مسار جلجامش

أسئلة مؤجّلة أم محرّمة؟

في البحث عن عقل الحزب؟

[التحديق المتواصل لـ غاليله في الثريا المعلّقة في سقف الكاتدرائيّة، جعلته يكتشف تماثل الزمن للنواسات. التحديق المتواصل إنْ ترافق بالأسئلة يغيّر الواقع المقفل. الصورة أعلاه. سيرجيل]                               

مع الحدث الأخير وبين جدلية إقالة رئيس الحزب وإعلان حالة الطوارئ، وما تلاها من نقاش استنفذ نفسه ودخل في طور الجدل البيزنطي والتكرار، وما نتج عنها من اصطفافات، ومظاهر الأزمة التي رافقت الحدث، انبرى كثير من القوميين والمسؤولين، الغيورين على حزبهم إلى إنتاج مخارج أو مبادرات تعيد الحزب كتلة واحدة وتمنع انقسامه وتشرذمه. أمّا أنا فسأنبري إلى موقع آخر لأقول إنّها أزمة متكررة في سياق حزب مأزوم بالأساس.
كان من المفترض أن يفتح الحدث الذهن على ما هو أعمق من سؤال شرعية السلطة والخروج عليها، الذي علق به عقل المثقفين في الحزب وفي الاصطفافات الحاصلة التي لم تتبع الدستور وهي ظاهرة تاريخية تحتاج تفسيراٍ، وكان من المفترض أن يحرك الحدث ذهن نخب الحزب لنقل السؤال إلى مكانه الصحيح: لماذا هذه النزاعات الدائمة وعدم الاستقرار في هذا الحزب؟ وهو سؤال ليس بجديد.
ومن المفيد القول إنّه مع اقتراب الحزب من قرنه الأول كان من المفترض أن نلاحظ أننا تأخرنا في طرح الأسئلة الحزبية الجوهرية العميقة. كان من المفترض أقّله بعد وحدة الحزب الأخيرة عام 1998 وبعد انتهاء الحرب الاهلية في لبنان وبداية استقرار المؤسسة وحالة الاستقرار الذهني، أن يتم بدئ طرح السؤال السابق.
لكن من الواضح أن المؤسسات تعيش حالة الانفصال عن الواقع (واقع الامة وواقع الحزب)، أو قصورها عن طرح الأسئلة، او ربما هي غير جاهزة لطرحها وحضانتها داخلها والاستفادة منها وترجمتها. فبين الأسئلة المحرمة أو الاسئلة المحددة بسقف، كان الحزب يهرب من السؤال النقدي فيتم طرحه ومعالجته خارج الحزب. والواجب السؤال:

لماذا لا يواجه الحزب الأسئلة الملحة؟ ما هي مؤسسات طرح الاسئلة النقدية في الحزب؟ أين يطرحها؟ من هو المؤهل للخوض فيها ليعالجها؟ هل للحزب عقل؟ من يمثل عقله؟ أين يوجد هذا العقل؟ ما هو واقعه؟

قد لا تكون هذه من الأسئلة المحرمة لكنه قد يقود الى نتائج محرمة.
وتمضي المؤسسات إلى الالتفاف عليها باعتبارها أسئلة ترف، وهذا يعني اغلاق الأسئلة بحجة ملطفة، أو لأنَّ نتائجها تقود إلى مراجعة النهج السائد الذي لا يحتمل انتقاداً. لكن يبدو أنَّ عاملاً إضافياً يمنع طرحها، فمشكلة كبيرة هي في الخوف على وجدان القوميين ومشاعرهم الصافية وتضحياتهم من مواجهة بعض النتائج المرة فإبراهيم يموت سماها الحصاد المر وجهاد جديد جنوح الاشرعة. نحن نعاني من جدلية معقدة بين العقل والوجدان فما يقبله العقل أحياناً قد لا يقبله الوجدان فينتفض حكماً. لذلك نعيش هذا الصراع ونهرب من الأسئلة التي تثير مشاعرنا.

سأعرض هنا للأسئلة العامة الملحة لإعادة الذهن القومي إلى لب المشكلة وإخراجه من جدلية مجلس أعلى، طوارئ / ودستوري شرعي، وغير دستوري وغير شرعي.

السؤال الأول هو سؤال الخطاب: خطاب الحزب منذ استشهاد سعادة حتى اليوم كله خطاب اشكالي. والاشكالية تكمن في مدى حمله واستمراره كخطاب سعادة وخطاب النهضة والأمة. فلو قلنا إنَّ خطاب سعادة انتهى معه هل هذا ظلم؟ ولأن هذا ليس موضوعنا ويحتاج دراسة متخصصة، مع الإشارة إلى أنَّ خطاب سعادة لم يتم دراسته دراسة اكاديمية متخصصة. إنَّ خطاب ما بعد سعادة خاصة الخطاب السياسي يحتاج إلى تقييم ودراسة وتفسير تقلباته المتباعدة وأحياناً في حدود التناقض، وإلى أي مدى ظل مرتبطاً بخطاب المؤسس. ولكن لأنه ليس موضوعنا، فالسؤال هو عن خطاب الحزب اليوم. والثابت أنَّ خطاب سعادة قد أحدث صدمة كبيرة في مجال الفكر والفلسفة والدين والفن والتشريع والتاريخ والفكر القومي، شكلت حالة من الاستقطاب وهزت النظام السائد ومؤسساته. بالمجمل هو خطاب قومي نهضوي صراعي مستقبلي انشائي.
من الملح طرح موضوع خطاب الحزب اليوم على ساحة الامة. هل لهذا الخطاب هويته؟ وقضاياه الأساسية وسلم اولوياته ومضمونه؟ ومدى احاطته بالقضايا الملحة من حوله، ومدى قدرته على مواكبة متغيرات العصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ مواكبته للتطور العلمي وآخر نتائجه ونقاشاته، هل لا زال خطاباً نهضوياً؟ هل لا زال استقطابياً في مجالات الثقافة، والفكر، والسياسة، والفن؟ ما هي المؤسسات التي تصنع الخطاب؟ ما مدى أهليتها؟

إنَّ خطاب سعادة القومي النهضوي الصراعي غائب اليوم وغيابه ناتج عن أسباب كثيرة تحتاج بحثاً.
السؤال الثاني هو سؤال نظام الشكل ونظام الفكر. إنَّ تلازم نظام الشكل بنظام الفكر وقدرة الشكل على مواكبته، جعلت التحدي الاكبر يقع على المؤسسات من حيث خضوعها لتحدٍ دائم. إنَّ أي تراجع في نظام الشكل وهو نظام المؤسسات يجعل منه قيداً بدل أن يكون مجالاً لحضانة الفكر. فالفكر الرائد يحتاج إلى مؤسسات رائدة وبالتالي تتعطل قدرة المؤسسات غير المبدعة على مواكبة الفكر المبدع. الفكر الرائد يحتاج إلى مؤسسات رائدة. هل تعاني المؤسسات من جنوحها نحو النظام الابوي. وما هي نتيجته على النهضة كلها؟ سؤال يحتاج بحثاً كي يكتمل المشهد.
وهذا يفسر لنا كثيراً من طبيعة الأزمة، إنَّ المؤسسات في كثير من محطات تاريخ الحزب تحولت إلى قيد. ولو استعرنا من الأمين هنري حماتي مقولته إنَّ الحزب كان في كثير من تاريخه عدو الحركة السورية نفهم معنى القصد. واليوم السؤال ما هو واقع الحزب والنهضة؟ هل الحزب هو حزب النهضة؟ وإذا لا، كيف يعود حزب النهضة؟ وإذا كان استعادة مؤسسات سعادة الثقافية والقضائية والإعلامية والعسكرية والإدارية والاذاعية هي أساس البناء واستكمال ما يلزم، فيصبح السؤال كيف تعود مؤسسات الحزب مؤسسات سعادة؟
السؤال الثالث هو المشروع من البديهي طرح سؤال: هل يحمل الحزب مشروعاً واضحاً؟ واضح الملامح والعناوين والأدوات اللازمة لتحقيقه ومؤسسات لترجمته ولائحة أهداف مرحلية قابلة للتحقق في فترات زمنية؟ تحت عناوين إزالة الاحتلال والتجزئة السياسية، والاجتماعية، وقيام الامة، ونهوضها.

والسؤال من يصنع أو ينتج هذه المشاريع؟ من يراجعها؟ من يضعها حيز التنفيذ؟ مع ضرورة الإشارة إلى قدرة المشروع على الإحاطة والتعامل مع المتغيرات السياسية المتسارعة على المستوى القومي والاقليمي والعالمي. وفي علاقة الخطاب بالمشروع تصبح العلاقة لازمة. فلا خطاب حيث لا مشروع. والسؤال اذن: كيف نبني مشروعاً للحزب؟ (عناوينه ومضمونه وأدواته ومؤسساته).
السؤال الرابع الواقع والقدرة يعاني الحزب من مشكلة عدم دراسته لواقعه وتحليله. الواقع يعني واقعه البشري والإداري التنظيمي وامكانياته. واقع أعضائه التنظيمي، كيف يتوزعون اليوم وأين؟ والذين خارج التنظيمات الموجودة.
إنَّ قدرة الحزب الأساسية على حمل مشروع النهضة ترتبط مباشرة بواقعه. والإشارة أنَّ بين قدرة الحزب الفعلية وقدرات القوميين الإيمانية علاقة عكسية وهنا موضوع جدلية العقل والوجدان، الفكر والايمان. يعيش القوميون حالة إيمانهم “أن فينا قوة لو فعلت …” ولكن الواقع لا يفيد ذلك فتبقى لو فعلت شرطية تفسر هذا العجز المشروط..
وبشأن مثقفي الحزب ونخبه الفكرية والنضالية والعلمية ومدى قدرة المؤسسات على تنظيمها وتأطيرها وتوحيد جهودها. أيضاً قدرة المؤسسات على إنتاج المشروع وعلى الاستقطاب السياسي وعلى بناء الخطاب وتجديده وعودته فاعلاً مؤثراً على الساحة القومية. لا يمكن أن يعرف الحزب قدراته طالما لم يتم دراستها.
السؤال السابع عن القراءات المتعددة: بعد سعادة لم يبق شيء لم يجر الاختلاف عليه: مفهوم الديمقراطية التعبيرية وشرحها، ومصدر السلطة وانبثاقها، ودستور الحزب كما أراده سعادة ونظامه السياسي، ونظرة الحزب الاقتصادية، ونظام الحكم في سوريا الموحدة، والمدرحية وعروبة الحزب واشتراكيته وثوريته والموقف من المقاومة الإسلامية وغيرها. كل ما لم يحسمه سعادة اختلفنا عليه. قاموس موحد للمفاهيم لم يتم إنتاجه من المؤسسة الحزبية. نحن أمام فوضى فكرية موصوفة. عشرات التفسيرات والاجتهادات والتحليلات توضع أمام ذهن العضو فتجعله في حالة تشتت وضياع وتخبط. وكيف يتوحد الاتجاه في ظل هذا الواقع؟ يجب حسم القضايا الخلافية من قبل المؤسسة من قبل مؤسساتها المختصة ووضع كتاب موحد في ذلك. وتترك الآراء المختلفة لأصحابها.
   السؤال الثامن تحقيق منجز: يواجه الحزب اليوم هذا السؤال، ما هي المنجزات التي حققها الحزب بعد هذه المسيرة؟ ما هي أهميتها بالنسبة لمشروعه؟ أين صرف الحزب طاقته؟ هل كانت هدراً أم استثماراً أم كانت بدداً كما خلص الرفيق أسامة المهتار؟ هذه الأسئلة تحتاج إجابات. ولا يمكن تحميل الافراد هذه النتائج فكل ما تتطلب منهم قدموه دون تلكؤ (جهوداً وأموالاً وتضحيات حتى الاستشهاد). لم يقصر الافراد أبداً.

إذن يصبح السؤال حول إدارة هذه التضحيات وكيفية توظيفها. الأعضاء أم المؤسسات؟

يشهد تاريخ الحزب أنَّ الأفراد قدموا كامل قدراتهم المادية والبشرية فما قصروا. وأنا برأيي، إنَّ الطاقة العالية ومصدرها إيمان القوميين، داخل الحزب تجعله تحت ضغط التفريغ. وحده المنجز يفرغ الطاقة الداخلية. من هنا أعتقد أن إحدى عوامل الصدامات الداخلية هو في هذا المجال.
السؤال التاسع: أهلية القيادات ان حجم القضية ومتطلباتها والاهداف التي تنكبت لتحقيقها تتطلب قيادات بدرجات عالية جدا ومؤهلات فوق العادة سواء على المستوى الفكري او النفسي او الاخلاقي. ومن هنا فأي تراجع او تدني في هذه المستويات تمنعها من قدرتها على حمل هذه القضية.؟ والسؤال هل القيادات التاريخية كانت مؤهلة لحمل هذه القضية؟ تاريخ الحزب لا يفيد بذلك حتى وصل الامر بأحد البحاثين ان يقول كأن هذه القضية صنعت لسعاده الذي كان وحده قادراً على حملها، ولما استشهد تبين عجز القيادات عن حملها والسير بها نحو تحقيق اغراضها. واليوم ان انتاج المشروع وحمله وإنتاج الحطاب وإنتاج الخطط وحسم الإشكاليات الدستورية ومراجعة المؤسسات الحزب كاملة وإدارة الموارد البشرية والمادية هذه كلها تحتاج الى قيادة بمؤهلات فوق العادة.
السؤال العاشر: عقل الحزب؟ إنّها احجية تحتاج حلاً. أين يقطن؟ من يمثله؟ كيف يقارب القضايا الاشكالية؟ لماذا كان غائباً كل هذه الفترة؟ هل كان محتجزاً، مغيباً، معتقلاً؟ ؟والأهم كيف نستعيد هذا العقل ؟
بالخلاصة يحتاج الحزب اليوم إلى لمّ نفسه، واستعادة عقله ورشده، ومراجعة واقعه، وإنتاج مشروعه، وتجهيز أدوات المشروع وإعادة قراءته للواقع المحيط به وللتغيرات الحاصلة في العالم وحسم مسألة دستوره وخطه النضالي وهويته القومية والنهضوية وترجمتها وإقامة الحد الفاصل بين الحزب والنهضة ومراجعة مؤسساته والحاجة إلى استكمال اللازم منها وتصحيح علاقته بمؤسسات النهضة وإعادة توظيف المغترب الحزبي والنهضوي في مشروعه سواء على المستوى الثقافي والإعلامي والسياسي والفني، وإنتاج خطابه المعبر عن هويته، ورسم قضاياه الأولوية وإيجاد الاعلام اللازم لنشر خطابه، وحسم كيفية الوصول إلى عقل الشعب ووجدانه.

   حتى لا يبقى العقل محاصراً داخل حدود الحدث الأخير فنحن بحاجة إلى قيادة ذات رؤية عميقة واعدة ومشروع فكري ينطلق من مؤتمرات فكرية تندرج تحت عناوين مفتوحة للم الجميع وامكانيات الحزب البشرية هائلة جداً، ولكنها مشتتة ومشرذمة واستعادة عقل الحزب من هجرته القسرية خارج المؤسسات وداخلها. عناوينها:

أولاً، مؤتمر واقع الحزب وواقع الامة.

ثانياً، مؤتمر الخروج من الواقع: أسس مستلزمات ومعوقات.

ثالثاً، مؤتمر بين حزب الواقع وحزب النهضة: الانتقال وخارطة الطريق.
نحن امام حزب يشيخ بحاجة إلى محطة تجدد تعيد شحن عقله ووجدانه وطاقته.

 أخيراً، إنَّ إيمان القوميين ما زال صلباً ثابتاً جديراً بحمل موجبات النهضة لكن عقلهم ووعيهم أنهكته صراعات الأطراف، وتشويه العقيدة والمفاهيم، والسرديات الزائفة، فبات مشوشاً فاقداً بوصلته، وفي حالة لا يحسد عليها. لم يعد يحتمل مزيداً من التشويه والتضليل. الحاجة الى العودة الى سعادة حاجة ماسة، ولكن عندما قررنا بزغل العودة إلى سعادة لم نصل إليه لأننا سرنا في طريق استغلال اسمه..

عمق المعركة هي في هذه التحديات وطرح الأسئلة والاستعداد للإجابة عليها والانخراط في متطلباتها وتحمل نتائجها الفكرية والعملية.

 يجب نقل المعركة إلى السؤال الجوهري سؤال المشروع، وسؤال الخطاب، سؤال الخروج من الواقع عمق المعركة هي استعادة حزب النهضة العامل والمهيأ والمؤهل.
كان سعاده واضحاً أنَّ الامة تعاني من خطر الموت والاندثار، كذلك الحزب يعاني من الخطر نفسه. على هذا المستوى من المعركة على الحزب مقاربة التحديات.
تحتاج الأمة مخلّصاً أوجده سعادة هو الحزب، ويحتاج الحزب مخلصاً يجب إيجاده أو انتظاره.

أسئلة مفتوحة… وحديث مستمر…

ابراهيم مهنّا

باحث وكاتب في الشؤون القوميّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق