشاركين في المحاولة الانقلابية 1961 ـ 1962. ربما كانت ظروف الفشل والسجن هي التي دفعت باتجاه المراجعة الجذرية في مؤتمر ملكارت. وبغض النظر عن رفض قسم من القوميين ما صدر من توصيات أو تحفظهم تجاهها، فإن مؤتمر ملكارت أسس لنهج جديد في العمل الحزبي على مختلف الأصعدة. وعلى الرغم من عقد مؤتمرات قومية اجتماعية عديدة منذ السبعينات، فإن معظمها اكتفى بإدارة الأزمات وترحيلها من مؤتمر إلى آخر. ولم تكن هناك مراجعات جادة، ناهيك عن “إعادة النظر” أو “النقد الذاتي”.

على مدى السنوات القليلة الماضية تعرّض الحزب لأحداث داخلية كانت تصل به إلى حد الانقسام، وفي كل مرة كان القوميون الاجتماعيون يوجهون سهام النقد وأصابع الاتهام نحو القيادات المختلفة، محمّلين إياها مسؤولية السقوط المدّوي. ومن جهتها، عمدت تلك القيادات إلى محاولة امتصاص نقمة الصف الحزبي بعرض الذرائع الخارجية التي كان لها “تأثير فعّال في تغيير بعض المعادلات الانتخابية”… على حد تعبير أحد المسؤولين! ولم يكن مستغرباً أن يرفض القوميون، بشكل عام، حجج القيادات الحزبية وتبريراتها. بل طالبوا بأن يتحمل بعض القياديين مسؤولية انهيار القاعدة القومية على مستوى الكيان اللبناني، خصوصاً في صميم المناطق المُعتبرة قواعد تاريخية للحزب مثل الكورة والمتن الشمالي وعكار والبقاع… وغيرها.

كان من المتوقع، بل من الواجب، أن يتابع القوميون الاجتماعيون القراءة العقلانية الهادئة لتلك الانتخابات، ليس بهدف تسجيل النقاط على بعض القيادات في سياق الانشقاق الحزبي الحالي وإنما لاستيعاب الدروس والتفكير في أبعاد المرحلة الجديدة الناجمة عن “تخلي” الناخب القومي الاجتماعي (ومعه صوت المواطنين المقربين) عن مرشحي الحزب في هذا الجناح أو ذاك… وكانت القيادات الحزبية مدعوة إلى “المراجعة” الحازمة والنقد الذاتي، كخطوة لا بد منها تمهيداً لمحاسبة المقصرين… وبعد ذلك يتم التخطيط للمستقبل.

لكن مما يؤسف له أن القيادات القومية الاجتماعية لم تمارس “المراجعة” الجادة… اللهم إلا إذا طبقها أحد الأطراف وأبقى نتائجها في الأدراج السرية! ونحن سنعرض في الفقرات اللاحقة من هذا المقال تصورنا الخاص للمراحل التي مرّ بها الحزب بعد استشهاد سعاده، وصولاً إلى نتائج السياسات الكارثية الأخيرة. وهدفنا هو الاستفادة من دراسة تجارب الحزب المختلفة، بما يمهد لنا سبل الخروج من الأزمات عن طريق المراجعة الجادة والنقد الذاتي. ونشير أولاً إلى أننا لا نعتبر تقسيمنا للمراحل هو الكلمة الفصل، إنما نريد رفع الحوار بين القوميين من مستوى المسائل الجزئية العارضة إلى نوع من المراجعة الشاملة.

المراحل الأربع

لا شك في أن نتائج الانتخابات، والأساليب التي استعملت لإدارة التحالفات، وعدم قدرة القيادات الحزبية على تحفيز الصوت القومي الاجتماعي… كلها تؤشر إلى نهاية مرحلة امتدت على أكثر من ثلاثين سنة. وليست هذه المرة الأولى في تاريخ الحزب التي نشهد فيها إنسداد الأفق أمام نهج سياسي وفكري اعتمدته القيادات المتعاقبة لإدارة دفة العمل الحزبي. وأقترح أن نتمعن في مراجعة مسارات الحزب بعد استشهاد سعاده، كي تتبيّن لنا سلسلة من المراحل المختلفة (والمتناقضة في بعض الأحيان!). ونلفت النظر هنا إلى أن طغيان نهج ما في مرحلة معينة لا يعني غياب مناهج أخرى، وإنما المقصود هو إظهار الاتجاه الأبرز الذي طبع كلاً من المراحل التي نحن بصددها.

المرحلة الأولى، لنسمِّها “المرحلة الانقلابية”: انقلاب حسني الزعيم مهّد الطريق لسلسلة أحداث غيّرت مجرى التاريخ في سورية والعالم العربي. وقد بدأت بعد استشهاد سعاده وانتخاب الأمين جورج عبد المسيح رئيساً للحزب. ومع أن النشاطات الثقافية والفكرية التي رعاها الحزب بلغت سويات راقية من الإبداع في مختلف المجالات، إلا أن العقلية الانقلابية ظلت كامنة في جوهر التوجهات القيادية. ولعل الانقلابات العسكرية المتتالية في الكيان الشامي، وبعضها بقيادة ضباط قوميين أو مقربين من الحزب، هي التي تركت بصماتها على المنحى العام للممارسات الحزبية. وارتبطت تلك السياسة بالتعاون مع المعسكر الغربي تحت شعار مكافحة الشيوعية، ما أدى لاحقاً إلى تورط الحزب في استقطابات إقليمية أوصلته في نهاية المطاف إلى خوض معارك صيف 1958 إلى جانب القوى الطائفية المتحالفة مع الغرب. وأخيراً انتهت هذه المرحلة بالانقلاب الفاشل (1961 ـ 1962). وهكذا خسر الحزب آخر قاعدة متاحة له في الوطن لممارسة نشاطه العلني المرخّص.

ولا بد هنا من ذكر حادثة (للتأريخ فقط) رواها الأمين الراحل جبران جريج في كتابه “مع أنطون سعاده ـ الجزء الأول” تقول إن الزعيم استقبل سنة 1937 في بيت مري الضابطين القوميين أديب الشيشكلي وأمير شلاش اللذين بحثا معه “خطوطاً عريضة لمشروع انقلاب”. (صفحة 124). ولن ندخل في التفاصيل لأنها تقع خارج موضوعنا… لكن العقلية الانقلابية عند الضباط كانت طموحة حتى في ذلك الوقت المبكر!!

ظهرت بوادر المرحلة الثانية (لنسمِّها المرحلة الجماهيرية) في السجن، حيث قام بعض القياديين بمراجعة نقدية لعلاقات الحزب وممارساته السياسية خلال الخمسينات ومطلع الستينات. وعلى الرغم من الأصوات المعترضة داخلياً، إلا أن الحزب تبنى التوجهات الجديدة في مؤتمر “ملكارت” سنة 1969. وتضمنت توصيات المؤتمر القومي الاجتماعي آنذاك توجهات تتناقض مع السياسة الحزبية خلال الخمسينات. فانتقل الحزب من المواقع اليمينية المرتبطة بالمعسكر الغربي إلى سياسة السعي الحثيث للتحالف مع القوى اليسارية اللبنانية. وبقدر ما كانت القيادة الحزبية تستميت للتقرب من اليسار، بقدر ما ظلت تلك القوى مترددة ورافضة للتعاون مع القوميين… على الأقل حتى وقوع المواجهات المسلحة بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية سنة 1973، والتي مهدت لاندلاع الحرب الأهلية في الكيان اللبناني سنة 1975. وتلازمت “يسارية” الحزب آنذاك بتبني “الكفاح المسلح” في صراعنا القومي الوجودي مع العدو الصهيوني.

لكن عملية الانتقال إلى معسكر اليسار، وقرار الالتزام بالعمل العسكري، أسفرا عن نتائج لم تكن تركيبة الحزب الداخلية مؤهلة لتحمل تبعاتها، خصوصاً بعد كارثة فشل الانقلاب في لبنان. فمن ناحية أولى، خرجت إلى العلن خلافات فكرية وسياسية تمحورت حول مفاهيم اليسار والعروبة والصراع الطبقي والاشتراكية ما أدى إلى انشقاق الحزب. ومن ناحية ثانية جاء التركيز على استقطاب العناصر القادرة على حمل السلاح ليطغى على البناء العقائدي المناقبي الذي يميّز القوميين الاجتماعيين عن باقي الأحزاب في الأمة. وسرعان ما نشأت حالة استقطاب حادة تتعلق بالوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية، فظهرت ملامح علاقات تبعية لدى كل من طرفي الانشقاق الحزبي: أحدهما مع دمشق، والآخر مع منظمة التحرير الفلسطينية.

منذ مجازر أيلول 1970 التي ارتكبها النظام الأردني بحق المنظمات الفدائية الفلسطينية، كان الجميع يتوقع حصول شيء مماثل في الكيان اللبناني بعد انتقال المنظمات إليه. ولذلك غلّبت قيادات “المرحلة الجماهيرية” في الحزب التعبئة العسكرية على التثقيف العقائدي تحت شعار “عسكرة العقيدة”. وأعطت الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1976) القادة الميدانيين أوسع مجال لكي يؤثروا في صنع القرار السياسي. ومع استمرار الاشتباكات، باتت القيادة الدستورية الحزبية أضعف من أن تلجم هيمنة الميليشيات التي راحت تحتكم إلى السلاح لحسم الصراعات الحزبية الداخلية. كما أن القيادات الحزبية على أعلى المستويات آنذاك عمدت إلى استخدام المقاتلين لتصفية معارضيها (اغتيال الرفيق وسيم زين الدين ـ أبو واجب، نموذج واضح). وعندما أدرك بعض القياديين أن زمام الأمور أفلت من يده، وحاول تطبيق برنامج تثقيفي للمقاتلين تحت عنوان “عقدنة العسكر”، كان المارد قد أفلت من قمقمه، وشق لنفسه طريقاً مستقلاً إلى حد بعيد عن المسار الحزبي الدستوري.

قد يبدو مستغرباً أن نعتبر الغزو الصهيوني للكيان اللبناني سنة 1982 هو الذي أسس لقيام المرحلة الثالثة (ولنسمِها المرحلة الميليشياوية). فقد فجّر احتلال بيروت وتواطؤ الانعزاليين اللبنانيين مع العدو تحركاً مضاداً من قبل الأحزاب والمنظمات القومية والوطنية والإسلامية. وتمكنت قوى “المقاومة” من تنظيم نفسها وترتيب أوضاعها ونسج علاقات مفيدة مع بعض الأطراف المحلية والإقليمية. ونظراً إلى استمرار الاحتلال الصهيوني لبعض المناطق الجنوبية، أصبحت الأولوية للعمل العسكري المقاوم. وكان ذلك يعني أن القادة الميدانيين سيطروا على القرارات الحزبية تحت شعار كان قد أطلقه الرئيس المصري جمال عبد الناصر بعد هزيمة حزيران 1967: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”!

واختلط العمل المقاوم على الساحة اللبنانية مع حالة استقطاب إقليمية، طرفاها المتناقضان الأساسيان: دمشق ومنظمة التحرير الفلسطينية. ومع أن ياسر عرفات والمقاتلين الفلسطينيين غادروا لبنان بعد الغزو “الإسرائيلي” سنة 1982، إلا أنهم عادوا مرّة أخرى سنة 1985 وتمركزوا في طرابلس وضواحيها لمواجهة القوات السورية. ولم يبقَ الحزب السوري القومي الاجتماعي بمنأى عن هذا الصراع، فاندلع تنافس حزبي داخلي بين القادة الميدانيين، عجز المسؤولون المركزيون من السيطرة عليه. وفي ظل طغيان الميليشيا على القرار الحزبي، ونظراً إلى تواطؤ القيادات الدستورية مع المسلحين أو عجزها عن كبح جماحهم، حدث سنة 1985 ما توقعه كثيرون وسالت دماء القوميين الاجتماعيين بسلاح قوميين اجتماعيين! وعندما أعلن الأمين المحايري رئيس الحزب آنذاك حالة الطوارئ الحكمية سنة 1987، كان ذلك بمثابة ترسيخ لهيمنة الميليشيا… التي أكملت انتصارها الكلي بتعيين الأمين أسعد حردان عميد الدفاع نائباً ووزيراً من دون حقيبة في أول حكومة لبنانية بعد اتفاق الطائف.

إن قرار الحزب بالمشاركة البرلمانية والحكومية، في الكيانين اللبناني والشامي، أسسّ للمرحلة الرابعة (ولنسمِها المرحلة النيابية). ونعترف بأن هذه التسمية غير دقيقة، وهي من باب التجاوز. فالحزب لم يصبح “برلمانياً” ديموقراطياً، وإنما سمح للمسيطر على السلاح بأن يمثله في البرلمان وفي الحكومة. وتمكنت “الميليشيا” من احتكار كل أدوات السيطرة: المقاتلين، السلطتين التشريعية والتنفيذية، تهميش السلطة القضائية أو تعطيلها بالقوة، ارتباطات مع قوى خارجية… فأضافت الميليشيا إلى قدراتها العسكرية كل المنافع والخدمات التي تحقق المصالح الشخصية بفعل النفوذ النيابي والوزاري. وسرعان ما تفاعلت القيادة الحزبية مع المنظومة الأمنية الشامية ـ اللبنانية الفاسدة، وتبنت كل ممارسات الطبقة السياسية الرجعية. وكان لا بد من أن يترجم الناخب القومي استياءه بطريقتين:

أ ـ خلافات وانشقاقات داخل الحزب وخارجه، رافقتها حملات منظمة لفضح الفاسدين.

ب ـ رفض دعم المرشحين القوميين الاجتماعيين حتى ولو كان من بينهم أشخاص لا غبار على ممارساتهم، سواء تحت قبة البرلمان أو في المتحد الاجتماعي خارج الدائرة الانتخابية.

وشهدت الدورات الانتخابية المتتالية تراجع عدد النواب القوميين الاجتماعيين. وبسبب ابتعاد الأعضاء والأنصار عن الحزب، وتفشي الممارسات الفاسدة والنزعات الفردية عند بعض القيادات، خسر المسؤولون إرادتهم المستقلة. وأخذ “الحلفاء” يتدخلون في كل شاردة وواردة، خصوصاً في الانتخابات. وقد كانت نتائج الدورة الانتخابية الأخيرة، حيث فشل كل المرشحين القوميين وانفضح هزال الصوت الانتخابي القومي، بمثابة المسمار الأخير في نعش المرحلة الرابعة التي سميناها “المرحلة النيابية”… بينما يصح أن نسميها “مرحلة الفساد المنظم”!

يقف القوميون الاجتماعيون اليوم على أبواب المرحلة الخامسة، حسب تقديرنا، وهم في وضع دقيق وخطير: على المستوى الحزبي، وعلى المستوى القومي العام. ولا شك في أن مواصفات هذه “المرحلة” ستكون محكومة بطبيعة التحديات التي تواجهها الأمة، وبطبيعة الاستجابة التي يبديها شعبنا السوري عموماً والقوميون الاجتماعيون على وجه التحديد. وستكون نقطة البداية الإقرار بأن ممارسات الحزب وتوجهاته في المراحل الأربع لم تعد مناسبة للمتغيرات المعاصرة. ونحن نرى أن تلك المراحل تتشارك في خاصية مهمة وهي أن القرارات في معظم الحالات كانت فوقية، وقد تجاهلت القاعدة الحزبية التي لم تقصّر يوماً في العطاء… وكانت تدفع الثمن الباهظ في كل مرّة. وبغض النظر عن الأساليب المستخدمة لرسم معالم المرحلة الخامسة، وهذا أمر مصيري وملح، فمن المستحيل الخروج من عنق الزجاجة إلا بتطبيق قاعدة أن القوميين الاجتماعيين هم مصدر السلطات! ولكي نضمن حصول اليقين ووضوح الرؤية نحو المستقبل، لا يوجد أمامنا، قواعد وقيادات، سوى المراجعة والنقد الذاتي… والمحاسبة.

الحزب السوري القومي الاجتماعي أمام مسؤولية إعادة البناء

(من إدارة الانقسام إلى استعادة مشروع النهضة)

 حنان عابد

في اللحظات التي تتعاظم فيها الأخطار على مجتمعاتنا، تصبح أزمة الحزب السوري القومي الاجتماعي سؤالاً يتجاوز أسماء المتخاصمين ومواقعهم: كيف يستطيع حزب يحمل مشروعاً لنهضة المجتمع أن يستعيد قدرته على تنظيم نفسه، وصون وحدته، وإنتاج قيادة تتحمل المسؤولية؟ إن القيمة الفعلية لأي مشروع سياسي تظهر في قدرته على تحويل مبادئه إلى مؤسسات وسلوك وبرامج. ولذلك فإن مواجهة الأزمة تقتضي شجاعة مراجعة التجربة، وتحديد الخلل، وبناء طريق واضح للخروج منه.

وقد تحدثت “الأخبار”، في تغطيتها المنشورة بتاريخ 29 أيلول 2026، عن تعقّد الخلاف داخل الحزب وخطر اتساعه إلى انقسام أوسع. وهذه قراءة صحافية للتطورات، وليست حكماً نهائياً على مسؤوليات الأطراف أو صحة حججها الدستورية. لكنها تطرح سؤالاً ملحاً: هل تكفي تسوية جديدة بين القيادات لضمان ألا تتكرر الأزمة؟ [1]

وكان بيان عمدة الإذاعة المنشور في 28 شباط 2026 على موقع حزبي قد ربط وحدة الحزب بقدرته على أداء دوره، وأقر بأن التصدع ينعكس على التأثير في المجتمع. وبذلك فإن الحاجة إلى المراجعة تتجاوز النقد الصادر من خارج المؤسسات، وتجد ما يسندها في الخطاب الحزبي نفسه. [2]

إن استمرار قابلية الانقسام يستدعي فحص القواعد التي تنظّم السلطة والخلاف والمحاسبة، إلى جانب مسؤولية الأشخاص. فقد تنجح المصالحة في وقف التصعيد، لكنها تبقى معرضة للانهيار إن لم تُحسم الأسئلة التي أنتجت النزاع: من يملك التفويض؟ كيف يُمنح؟ ما حدوده؟ ومن يفصل في الخلاف حوله؟

حين تصبح شرعية القرار موضع نزاع دائم، يتراجع العمل السياسي لصالح الصراع على تعريف المؤسسة نفسها. وتُستهلك طاقات الرفقاء في متابعة المواقف والبيانات، بينما ينتظر المجتمع إجابات عن العمل والتعليم، والصحة، والعدالة… الخ من الأمور المهمة التي يريدها أي مجتمع واعٍ. لذلك فإن معيار الإصلاح يجب أن يكون قدرة الحزب على اتخاذ قرار واضح، ومراجعته، ومحاسبة المسؤول عنه، مع استمرار العمل رغم اختلاف الآراء.

ولا يصح استخدام الأخطار الخارجية لإرجاء الإصلاح الداخلي. فالحزب الذي يريد الدفاع عن استقلال المجتمع يحتاج إلى استقلال قراره، والحزب الذي يدعو إلى تجاوز العصبيات؛ مطالب بقواعد تمنع تحوّل الولاء الشخصي إلى معيار للموقع والمسؤولية. وتبدأ المراجعة الجادة بتقرير موثق عن الأداء التنظيمي والسياسي والمالي، يميز بين الإخفاق والخلاف المشروع، ويمنح المعنيين حق الرد. لا تخدم المؤسسة اتهامات بلا أدلة، كما لا تخدمها تسويات تمنع المساءلة.

إن العودة إلى سعاده تتطلب دراسة النصوص والسياق والغاية، ثم بيان كيف يمكن حمل المشروع إلى الحاضر. ويبدأ ذلك بتحديد نسخة موثقة من الدستور الأصلي ومراسيمه، ومقارنتها بالتعديلات اللاحقة، مع توضيح أسباب كل تعديل وآثاره. ومن دون هذا العمل قد يتحول الاحتكام إلى المؤسس إلى اجتهادات متعارضة يستخدم كل طرف منها ما يوافق موقعه.

ومن الضروري أن تعرض لجنة مختصة على القوميين خيارات واضحة لتطوير النظام: كيفية انبثاق السلطة، وعلاقة الهيئات بعضها ببعض، وحدود الصلاحيات، وطرق الانتخاب، والعزل، والطعن. وما يرد هنا مقترح إصلاحي للنقاش والإقرار، ولا يُنسب إلى الدستور الأصلي قبل التحقق من نصوصه. فالأمانة الفكرية تقتضي التمييز بين ما قاله المؤسس وما نقترحه اليوم لتطوير المؤسسة.

وأقترح أن يقوم النظام المقبل على تفويض حزبي معلوم المصدر والمدة، ومعايير كفاءة معلنة، ورقابة مستقلة. ويحتاج ذلك إلى سجل عضوية مدقق، وتمثيل منصف للوحدات الحزبية، وضمان مشاركة النساء والشباب والاغتراب، وإجراءات اقتراع وطعن قابلة للتحقق. كما ينبغي الفصل بين الإدارة التنفيذية والرقابة والفصل في النزاعات، حتى لا يكون صاحب القرار هو الحكم النهائي في الاعتراض عليه. ولا تنجح هذه الضمانات من دون تحديد مدد المسؤوليات ومنع تمديدها تلقائياً.

كما ينبغي أن يشمل الإصلاح رتبة الأمانة ومعايير منحها ودورها في تكوين السلطة. وقد تناولت كتابات منشورة في مؤسسة سعاده للثقافة إصلاح آلية الحصول عليها، مما يدل على أن السؤال حاضر في النقاش الفكري الحزبي، وإن اختلفت الإجابات عنه. [3]

وأقترح تجميد منح رتب أمانة جديدة خلال مرحلة انتقالية محددة، بقرار صادر عن المرجعية المخولة وفق النص النافذ، إلى حين إقرار معايير قابلة للفحص: المعرفة، والسجل النضالي، والنزاهة، والقدرة على تحمل المسؤولية، والخدمة العامة الموثقة. وتُراجع إجراءات المنح السابقة وفق معايير موحدة وحق دفاع واستئناف. أما إلغاء الرتبة أو تغيير آثارها الدستورية فيحتاج إلى المسار المختص، ولا يجوز تمريره بقرار إداري عابر. بهذه الطريقة تحافظ المراجعة على كرامة الرفقاء وتمنع استخدام الرتبة لتعزيز اصطفاف أو إقصاء خصم.

هذا ويحتاج الحزب إلى سياسة علاقات واضحة مع القوى القائمة، تُبنى على مصالح المجتمع وعلى توافقات محددة في القضايا العامة. ويجب أن تظل خياراته التنظيمية وقياداته وتمويله محكومة بإرادته المؤسسية. لذلك أقترح إقرار قواعد للإفصاح عن التمويل وتعارض المصالح، وتحديد الجهة المخولة عقد التحالفات، وإلزامها بتقديم تقييم دوري لما حققته هذه العلاقات وما كلفته. استقلال القرار يُختبر في القدرة على الاتفاق والاختلاف من موقع واضح ومسؤول.

وفي موازاة الإصلاح التنظيمي، ينبغي إعداد برنامج سياسي واجتماعي يربط السيادة والعدالة بحياة الناس: حماية الحقوق، ومواجهة الطائفية والتمييز، وتوسيع فرص العمل، والدفاع عن التعليم والصحة، وحضور فاعل لقضية فلسطين. ويحتاج كل عنوان إلى مقترحات وخطوات وشركاء وتقدير للموارد، حتى يستطيع المواطن والرفيق تقييم النتائج.

وتستطيع الوحدات المحلية أن تبدأ بمبادرات محدودة وفق احتياجات مجتمعاتها، تُدار بشفافية وتُراجع نتائجها. فالعمل بين الناس يوفر للحزب معرفة لا تمنحها البيانات وحدها، ويفتح مجالاً لاكتشاف كفاءات قيادية جديدة. كما أن إشراك النساء والشباب في وضع السياسات وإدارة الموارد ومراقبة الأداء يمنح المشاركة معناها الفعلي.

خطة انتقالية لستة أشهر

حتى تتحول هذه الرؤية إلى عمل، أقترح اعتماد ستة أشهر من تاريخ إقرار الخطة، تتوزع فيها المسؤوليات والمخرجات على مراحل معلنة:

خلال الثلاثين يوماً الأولى، تتوافق الجهات المشاركة على ميثاق يوقف التخوين والتشهير والانتقام التنظيمي بسبب الرأي، ويحمي الأرشيف والممتلكات، ويضمن استمرار الأعمال الضرورية. ويُشكَّل فريق تحضيري بتفويض مكتوب ومحدد المدة، مع إعلان طريقة اختياره وتعارض المصالح لدى أعضائه. هذا الفريق ينسق المراجعة ولا يمنح نفسه صلاحية قيادة دائمة أو تعديل الدستور.

بين اليوم الحادي والثلاثين واليوم الستين، تعمل ثلاث لجان: لجنة دستورية توثق النصوص وتعرض خيارات الإصلاح؛ ولجنة تنظيمية ومالية تدقق العضوية والموارد والالتزامات؛ ولجنة سياسية ومجتمعية تعد مشروع البرنامج والعلاقات. وتصدر كل لجنة تقريراً أولياً يتضمن الأدلة والأسئلة المفتوحة والمقترحات، مع حماية البيانات الشخصية والمالية الحساسة.

بين اليوم الحادي والستين واليوم التسعين، تُناقش التقارير في الفروع والاغتراب وفق جدول معلن، وتُجمع الملاحظات كتابة. وتلتزم اللجان بتوضيح ما أخذت به وما رفضته وأسباب ذلك، ثم تنشر الصيغ المنقحة. فالاستماع إلى القاعدة يفقد معناه إذا لم يترك أثراً يمكن تتبعه في القرار.

بين اليوم الحادي والتسعين واليوم المئة والعشرين، تُعرض المقترحات على مؤتمر مفوض وفق قواعد تمثيل متفق عليها، وبعد حسم المرجعية والإجراءات التي تمنحه صلاحية الإقرار. ولا يكفي إطلاق اسم “مؤتمر إنقاذ” لتجاوز النظام النافذ. وفي حال تعدد الأطر التنظيمية وتعذر الاتفاق على مرجعية مشتركة، تبدأ العملية بميثاق تعاون ولجان مشتركة من دون الادعاء بأن إطاراً واحداً يمثل الجميع.

بين اليوم المئة والحادي والعشرين واليوم المئة والثمانين، تُنفذ القرارات المقرّة، وتُجرى الانتخابات التي يجيزها النظام المعتمد تحت رقابة مستقلة، وتُطلق مبادرات مجتمعية ذات ميزانيات ومسؤوليات معلنة. ويصدر تقرير ختامي يقيس التنفيذ: اكتمال تدقيق العضوية، والتقارير المنجزة، والطعون المحسومة، والتزام المهل، والمشاركة الفعلية في النقاش والقيادة، ونتائج المبادرات.

مسؤولية البدء

ستواجه الخطة اعتراضات ومصالح متضررة وخلافات حقيقية حول تفسير النصوص. ولهذا تحتاج إلى ضمانات إجرائية، ومهل واضحة، وقبول مسبق بحق الاختلاف ونتائج الإجراءات المتفق عليها. وإذا تعذر الاتفاق الشامل، يمكن البدء بما يحفظ المؤسسة ويتيح المراجعة: وقف التشهير، وحماية الحقوق، وتوثيق النصوص، والتعاون في العمل الاجتماعي. ويجب أن تظل أي هيئة انتقالية مقيدة بموعد انتهاء وتقرير حساب، كي لا تصبح المرحلة المؤقتة طريقاً إلى سلطة مفتوحة.

إن الهدف من إعادة البناء هو استعادة قدرة الحزب على أداء وظيفة عامة تستحق تضحيات أعضائه وثقة المجتمع. وهذا يفرض على كل مسؤول أن يقبل خضوع موقعه للتقييم، وعلى كل رفيق أن يشارك في إنتاج البديل، وعلى كل مشروع إصلاحي أن يحدد ما يريد إنجازه وكيف سيُحاسب على إنجازه. مستقبل الحزب يبدأ من هذه المسؤولية: تحويل الإيمان بالنهضة إلى مؤسسة تستطيع التعلم والتصحيح والعمل بين الناس.

المصادر:

  1. الأخبار، «القومي أمام انقسام مفتوح»، 29 أيلول 2026 بحسب التاريخ الظاهر في الصفحة: https://www.al-akhbar.com/NewspaperArticles/lebanon/905626/القومي-أمام-انقسام-مفتوح
  2. موقع SSNP، بيان عمدة الإذاعة بمناسبة الأول من آذار، 28 شباط 2026: https://ssnp.online/بيان-عمدة-الإذاعة-في-القومي-بمناسبة-ا/
  3. مؤسسة سعاده للثقافة، «مقترحات لدستور ما بعد الزعامة»: https://www.saadeh.co/view-details/articles/119/مقترحات-لدستور-ما-بعد-الزعامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق